منبع إدراك العالم: الأفعال ودلالاتها في عالم الدنيا

جدول المحتويات
الشرط الأساسي لـ: إدراك العالم: متى يتبلور الفهم الصحيح؟

الشرط الأساسي لإدراك العالم: متى يتبلور الفهم الصحيح؟

هل فكرت يومًا لماذا تبدو الحياة في هذا العالم للبعض منا مليئة بالمعنى، وللبعض الآخر فارغة وعديمة القيمة؟ ما الذي يجعل فهمنا للعالم يتم بشكل صحيح؟ ولماذا لا نشعر جميعًا بالرضا ذاته عن وجودنا في هذا العالم؟ وما سبب اختلاف ردود أفعالنا تجاه الدنيا وشؤونها، واختلاف تفسيرنا لما يحدث فيها؟

الحقيقة أننا، رغم عيشنا في الدنيا وأُلفتنا بها ومرورنا بمراحل أعمارنا داخلها، إلا أننا لا ننظر إليها جميعًا بالنظرة نفسها؛ فبعضنا يرى الدنيا جزءًا من حياته، فيما يحصرها آخرون في كونها كل الحياة، ومن هنا تبدأ الحيرة وتكثر التساؤلات: لماذا علينا أن نختار هذا الطريق؟ ولماذا نتجنب بعض السلوكيات؟ ولماذا لا نسمح لأنفسنا بكل علاقة؟ ولماذا نوجّه أفكارنا باتجاه معين؟

في الواقع، هذا الاختلاف في النظر إلى الدنيا ينبع من نظرتنا لأنفسنا كبشر. ولن يصل فهمنا للعالم إلى المستوى المطلوب إلا إذا اعتبرنا أنفسنا كائنات أبدية، خالدة، تمر في فصل من حياتها في هذا العالم لتعدّ نفسها للمرحلة التالية من حياتها. لكن معظمنا، بسبب ابتعاده عن التعريف الصحيح والدقيق للذات، وعدم إدراكه لخلوده، يخطئ في فهم الدنيا وتفسير أحوالها وظروفها.

حين نحاول فهم الأمور المختلفة، نواجه نوعين من الحالات: أمور يمكن تفسيرها بشكل مستقل، وأمور تفسيرها يعتمد على شيء آخر، بحيث يصبح تقييمها بمعزل عن ذلك الشيء بلا معنى. فمثلًا، يمكننا دراسة دراجة هوائية أو ساعة بشكل منفصل، لكن من المستحيل فهم وظيفة ترس معين دون أن نأخذ بعين الاعتبار الجهاز الذي يشكل جزءًا منه، والذي صُمّم كل عمله ووظيفته لخدمة هذا الجهاز.

السؤال هنا: أين تقع الدنيا؟ هل يمكن تفسيرها بشكل مستقل ومنعزل، أم أنّ فهمها يعتمد على إدراك الكل الأكبر الذي تنتمي إليه، والذي بدون فهمه تصبح الدنيا بلا معنى؟ في هذا الدرس، سنتناول الإجابة على هذا السؤال، ونتحدث عن الغاية والهدف الذي يُعد شرطًا أساسيًا لفهم الدنيا وتفسيرها بشكل صحيح.

عدم فهم الدنيا بدون إدراك الأبدية

في الحقيقة، إن فهم الدنيا مرتبط بنوع نظرتنا لأنفسنا كمخلوقات أبدية وخالدة. ولأننا بحاجة لفهم الأبدية لنتمكن من تفسير الدنيا بشكل صحيح؛ فالأبدية هي التي تضم الدنيا في أحضانها، وهي الغاية والهدف النهائي الذي تسعى إليه. تمامًا كما لا يمكن للإنسان الاستعداد لامتحان دون معرفة موضوعه أو هدفه، أو أن يبدأ في صناعة آلة دون تحديد شكلها ووظيفتها، فإن إدراك الدنيا لا يمكن أن يتحقق دون مراعاة الأبدية التي تتجسد فيها أعمالنا وأنشطتنا، والتي تحقق بها الخلق غايته النهائية.

إن فهمنا للعالم يصبح صحيحًا فقط عندما نراه جزءًا من حياتنا الخالدة، ونحدد قواعده وواجباته وما ينبغي وما لا ينبغي في ضوء وجودنا الأبدية. لكن توقع أن نعيش في الدنيا دون مراعاة الآخرة والأبدية يشبه حالة الجنين الذي يبدأ بتكوين أعضائه دون أن يلتفت إلى الحياة التي سيولد إليها. فكما أن ولادة الجنين دون مراعاة الظروف والاحتياجات الأساسية للحياة تكون بلا معنى وتعرضه للضرر، فإن دخولنا الآمن إلى الآخرة دون النظر إلى الشروط والضروريات اللازمة لها يكون توقعًا بلا جدوى.

