أصالة الجنة ودورها في فهم طبيعة الجحيم ومكانتها

جدول المحتويات
أصالة الجنة: سبب تقدم الجنة على الجحيم في نظام الخلق

أصالة الجنة: سبب تقدم الجنة على الجحيم في نظام الخلق

في سياق استعراضنا لبنية الكون ونظام الخلق، يبرز تساؤل جوهري حول العلاقة بين الجنة والجحيم: هل يتمتع هذان المفهومان بأصالة وجودية متساوية، أم أن أحدهما يتقدم على الآخر؟ تتناول هذه المقالة مفهوم “أصالة الجنة” كقضية محورية، وتسعى إلى تبيان أسباب تقدم الجنة على الجحيم.

استنادًا إلى تحليلات فلسفية ونصوص دينية، يمكن اعتبار الجنة بمثابة البيئة الوجودية المثالية والمتوائمة تمامًا مع التركيبة الفطرية للإنسان، بينما تمثل الجحيم محصلة لعدم التكيف مع هذه الشروط الوجودية. هذا المنظور يُقدّم الجحيم ليس ككيان مستقل بذاته، بل كحالة ثانوية تُفهم تبعًا لوجود الجنة. وكما أن المرض لا يكتسب معناه إلا في سياق وجود الصحة، فإن الجحيم لا يمكن تصورها بمعزل عن وجود الجنة.

ولكن قبل أن نخوض في ذلك، دعونا نعود إلى بداية قصة الخلق. ما هو أول شيء خلقه الله؟ كيف نشأ عالم الخلق؟ هل خُلقت الجنة والجحيم قبل خلق الإنسان؟ للإجابة على هذه الأسئلة، نستعين بكلام الله في القرآن الكريم. يقول الله في الآيات 1 إلى 3 من سورة الرحمن: “الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ”[1]. وفقًا لهذه الآيات الثلاث، يتبين أن أول ما خلقه الله هو القرآن. ثم خلق المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ تشير الآية الثانية: “عَلَّمَ الْقُرْآنَ”[2]، إلى ضرورة وجود من يتلقى هذا التعليم الإلهي للقرآن، ومن المؤكد أن هذا المتلقي ليس الإنسان، حيث يأتي ذكره في الآية الثالثة.

والآن، نعود إلى التساؤل حول زمن خلق الجنة والجحيم وكيفية دراسة أصاليتهما. يسعى هذا البحث، إلى إثبات فرضية أن الجنة تتمتع بأصالة وجودية، وأن الجحيم لا تكتسب معناها إلا بالقياس إليها من خلال الأمثلة الحسية والاستدلالات المنطقية.

تأملات في خلق الجنة والنار بين الوجود المسبق والنشأة العملية

إن فهم زمن وجود الجنة والجحيم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنظور الديني والفلسفي لدى البشر. وبوجه عام، هناك اتجاهان رئيسيان في هذا الباب:

اولا الرؤية الوجودية :(Essentialist View) تبنى هذه الرؤية على الاعتقاد بأن الجنة والنار كانتا قائمتين منذ بدء الخليقة. فالمؤمنون بهذه الرؤية لا يسلمون بـ “أصالة الجنة” بالمعنى الذي ستطرح لاحقا بل يرونهما مكانين محددين سلفا يؤول اليهما البشر بعد الموت.

ثانيا الرؤية العملية :(Processual View) تقر الرؤية العملية بأن الجنة والنار هما نتاج حتمي لاعمالنا واختياراتنا في الحياة الدنيا. فجودة حياتنا بعد الوفاة (سواء كانت جنة ام نارا) تعتمد على كيفية عيشنا في هذا العالم. وبحسب هذا المنظور فان النار تنشأ نتيجة لعدم قدرة الفرد على التكيف مع الظروف الحياتية الجديدة اي مع الجنة ذاتها.

كلا الاتجاهين يقدّم رؤية تأملية لمسألة خلق الجنة والجحيم. فمن يسلك الاتجاه الوجودي يؤكد على أزلية وأبدية المكانين، ويراهما حقيقتين مستقلتين محدّدتين سلفًا، وهو بذلك يميل إلى نوع من الجبرية المعنوية التي تحصر مصير الإنسان في إطار محتوم. أما الاتجاه العملي، فيؤكد على دور الإنسان ومسؤوليته، ويرى أن الجنة والنار نتائج لأعماله واختياراته، جاعلًا منه كائنًا مختارًا حرًّا في تقرير مصيره الأخروي.

