ما هي القوى الإدراكية عند الإنسان و ماذا تفعل؟| الحس، الخيال، الوهم، العقل و القلب

جدول المحتويات
ما هو دور القوى الإدراكية عند الإنسان و ماذا تفعل؟|

التّعرّف على القوى الإدراكية للنفس الإنسانية

هل يمكنك أن تتذكر أول صورة محفورة في ذكريات طفولتك؟ تخيل ذلك بوضوح، مع التركيز على كل التفاصيل. عندما تستحضر تلك الصورة، اسمح لنفسك بالانغماس في المشاعر التي تثيرها بداخلك. هل تثير مشاعر الحزن، أو الفرح، أو الخوف، أو النفور، أو غيرها من الحالات؟ ماذا عن الآن؟ ما هي نظرتك إليها في هذه اللحظة؟ وما هي الأصوات التي تتردد في أذنيك؟

يعتبر التمرين المذكور، مفتاح الدخول إلى موضوع التعرّف على القوى الإدراكية للنفس. إن أيَّ عملٍ أجريته في هذا التدريب و الأعمال الأخرى التي سوف نتطرّق إليها، تنشأ جميعا من مبدأ خاص في النفس و هو القوّة، مثلا أنّك تحبّ أمّك، أو تكره الظلم و الاعتداء، أو تتذكّر وقائع ليلة أمس، أو أنك تقرأ هذا المبحث الآن. لكلٍّ من هؤلاء أصلٌ في إحدى قواك الإدراكية.

عندما نولد، فإننا لا ندرك شيئا من العالم المادّي ولا نستطيع التعامل معه، لذا فإننا نحتاج إلى أدوات خاصة ليتبين لنا العالم. هذه الأدوات هي تلك القوى الإدراكية التي تساعدنا في إدراك ومعرفة العالم.

المجموعة الأولى من القوى الإدراكية التي تبدأ بعملها بعد الولادة هي القوى الحسّيّة، تتبعها قوة الخيال والقوة الواهمة ثمّ يُنشّط العقل و في النهاية قوة ما وراء العقل. و هكذا فإننا نتّجه نحو الكمال في مراحل النمو ولن نحقق الكمال النهائي إلّا عندما يصبح ما وراء العقل نشيطاً. مع ذلك، فإن الكثير من الناس يبقون في مرحلة الخيال و الواهمة و لا تصبح قوة فوق العقل لديهم بالغة أبداً، إذ أنهم ينشغلون بالحياة الحيوانية حتى نهاية عمرهم و لا يحققون المراتب الإنسانية.

سوف نقوم بالتطرق إلى قوى النفس الإدراكية في هذا المقال بإيجاز، ثمّ نقوم بتفصيل كلّ منها منفصلاً في المقالات القادمة.

قوة الحس، بوّابة الدخول إلى النفس

يتحقّق اوّل إدراك لعالم الطبيعة عن طريق حواسّنا الخمس. تعرض كل حاسة علينا نوعا من المعرفة الكونية، و كل من يفقد إحدى هذه الحواس فإنه يفقد نوعا من الوعي والمعرفة. على سبيل المثال، من يولد أعمى فسوف تكون معرفته الظاهرية من العالم محدودة جدا، لأن الدماغ يحصل على معظم معلوماته المحيطة به من خلال حاسة البصر.

إن نفسنا تشبه برنامج برمج، حيث تشكل مدخلاتها المعلومات من البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، والتي نطلق على هذه المجموعة هذه المعلومات اسم “المحسوسات”. في المراحل التالية تُدخل المحسوسات إلى ساحة قوة الخيال والواهمة، ومن ثم يتم تحليلها بالعقل وأخيراً يظهر مخرج ذلك كله في القلب ويشكل حقيقة وجودنا.

قوة الخيال؛ بمثابة آلة التصوير للنفس

“الصورة الخيالية” أو “المخيلات”، هي انطباع صورة ذهنية متبقية لشيء غير موجود للحواس قد اختفت صورته المادية بعد معرفته الحسية. تعتبر الصور الخيالية كحدٍّ فاصل بين العالم المادّي و عالم المجرّدات، لأنّها تملك بعض مواصفات المادة مثل الأبعاد والألوان ولا تملك البعض آخر مثل الحجم والوزن والمكان والزمان. على سبيل المثال، عندما تتصور طفولتك فإنك وعلى الرغم من مرور الكثير من الوقت وعدم تواجدك في ذلك المكان، فإنك تتصورها في المكان الذي حدثت فيه.

