ما هو دور كل كمال في مراتب وجود الإنسان وما هو مكانته في حياتنا؟
- هل هو جامد؟ لا، لكنه يحمل ميزات الجمادات.
- هل هو نبات؟ لا، لكن عنده ميزات النباتات.
- هل هو حيوان؟ لا، لكنه يحمل صفات الحيوانات.
- هل هو من الملائكة؟ لا، لكنه يملك عقلا مثل الملائكة.
قد تخمن إجابات هذه الأسئلة بشكل صحيح من خلال دراسة الدروس السابقة بعناية. نعم! الجواب هو “الإنسان“، ونريد في هذا المقال أن نفحص أنواع الكمالات في مراتب الوجود الإنساني.
“الإنسان” هو الذي، رغم امتلاكه للخصائص الأساسية في الجمادات والنباتات والحيوانات والملائكة، ليس أيًا منها، وإنما هناك بُعد آخر في وجوده يتميز به عن غيره من الكائنات وهو “البعد الإنساني”. إننا نعشق الكمال ونطلبه بسبب وجود هذا الجزء في ذاتنا ونريد كل الكمالات بصورة مطلقة بلا حدود ولا فناء.
العلاقة بين المراتب والكمالات المختلفة في وجود الإنسان
كما ذكرنا في مقالة “ماهو قانون الزوجية؟ وماهي المعايير المهمة المتوفرة في زوجية كائنين؟“، فإن الزوجية في كثير من الظواهر الكونية أمر واضح، مثل ما نلاحظ من الزوجية في: “الليل و النهار” و”المرأة والرجل” و”الإيجابية والسلبية” وغيرها من الأمثلة. إنه لرائع أن هناك زوجٌ لكل بُعد من أبعاد الوجود الإنساني يعشقه ويتخذه آلهة ويحس بالطمأنينة والهدوء بجانبه. هذه المعشوقات هي كمالات[1] أو تأثيرات وجودية لكل بُعد من هذه الأبعاد وفي توافق تام وإنسجام مع البُعد الخاص بها.
إنّ كمالَ أيّ مرتبة من وجودنا هو في علاقة مباشرة مع معشوقٍ في نفس المرتبة. على سبيل المثال، تعتبر الكمالات الجمادية إله لبُعدنا الجمادي والكمالات النباتية إله لبعدنا النباتي، وكذلك الكمالات الحيوانية والعقلية ترتبط كلاهما بالأبعاد الحيوانية والعقلية. يشمل كل بُعد من أبعادنا الوجودية، على كمالات الأجزاء السفلى منه، بالإضافة إلى كمالاته الخاصة. مع ذلك، إن كل كمال في أية مرتبة من مراتب وجود الإنسان مهما يكون قوياً، إلّا أنّه لن يتجاوز مستواه ومرتبته، ولا يمكنه الإرتقاء إلى كمالات المستوى الأعلى منه.
مثلا، لنتخيل فهدًا سريعًا و جميلًا للغاية. إنّ سرعته و جماله یشيران إلى أنّ لديه جسمًا قويًا و صحةً جيدةً، وقد نشأ جيدا وقد يكون من فصيلة رائعة. لکنه بغض النظر عن سرعته وجماله العالي إلا أننا لن نستطيع أبدا الإدعاء أنه إنسان.
ترتيب المعشوقات والكمالات في مراتب الوجود
كما ذكرنا سابقا فإن الكمال ليس أمرا عاما في مختلف المراتب الوجودية، وكل بعد من أبعاد الوجود يتمتع بكماله المرتبط وبالتالي يستمتع بمعشوقه الخاص. على سبيل المثال، كمال عقل الإنسان هو الفهم الأفضل والأوفر من المعقولات. إذن تعتبر المعقولات والقراءات والعلوم، والاكتشافات والاختراعات، معشوق الجانب العقلاني من وجودنا. أمّا كمال الجزء الحيواني، فهو التقدم الأكثر والأفضل في الشؤون الحيوانية كالمقام والشهرة والشهوة وغيرها. في النتيجة سوف يشعر الجزء الحيواني من وجودنا بالرضا نسبيا عند تحقيق هذه الكمالات ويبذل قصارى جهده لاكتسابها. بالمثل يشتغل البعد النباتي بالكمالات النباتية مثل التكاثر والنمو والجمال وغيرها، في حين أن البعد الجمادي منّا يعمل على جمع الثروات من جميع أنواعها.