إن وجود الدنيا بظروفها وخصائصها هو الذي يمنح حركات الجنين في رحم أمه معنىً وهدفًا؛ فخلق اليدين والقدمين لجنين بالكاد يستطيع تحريكها في مساحة الرحم، أو بناء رئتين في رحم لا يوجد فيه هواء، سيكون بلا معنى بالتأكيد. وهكذا، فإن إدراكنا لظروف الدنيا ومتطلباتها يفسر حركات الجنين ويعطيها السبب والهدف.

وبالمثل، تنطبق قاعدة النسبة على العلاقة بين الدنيا والآخرة؛ فالأبدية هي التي توضح سبب وأهداف أفعالنا في الدنيا، وتمنحها التوجيه. وعند الغفلة عن الآخرة، تفقد الواجبات والممنوعات في حياتنا الدنيا معناها، وتصبح بلا قيمة أو جدوى، كما لو كان الطالب يخطط لكامل برنامجه للحصول على أعلى الدرجات في الامتحان، ثم أُلغيت الامتحانات، أو الأم التي جهزت الطعام والاحتياجات للسفر، ثم أُلغي السفر، فلا يبقى لعملها أي معنى.

في جميع هذه الأمثلة، الهدف النهائي هو الذي يعطي العمل الذي نقوم به اتجاهًا ويحدد معاييره وحدوده، ومع حذف الهدف، يفقد العمل موضوعيته ويصبح بلا معنى، كما أن التحضير للسفر بلا رحلة مقبلة بلا فائدة. بالتالي، يصبح فهم الدنيا وأعمالنا فيها ممكنًا فقط عندما نعي الهدف النهائي والغرض المنتظر لنا.

سبب ارتباط فهم الدنيا بالآخرة

العلاقة بين الدنيا والآخرة وثيقة جدًا ومتشابكة لدرجة أنه لا يمكن تصور الدنيا بمعزل عن الآخرة. لكن، كيف يمكن إثبات هذا الادعاء؟ لنستفد مرة أخرى من قانون النسبة، ونلقي نظرة على حياة الجنين وعلاقته بالدنيا لنوضح أهمية وجود الآخرة في حياتنا الدنيوية. فكما أن للدنيا دورًا حيويًا وحاسمًا في رحم الأم، فإن وجود الآخرة ضروري وأساسي للدنيا أيضًا.

في الواقع، فإن قطع الصلة بالعالم الخارجي بالنسبة للجنين الذي يشكّل أعضائه في رحم أمه يؤدي على المدى القصير إلى تشوهات أو أمراض، وقد يصل، بحسب نوع وطول فترة وشدة الانقطاع، إلى موته. فبفقدانه الاتصال، لا يستطيع الجنين التوافق مع الهدف والظروف التي من المفترض أن يتكيف معها، كما يفقد مصدر تغذيته ونموه وتطوره؛ بمعنى أنه يصبح عاجزًا عن تلبية احتياجاته الأساسية للبقاء على قيد الحياة، مثل الحصول على الأكسجين، وتوفير المعادن والفيتامينات والعناصر اللازمة لنمو أعضائه في الرحم، وفي مثل هذه الحالة، تنتهي حياته.

من جهة أخرى، ينطبق هذا المبدأ على أعمالنا في الدنيا وعلاقتها بالآخرة؛ فالدنيا، بكونها بمثابة رحم، تمنحنا فرصة اكتساب الصفات والأسماء الإلهية، وتتيح لنا بناء أدواتنا للآخرة، والاستعداد لها. كما أن قطع الصلة بالآخرة، التي هي غايتنا وهدفنا النهائي، يوقف عملية البناء الروحي في الدنيا، ويؤدي إلى تباطؤ أو تراجع في مسارنا، مما قد يفضي في النهاية إلى عدم استعدادنا الكامل لدخول الآخرة، وفشل ولادتنا فيها. باعتبارنا كائنات أبدية وخالدة، نحن بحاجة إلى استخدام الدنيا وما فيها من مناسبات وعلاقات كرحمٍ يمكنه تهيئة ظروف حياة صحية وسليمة في الآخرة، وبذلك نضمن استمرار خلودنا وتحقيق غايتنا الأسمى. 

اكتب رأيك