مفهوم النمو والتطور الشخصي من منظور علم الإنسان الإلهي
أحد المصطلحات الأكثر شيوعاً في العقود الأخيرة، والتي تظهر كثيراً في الصفحات الافتراضية، والمواقع الإلكترونية، والكتب، هو مصطلح “النمو والتطور الشخصي” والمهارات المتعلقة به.
باختصار، إن النمو والتطور الشخصي هو عملية تعلم الأفراد كيفية استخدام مواهبهم وقدراتهم لتحقيق أهدافهم، وامكانية تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وإدارة علاقاتهم الاجتماعية، وتطوير حياتهم المهنية، و من هذا القبيل.
ينبع أصل هذا المصطلح من الحضارة الغربية. ونتيجة لذلك، فإن النسخة التي يقدمها لنمو الإنسان وتطوره مستمدة من علم الإنسان الغربي(علم الإنسان الغربي | التحديات التي يواجهها علم الإنسان الغربي) . وبما أن تعريف الإنسان في المدارس الغربية غير صحيح بالأساس، فإن الذات المستثمرة هنا ليست الذات الحقيقية للإنسان(ما معنى “الأنا الحقيقية” في الوجود الإنساني؟ تعريف لمفهوم “أعلى من العقل” أو “ماوراء العقل).
بعبارة أخرى فإن ما يعرف بـ “الذات” في هذه العملية هو الجانب المادي أو النباتي أو الحيواني أو في أقصى الحالات الجانب العقلي للإنسان، وتهدف عبارة “التنمية” إلى توسيع هذه الأبعاد بالذات وتحسينها. كما أن الأمر الآخر الذي يتعلق بالنمو الشخصي والتطور بالشكل الشائع والتقليدي، وهو هدف خلق الإنسان. إن علم الإنسان الغربية يعرّف الإنسان في نطاق الولادة إلى الموت ولا تعترف بأهدافه إلا في هذا الإطار. لذلك، فإن البرامج التي يقدمها خبراء التنمية الشخصية تتعلق بشكل أساسي بالنجاح المادي قصير المدى، ونادرا ما تظهر فيها أمور مهمة يستفيد منها الإنسان في حياته الأبدية.
وبما أن هذه العمليات تتجاهل الجانب الرئيسي من الوجود الإنساني، فإن النمو الذي يحدث في سياقها هو نمو زائف أشبه بالفقاعة، يفشل في نهاية المطاف في تعزيز الرضا الحقيقي الطويل الأجل. في حين أن مبدأ التنمية الفردية حيوي لا غنى عنه، فإن الاستفسار الحاسم يظل قائماً: أي جانب من جوانب وجودنا يستحق التنمية والرعاية؟ في أي أبعاد يجب أن يتم النمو لضمان السعادة في هذه الحياة والآخرة؟ وعلاوة على ذلك، يجب أن نفكر: كيف ينبغي أن يتجلى هذا النمو في حياتنا؟ وما هي المعايير والمقاييس التي يمكننا استخدامها لتقييم مسارات النمو لأنفسنا وللآخرين؟ في هذا المقال، سوف نستكشف ونلقي الضوء على هذه الأسئلة الأساسية.

من الأكثر تطوراً؟
إننا جميعًا، وبسبب الروح اللانهائية و طلب الكمال الذي أودعه الله في طيات وجودنا، نسعى بشكل فطري إلى النمو والتقدم، ونكره الركود و السكون. كما أن جميع جهودنا وسعينا في الحياة ترتكز على هذا المبدأ، وهو أننا دوماً نود أن نكون أحسن مما نحن عليه و نحقق إنجازات أكبر. إن من لديه درّاجة نارية يحاول شراء سيارة، ومن لديه سيارة يحاول ترقية موديل سيارته، المستأجِر يحاول أن يصبح مالك منزل، ومن لديه منزل يحاول توسيع منزله، الأعزب يحاول الزواج، والمتزوج يريد أن يكون له أولاداً، من لديه شهادة الثانوية، يسعى جاهداً إلى الحصول على درجة البكالوريوس، ومن يملك شهادة بكالوريوس يطمح إلى مستويات أعلى.