واللافت أن الاتجاه العملي يتوافق مع مفهوم أصالة الجنة، إذ يعتبرها حقيقة أساسية قائمة بذاتها، في حين لا يكون الجحيم إلا أثرًا ناتجًا عن عدم التوافق معها. فبحسب هذا التصور، ليس للجحيم أصالة، بل هو حالة انفعالية تابعة. وعلى العكس من ذلك، لا يمنح الاتجاه الوجودي هذه الأصالة للجنة، بل يقبل بالمكانين كحقيقتين مستقلتين.

هذا التباين يوضح أن الجنة – في الاتجاه العملي – تتبوأ موقع المركز وتمثل مبدأ الكمال، بينما لا يجد الجحيم معنى إلا بقدر ما يُفهم على أنه انفصال أو عدم انسجام معها. بعبارة أخرى: حتى لو قُدّر أن الجنة والنار خُلقتا معًا، تبقى الجنة المعيار الأساس والمصدر الحقيقي للتقييم. فيما يلي، ومن أجل دراسة الاعتقاد بأصالة الجنة بشكل أدق، سنتوقف عند ماهية الجنة والجحيم.

ما هي الجنة؟ وما هو الجحيم؟

عاجلًا أو آجلًا، سنخرج من رحم الدنيا ونولد في عالم الآخرة، أي عالم الأبدية. غير أن ظروف الحياة في الآخرة تختلف اختلافًا عظيمًا عن عالمنا الدنيوي؛ فإذا لم نتمكّن عند دخولنا إليها من التكيّف مع تلك الظروف الجديدة، وقعنا في دائرة الألم والعذاب.

تأمّل مثلًا مطعمًا فاخرًا زاخرًا بأشهى الأطعمة وألذّها، حيث يستطيع الروّاد أن يستمتعوا بمذاقها وجودتها بمجرد حضورهم فيه. والآن تخيّل إنسانًا مريضًا، فقد مستقبلات التذوّق أو أصيب بخلل في جهازه الهضمي، فلا يقوى على تذوّق تلك النِّعَم ولا على هضمها. عندئذٍ تتحوّل تلك الأطعمة الفريدة، بدل أن تكون مصدر لذة، إلى سبب للألم والغثيان والمعاناة. وفي هذه الحالة لا يُعزى الخلل إلى الطعام أو المطعم، بل إلى حال ذلك المريض.

سبق أن ذكرنا في مقال “ما هو الجحيم؟” أن الجحيم هو عدم التوافق مع ظروف الحياة في الآخرة، ولتوضيح هذا المعنى استعنا بــ: قانون النسبة بين رحم الأم والدنيا، وبين الدنيا والآخرة. فإذا كوّن الجنين في رحم أمه جسدًا سليمًا متناسبًا مع شروط الحياة الدنيوية، خرج إلى الدنيا صحيحًا أو قويًّا، قادرًا على الاستفادة من جميع النِّعَم المجانية التي لا تُحصى. فلو وُهب عينين سليمتين، أمكنه – بسبب توافقهما مع أطوال الموجات في الدنيا – أن يبصر ما لا يُحدّ من جمالها.

لكن ما هو الجحيم وما علاقته بالجنة؟ إذا أصيب الجنين أثناء وجوده في الرحم بمرض أو توقّف نموّه، وخرج إلى الدنيا ضعيف الرئة مثلًا، فإنه يُحاسَب منذ لحظة ولادته، إذ يُكتشف مباشرةً عدم توافقه مع شروط هذه الحياة. وهنا يبدأ مشواره مع الصعوبات والمعاناة في سبيل العلاج.. وهذا هو ما نسمّيه جحيمًا؛ إذ إن الحرمان من نِعَم الدنيا مردّه دائمًا إلى القيود وعدم الانسجام الذي خلقه الجنين في ذاته.

 وبذلك، يكون الجحيم بالنسبة للجنين نتيجةً لعدم انسجامه مع شروط الدنيا – أي الجنة. ومن هنا يتّضح أن الجحيم ليس مكانًا ماديًا، ولا فضاءً قائمًا إزاء الجنة؛ بل هو حالة روحية ومعنوية تنشأ من العجز عن التكيّف مع ظروف الآخرة المثالية، أي مع الجنة. ومن هذا التعريف يُستنتج أن أصالة الجنة أمرٌ حقيقي.