هذا الاشتغال لا يعتبر أمرا إيجابيا أو سلبيا في الحالة العادية وكما قلنا في تعريف الكمال، مثل هذه الرغبة والاشتغال أمرٌ فطري ذاتي تماما.
عالم الكمالات العميق
نحن نعيش في عالم مملوء بالألوان والجذابيات والظواهر والعجائب، ومن جانب آخر ليس الإنسان موجودا منفعلا بل يتواصل مع مختلف الكائنات والبيئة المحيطة به.
نحن نواجه باستمرار:
- الكمالات الجمادية؛ كالسيارات والبيت والنقود والمجوهرات وغيرها.
- الكمالات النباتية؛ كالجسم والجمال والقدرة الجسمية والطعام والتكاثر وغيرها.
- الكمالات الحيوانية: كالمقام والشهرة والشهوة وغيرها.
- الكمالات العقلانية؛ كاكتساب المؤهلات العلمية وغيرها.
وهذا كله يكفي أن يشغل بالنا حتى نصبح غافلين عن الأجزاء الأخرى من وجودنا تماماً. قد نعشق جمال الظواهر حيث لا نستطيع تحرير أنفسنا من قبضتها بسهولة وقد نفتتن بالكمالات الحيوانية التي لها جاذبية أوسع بكثير من الكمالات النباتية والجمادية. إنّ عالم الكمالات الحيوانية بجذابيته وأمياله وشهواته المتنوعة، قد شغل وأغوى المليارات من البشر ولم يترك لهم مجالا للتفكير في أنفسهم و في معشوقهم الحقيقي. ولكن، من بين هذا العدد الهائل من المعشوقات المختلفة المتنوعة، ما هو العشق الرئيسي أو الزوج الأصلي لوجودنا؟
إن حالتنا والكمال في مراتب وجودنا تشبه أُمًّا تنتظر تسعة أشهر لإنجاب طفلها سالما، لكنها دون أن تهتم بهدفها الرئيسي، تظل تتورط في مشاكل جانبية متعلقة بالحمل، أو تحافظ على لياقتها البدنية أثناء فترة الحمل وتنسى هدفها الأصلي، بالنتيجة فإنها قد لن تصل اليه أبدا. وهكذا فإن تورطنا في الكمالات السفلى وانشغالنا بها يبعدنا من معشوق جزءنا الإنساني ويؤدي إلى خسارات.
الأولوية في التطرق إلى الكمالات
تصورا شخصا يريد تحصين بيته، لكنه بدلا من إصلاح أسلاك الكهرباء الخطيرة فإنه يقضي وقته وطاقته وماله بتحويل أنابيب الماء. إن قوتنا الواهمة تقوم بنفس العمل بالضبط وتغير من أولوياتنا في تنفيذ الأمور وتزيد من أهمية المستقبل الوهمي لدينا وتقلل من أهمية المستقبل الحتمي، وقد تبعدنا من الجزء فوق العقلي بذريعة اكتساب الكمالات السفلى لكي نفقد بسهولة رأس مال حياتنا الثمين. لکن ما هي هذه القوة الواهمة؟ وما هي الأجزاء السفلى من وجودنا؟ وما هي الكمالات الرئيسية من وجودنا؟ للكلام في هذا المجال يجب علینا أولا أن نعرّف قوى الوجود.
في هذه المقالة تناولنا دراسة الكمال في مراتب وجود الإنسان وقلنا إن كل كمال في مراتب الوجود قد حاصرنا وأحاط بنا كزوج. إننا نكسب القيمة والشرف بنسبة الكمال الذي نبحث عنه ولن ننجح في هذا المجال الصعب إلا بتحديد الأولويات لكمالات الأجزاء المتنوعة وإدارتها في وجودنا للوصول إلى المعشوق الحقيقي.
[1] . الكمال : الأثر الوجودي لشيء ما؛ قدرات الشيء في نطاق قدرته؛ ملكية