باختصار، إن رغبتنا الإنسانية في النمو وتحقيق الكمال لا نهاية لها، لدرجة أنه لو عرض علينا كوكب الأرض بكل امكاناته، لفكّرنا في احتلال كواكب أخرى! وبالطبع فإن هذه الرغبة هي رغبة طبيعية وفطرية تماماً، وإذا لم يكن لدى الإنسان رغبة في النمو والتطور الشخصي فلا بد أنه مصاب باضطراب. ولكن، هل تُعتبر جميع أنواع النمو نمواً حقيقياً؟ وهل يمكن القول أن من حصل على الدكتوراه يتمتع بالضرورة بشخصية متطورة؟ هل يكون مدير الشركة بالضرورة أكثر نموّاً من موظفيه؟ وهل يمكننا أن ندعي أننا كسبنا نمواً إذا ارتقى طراز سيارتنا أو زاد حجم منزلنا؟
للإجابة على هذه الأسئلة، علينا العودة إلى تعريف الإنسان. ذكرنا أن الإنسان هو كون شامل يحتوي على نسخة وملخص لكل أجزاء العالم من المادة إلى الله، إن ما يجعل الإنسان إنسانا هو ليس أجزائه السفلية والمادية، بل إنه يتمتع بالتفوق والكرامة على سائر المخلوقات بفضل امتلاكه للروح الإلهية، ولذلك فإن نموه الحقيقي يكمن في نمو و تطور جانبه ما وراء العقلي. نتيجة لذلك، إذا نظرنا إلى مفهوم النمو والتطور الشخصي من الزاوية الصحيحة، يمكننا القول أن التطور الشخصي الحقيقي لا يحدث إلا عندما تتسع نفس الإنسان أو روحه، والتي تشكّل في الواقع البعد الرئيسي والأبدي لوجوده. أما التطورات في المجالات الأخرى فهي مقدسة ومحترمة وقيمة فقط إذا كانت ممهدة لهذا التطور، وإلا فإنها ستكون كالورم السرطاني الذي يزداد خطورة كلما كبر. دعونا نرى الآن كيف تتوسع نفسنا أو روحنا وما هي علامات هذا التطور.
علائم النمو الحقيقي
إن المقام الحقيقي لنا نحن البشر هو منصب خليفة الله، وقد اودع الله هذه القدرة من خلال نفخته من روحه فينا. يطلق لقب خليفة على من يخلف غيره ويقوم مقامه. وكلمة (الله) هي أيضًا كلمة جامعة لكل الصفات الإلهية، وكما عبّر عنها العرفاء، فهي مستجمع جميع الصفات. إذن فإن خليفة الله تعني ذلك الذي يخلف الله والمظهر لجميع صفاته.
يصل الإنسان في منصب خليفة الله إلى درجة يصبح فيها التجلي الكامل لإرادة الله، وتصبح عيناه وأذناه ويديه ولسانه عيون الله وأذنيه ويده ولسانه. لا يوجد هناك مقام أعلى من هذا المقام في الكون، إنه الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحتى الملائكة لم يكونوا أهلاً لقبولها.[1]
وبالتأكيد فإن قدرة خلافة الله هي ممكنة وليست فعلية عند جميع الناس. بعبارة أخرى، فإن للخلافة درجات، وكلما تخلق الإنسان بأخلاق الله وتجلى بأسماءه في وجوده، زادت حصته من هذه الخلافة. وبالنظر إلى هذه النقاط، فإن الإنسان الناضج ليس هو ذلك الذي يحمل شهادة علمية أعلى، أو يتمتع بجسم أجمل، أو يملك مالاً أكثر، بل هو الإنسان الناضج الذي وصل إلى بلوغ في بُعده ما وراء العقلي، ويزداد شبهاً بالله يومًا بعد يوم.