لماذا لا يتمتع الجحيم بالأصالة؟

لإثبات أصالة الجنة، يحسن بنا أن نتأمل في أسباب نفي أصالة الجحيم. لنفترض أننا نعتبر “الصحة” مثالًا على الجنة؛ الصحة هي حالة يعمل فيها الجسم بشكل صحيح، ونشعر بالراحة والحيوية ونستمتع بالحياة. والآن تخيل “المرض”. ما هو المرض؟ هل للمرض وجود مستقل ومنفصل عن الصحة؟ المرض في الواقع هو انحراف عن حالة الصحة؛ أي مجموعة من الأعراض والعلامات والاختلالات التي تشير إلى أن الجسم قد خرج عن حالته الطبيعية والصحية. يكتسب المرض معنى فقط عندما تكون هناك حالة صحية خرج الجسم منها. وبالتالي، إذا لم تكن هناك صحة، فلن يكون للمرض أي مفهوم. لا يمكننا القول إن شيئًا ما “مريض”، لأنه لا توجد حالة قياسية لمقارنة المرض بها.

يمكن استنتاج من هذا المثال أن الجحيم كمفهوم يعتمد على وجود الجنة، وبالتالي تثبت أصالة الجنة؛ بعبارة أخرى، بما أن الجحيم هو “عدم التوافق مع ظروف الجنة”، فإذا لم تتوافر ظروف الجنة، انتفى وجود مفهومٍ اسمه الجحيم؛ مثل مثال المرض الذي يعتمد على وجود الصحة.

يُنظر إلى الجحيم أكثر على أنه نتيجة لعملية أو حالة، وليس مكانًا أو وجودًا مستقلًا. في الواقع، الجحيم في حد ذاته ليس مكانًا أو حالة مستقلة نشأت في مواجهة الجنة؛ بل هو نتيجة لظروف الفرد وعدم توافقه مع البنية المعيشية المثالية للآخرة (الجنة). إذا استعاد هذا الشخص المريض صحته (أصلح بنية روحه ووجوده)، فيمكنه بسهولة الاستمتاع بالظروف المثالية مثل الآخرين.

متى خلقت الجنة؟

يمكننا الآن الإجابة بسهولة على السؤال: متى خُلقت الجنة والجحيم؟ وأيهما يتمتع بالأصالة تجاه الآخر؟ بناءً على الحقائق التي قدمناها حول أصالة الجنة، وأن الجحيم ليس له هوية موازية للجنة، بل هو نتيجة لعدم التوافق معها، لابد أن نقول إن خلق الجنة يعود إلى ما قبل خلق الدنيا. سنشرح هذه الحقيقة من خلال مثال. لنأخذ برج مستحكم طويل في مدينة‌ما كمثال. هذا البرج هو رمز للتقدم والتكنولوجيا في مدينة، وقد بُني أساسًا لتلبية الاحتياجات الاتصالية والسياحية للمدينة. هل يمكننا القول إن هذا البرج بُني قبل المدينة؟ بالطبع لا! وجود البرج وأداءه يعتمدان كليًا على كون المدينة، وبدون المدينة، لن يكون للبرج أي فائدة، بل لن يكون له أي معنى أساسًا.

نفس القاعدة تنطبق على مثال الجنين ورحم الأم. رحم الأم هو بيئة آمنة ومؤقتة لنمو الجنين، لكن هل يمكن للرحم أن يكون له وجود مستقل عن الدنيا؟ الرحم جزء من جسم الأم، وجسم الأم جزء من العالم المادي ويستمد حياته منه. الرحم، مقارنة بالعالم الواسع، بيئة محدودة ومؤقتة؛ كما أن الدنيا تحيط برحم الأم وتمنحه الحياة، وكما أن المدينة شرط لوجود البرج، فإن الجنة تحيط بعالم الدنيا وأصالتها تسبق الدنيا. أما الدنيا، فهي بكل عظمتها، مقارنة بالجنة، مثل رحم في قلب الوجود.

لذلك، بناءً على منظور أصالة الجنة، يمكننا أن نستنتج أن خلق الجنة يسبق خلق الدنيا، والجحيم، في علاقته بهذه الأصالة، هو مجرد حالة ثانوية ناتجة عن عدم التوافق مع ظروفها المثالية. هذا المنظور لا يقدم الجنة كغاية وهدف للخلق فحسب، بل يضاعف أيضًا مسؤولية الإنسان في التوافق مع هذا النظام الأمثل والوصول إلى الجنة الأبدية.


[1] سورة الرحمن، الآيات 1 إلى 3

[2] سورة الرحمن الآية 2

اكتب رأيك