يعد فهم الصور الخيالية وحفظها وصيانتها كلها من أعمال الخيال. تعتبر قوة الخيال بمثابة كاميرا لأنفسنا، لأنها تلتقط صوراً لكائنات مادية، وبعد تحليلها، تُسَلَّم إدراكاتها لقوة العقل. إنّ قوة الخيال لها القدرة على تركيب الصور الخيالية وخلق صور جديدة لا وجود لها في الواقع. على سبيل المثال، يمكنك أن تتخيل شخصًا ذا أجنحة، أو ذا رقبة تدور 360 درجة. من بين قدراتنا الإدراكية فإنّ قوة الخيال قوية جدًا. جميع الاختراعات والأعمال الفنية والأشعار والقصص الجميلة ناجمةٌ عن تخيلِ أشخاص ذو خيالات قوية.

القوة الواهمة، القوة التي تدرك المعاني الجزئية و غير المادية

لاتدرك الحواس الخمس المفاهيم غير المادية التي ليس لها شكل ولا مظهر. فمثلاً فإنه ليس بإمكانك تصور الظلم أو الحب إلا أن تجد مصداقًا لهما في العالم المادي. إن فهم هذه المفاهيم المجردة هو من اختصاص العقل وقوة الوهم، غير أن فهم المعاني العامة ينتمي إلى العقل، وفهم المعاني الجزئية إلى الواهمة. فمثلاً، یعتبر فهم المفهوم العام للحب من أعمال العقل، أما حبك لأمك فهو مفهوم جزئي ينتمي فهمه إلى القوة الواهمة. تدعى هذه المعاني الجزئية ب: “الموهومات”. ومستوى الوهم أدنى من العقل وهو من القوى الإدراكية الموجودة عند الحيوانات أيضًا. مثل خوف الخروف من الذئب و حب الكلب لصاحبه.

قوة العقل، مُدرك المعاني العامة و غير المادية

يعد فهم المعاني العامة من أعمال قوّة العقل. على سبيل المثال، كلمة “إنسان” لها معنى عام وشامل يتضمن جميع البشر، مهما كانت أشكالهم، أو إلى أي حقبة تاريخية ينتمون إليها، أو إلى أي منطقة جغرافية يعيشون فيها. أو مثلا معنى السلام هو مفهوم عام يشمل السلام في كل زمان ومكان، وليس له مصاديق محددة. هذه المعاني العامة هي “المعقولات” والتي فهمها من مسؤولية العقل. إنّ القدرة على التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبح، والحق والباطل تكمن جميعا في قوّة العقل. إذا لم تكن قوة العقل موجودة، كنّا باقين في مستوى الجزئيات و الموهومات و لم نصل عندها إلى النمو و الوعي. إضافة إلى العقل الإنساني فإن العقل موجود في الملائكة أيضا.

القلب، حقيقة وجود الإنسان

نحن مشتركون مع الحيوانات في الحس والخيال والوهم من بين القوى الإدراكية، و الاستثمار الزائد في هذه الأجزاء، يؤدي إلى تقوية بُعدنا الحيواني. على الرغم من أن امتلاك العقل يفصل الإنسان عن الحيوان و يمنحه التفوق، إلا أنه ليس السبب لكونه انسانٌا، لأنه كما ذكرنا سابقا، عندما يتمتع الإنسان بقوة العقل فإن ذلك سوف يتم وضعه في مستوى الملائكة وليس الإنسان!

ما يميزنا عن غيرنا من الكائنات هو قوة ما وراء العقل أو الجزء الإنساني أو القلب، والذي كل ما في السماوات والأرض يتم تصميمه لنضج هذا الجزء من كياننا. هذه القدرة هي التي بإمكانها مساعدتنا على النمو والتطور.

حياة كل إنسان تعتمد على ماضيه، ولذلك فإن كل ما نحن عليه اليوم، بما في ذلك أنواع الملابس وأسلوب الحياة وطريقة التفكير، مستمد بشكل كبير من نوع رؤيتنا وسمعنا وأكلنا منذ لحظة الولادة وحتى الآن. وُلد الإنسان على فطرة تشبه صفحة بيضاء لم يُكتب عليها شيء، و بمجرد تلقي التصورات الأولى عن العالم، يبدأ لوح النفس عملية “الصيرورة” أو السير نحو التكامل.

ترتبط قوانا الإدراكية كافة بهذه الطريقة وتتأثر بصحة ومرض بعضها البعض. وفي النهاية تدخل الحصيلة كلها إلى القلب، فإذا كانت سليمة، يبقى القلب سليما و إذا كانت فاسدة أفسدته.

إن الحواس الخمس لها تأثير مباشر في المحافظة على سلامة القلب أكثر من غيرها من قوى النفس الإدراكية، لأن المحسوسات هي بوابة دخول أنفسنا، والتي إذا كانت غير طاهرة، فإنها سوف تلوثها ثم تنتقل إلى تلويث مستوى أعلى. في البداية قد تلوث الخيال، ثم الوهم، ومن ثم تنتشر إلى العقل والقلب. سنتحدث أكثر عن “القلب السليم” في مقالاتٍ قادمة.

إذا كان لديك أي سؤال أو استفسار أو نقطة حول محتوى المقال،  شاركنا في قسم التعليقات.

اكتب رأيك