بطبيعة الحال فإن النمو وتطور الشخصية، مثل أي نمو آخر، له مظاهر وعلامات، وأهمها «الرحمانية». الرحمانية هي أهم علامة على البلوغ، وهي أول صفة يجب أن تظهر وتتجلى في وجودنا.
إن اسم الرحمن هو سلطان وملك باقي الأسماء، وعندما يتجلى في شخص ما، تحلّ باقي الأسماء في وجوده تلقائياً. من كان رحماناً، يصبح رؤوفاً أيضاً، ويصبح كريماً ومعطاءً، ويصبح غفاراً ساتراً للعيوب، ويصبح حليماً وصبوراً. كل من كان رحماناً، تظهر لديه أكبر وأعمق محبة وتواضع تجاه العالم من حوله. كالشخص الذي يحترم حتى الأحجار والجمادات، فما بالك بالبشر.
العلامة الثانية للنمو والتطور الشخصي هي التمتع بـ “السرور والطمأنينة”. وتماما كما أن تقييم أداء مناجم الذهب يعتمد على كمية الذهب التي تستخرج منها، فإن تقييم أداء الناس في طريق النمو يعتمد أيضا على كمية السرور والطمأنينة التي تنبعث من أنفسهم.
إن الفرح والسكينة هما أقل الإنجازات التي نحصل عليها في مسار السير نحو الله، والتي تنشأ تلقائيًا إذا سلكنا هذا الطريق بشكل صحيح. كلما أردت أن تتأكد من سيرك الصحيح في طريق الكمال والنمو، ألقِ نظرة على انشراحك الداخلي، وانظر إلى مدى قدرتك على الحفاظ على السرور والاطمئنان دون الاعتماد على العوامل الخارجية، بل بالاعتماد فقط على ما تملكه في داخلك.
كلما زادت مهارة التحكم في الغضب والحقد والاستياء والغيرة والخوف والقلق، تكون شخصيتنا أكثر تطوراً.
إن علامة النمو الثالثة والأخيرة، والتي تعتبر أساس وأم العلامات الأخرى من حيث الأهمية، هي مسألة تنظيم نظام المودة أو “الحب”. فليكن حب الله هو القوة الدافعة لنا في السير نحو الكمال، وإذا لم يكن موجودا فلن تتحرك روحنا الساعية!
الحب هو الذي يحرر النفس ويمنع الإنسان من التوقف في الطرق الضيقة والصعبة، وصفات الرحمة والفرح والطمأنينة، كلها تنتج عن الحب. الشخص الذي لا يحب معشوقًا حقيقيًا سيبذل قلبه حتماً لأمور لا تجلب له سوى الحزن والخوف والذل..
ناقشنا في هذا المقال مفهوم النمو والتطور الفردي وقمنا بمقارنة النظرة غير الإلهية لهذا المفهوم وبين النظرة الإلهية والإنسانية. شرحنا أن النمو الحقيقي للإنسان لا يحدث إلا في ظل هدف الخلق والتشبّه بالله، وأن التطورات الأخرى إذا لم تتماشى مع هذا الطريق، ستكوّن تقدماً زائفاً وخطيراً.
كما ذكرنا الرحمة والسرور والطمأنينة ومحبة الله باعتبارها العلامات الأربع الرئيسية التي تُظهر نمو الشخصية ونضجها، وشرحنا أننا مع مطابقة أنفسنا مع هذه المعايير يمكنه قياس تقدمه أو تراجعه في المسار من الكمال.
في النهاية، ندعوك إلى ممارسة تحد ممتع! وهو تقييم شخصيتك على أساس هذه السمات الأربع ومنح نفسك درجة. في أي الصفات أنت أضعف وفي أيها أنت أقوى؟ إذا أردت، يمكنك مشاركتنا النتائج.
[1] . «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَىالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا…؛…» سورة الأحزاب، آیه 72