لماذا من الضروري وجود ميزان للأعمال؟ ومن هو ميزان أعمال الإنسان؟
لقد أوضحنا في دروس سابقة أن لكل ظاهرة ومفهوم أداة قياس خاصة به تُعرف بـ”الميزان”، وأن أعمالنا بدورها سوف تُوزَن بـ “الحق” يوم القيامة.[1] بمعنى أن أفعالنا في يوم القيامة تُقاس بالحق، وأن وزن كل فعل يتناسب طرديًا مع مقدار الحق الذي بُذل في إنجازه. وكلّما كان العمل مشحونًا بالحقّ والحقيقة، ، ازداد بذلك اعتباره وقيمته وثقله..فالله سبحانه وتعالى خلق كلّ شيء في هذا الوجود بدقّة رياضية وميزان دقيق، وجعل لكلّ شيء قدرًا وميزانًا متناسبًا، وهو نفس “الحق”.
وفقًا لمنطق الخلق الرياضي، تتطلب أجسامنا نسبًا دقيقة لعناصر أساسية كالسكر والدهون والحديد والكالسيوم، وهذه النسب والمقادير هي المعيار الحق الذي يُقاس به سلامة الجسد. فالجسم السليم هو الذي تتوازن فيه جميع هذه العناصر ضمن معدلاتها الصحيحة وباعتدال؛ وإلا فإنه سيُعاني من الضعف والمرض والاعتلال. والآن، إذا كانت مطابقة الجسد لميزان الصحّة—وهو الذي لا يلازمنا سوى فترة قصيرة في الدنيا—بهذا القدر من الأهمية، فكيف بسلامة الروح أو القلب، وهي رأس مالنا الأبدي في عالم لا نهاية له؟
فكما نعلم، نحن بحاجة إلى قلب سليم لننعم بالسعادة والسكينة في الدنيا، وبحياة مفعمة باللذة والنعيم في الآخرة. لهذا، ومن هذا المنطلق، فإن أهم مقياس يجب أن نلتفت إليه هو مقياس روحنا أو قلبنا. يجب أن يتوافق قلبنا مع الحق أو معايير الآخرة لكي ننسجم مع الظروف المعيشية للجنة وما فوقها، ونتذوق حلاوة السعادة الأبدية. فعلى سبيل المثال، القلب الذي يمتلئ بالرذائل كالحقد والحسد والتشاؤم والكبر لا ينسجم مع الحق وظروف الحياة في الجنة، بينما القلب الذي قد اكتسب صفات الرحمن والكريم والستار والغفور، وهي صفات الله الحسنى، يكون متوافقًا مع الظروف المعيشية للجنة. في ضوء كل هذه التفسيرات، هل يوجد من اتحد قلبه وروحه مع الحق اتحادًا تامًا؟ وحده مثل هذا الشخص يمكن أن يكون ميزان أعمالنا معيار لتقييم سلامة قلوبنا وأرواحنا.
بمعايير أعمال مَن تُقاس أفعالنا؟
نحن عادةً عندما نرغب في قياس شيءٍ ما، نُقارنُه بأفضل حالاته، أي بالنموذج الأعلى أو المثال الأكمل لذلك الشيء. على سبيل المثال، حين نقيس صحّة أعضاء الجسد كالعين، والأذن، والأنف، والشفاه، والفم، واليد، والقدم، والعظام، والقلب، والمعدة، والكبد، فإنّ المعيار في ذلك هو الحالة السليمة تمامًا لذلك العضو، التي تتوافق كليًّا مع شروط الحياة في الدنيا. فمثلًا: الأذن السليمة تلتقط تردد 8000 هرتز بوضوح، والقلب السليم ينبض ما بين 60 إلى 100 ضربة في الدقيقة. بعبارة أخرى، الجسد السليم هو الميزان الذي تُقاس به سلامة سائر الأجساد.
وهكذا هو الحال أيضًا مع القلب أو الروح. فمقياس أعمالنا أو معيار سلامة قلوبنا هو القلب السليم في أتم صوره، وجميعنا يعلم أن المعصومين (عليهم السلام) يمتلكون أزكى القلوب وأصفاها، أي القلب السليم بحق.
إن أهل البيت (عليهم السلام) هم أول خلق الله، والمثل الأعلى، والمرآة التامّة العاكسة لصفات الله؛ بمعنى أن جميع الأسماء الإلهية متجلية فيهم بالفعل. هم خلفاء الله في الأرض، فكلّ ما يصدر عنهم من أعمال، هو عين ما أمر الله به. ولهذا السبب، فإنهم النموذج الأعلى للإنسانية، والمعيار الذي تُوزن به أعمالُنا. ومن هنا ورد في زيارة أمير المؤمنين علي (عليه السلام): “السلام على ميزان الأعمال”.[2]
وبالتالي، كلما اقتربت أعمالنا من أعمالهم، وتشابهت حياتنا مع أسلوب حياتهم الإنساني، ازدادت قيمة العمل وثقله عند الله، كما يوزن في الآخرة بناءً على أعمال المعصومين (عليهم السلام)، أي على ذلك الميزان الحق. فعلى سبيل المثال، تُوزن صلاتنا بصلوات أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وكلما كانت صلاتنا أقرب إلى صلاته، زادت قيمتها ورجحت كفة ميزاننا. وبوجه عام، فإن الحسنات تُثقّل ميزان الأعمال، بينما السيئات والذنوب تُخفّفه. ونحن في كلّ لحظة من لحظات حياتنا، من خلال خياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا، نتحرك إما نحو القلب السليم أو نبتعد عنه؛ فإذا كانت هذه الأمور متوافقة مع الحق وسيرة المعصومين (عليهم السلام)، فإننا نتقدم نحو القلب السليم ونولد ولادة سليمة صحيحة في الآخرة، ونتيجة لذلك ننعم بالسعادة الأبدية.
في هذا الدرس، تحدّثنا عن ميزان الأعمال، وبيّنا أن المعصومين (عليهم السلام) هم مظهر سامٍ من مظاهر الحقّ تعالى، وهم المعيار الإلهي الذي تُقاس به أعمالُنا.
في هذا الدرس، تناولنا مسألة ميزان الأعمال وأوضحنا أن المعصومين (عليهم السلام) هم التجليات الأسمى للحق تبارك وتعالى، وهم المعيار الدقيق الذي تُوزن به أفعالنا. بمعنى آخر، فإن قيمة أعمالنا وثقلها يعتمد على مدى قربها وشبهها بأفعالهم وسيرتهم. وبتعبير آخر، كلما كانت اختياراتنا وعلاقاتنا وسلوكنا وأفكارنا أكثر تطابقًا مع نمط حياة أهل البيت (عليهم السلام)، ازدادت ثقلاً في ميزان الآخرة، وتمتعنا بقلب أكثر سلامة ونقاءً، وبالتالي كانت آخرتنا أجمل وأكثر بهاءً.
ما رأيك في المفهوم الذي تناولناه في هذا الدرس؟
شاركنا انطباعك وأفكارك.
[1] «وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» (سورة الأعراف، الآية 8)
[2] «السلام على ميزان الأعمال» (زيارة مطلقة لأمير المؤمنين)