ما هو إجهاض الروح؟ ما هي أسبابه وكيف يمكن الوقاية منه؟
تصور أمًا حاملًا تتنقل في المراحل الأخيرة من حملها. تختلط بداخلها مشاعر الفرح الأمومي والترقب، وهي تنتظر بفارغ الصبر وصول مولودها الغالي و احتضانه. لقد أولى والدا هذا الجنين الذي لم يولد بعد اهتمامهما الدقيق وحماية كل جانب من جوانب نمو طفلهما طوال الرحلة التي تستغرق تسعة أشهر لضمان ولادة سليمة إلى هذا العالم.
والآن، في هذه اللحظات الجميلة ما هو أفضع حدث قد يحدث على الإطلاق؟ إنه الإجهاض، أو كل ما يؤدي إلى سقط الجنين. على سبيل المثال، قد تتناول الأم طعامًا غير مناسب، أو تتعرض للإصابة، أو أي حادث خطير آخر قد يسفر عن فقدان الجنين وفقدان فرصته في الحياة في الدنيا.
يعتبر الإجهاض حدث مؤلم يلحق الأذى بالوالدين وبالأقرباء وحتى بالجنين نفسه. كان هذا مثالًا تمهيديًا للإشارة إلى مفهوم الإجهاض. لنزيد فهمنا حول هذا المفهوم، دعونا نستعرض بإيجاز سمات فترة الجنين وأحداثها.
لدينا جميعًا معلومات ما حول فترة الجنين في الرحم والتطورات المعقدة التي تحدث خلال ذلك، ونعلم جيدًا أن جسم الإنسان يحتاج إلى يتشكل و ينمو في بيئة آمنة تُعرف بالرحم لبدء الحياة في هذا العالم الواسع. بيئة تحمي الجنين من جميع أنواع المخاطر والأمراض، وفي الوقت نفسه توفر له جميع العناصر الغذائية اللازمة لبناء الأعضاء والأنسجة في جسده. صحيح أن فترة الحمل لا تزيد عن بضعة أشهر، إلا أن جودة هذه الفترة المحدودة تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصير الجنين. فإذا تمت ولادة الطفل بجسم سليم وقوي، فإنه جاهز للاستفادة من مختلف ميزات هذا العالم، ويمكنه السير في طريق التقدم بسرعة وسعادة.
النقطة الرئيسية هنا تكمن في أن ليس كل الأطفال يولدون قويين وسالمين. يكون العديد من حديثي الولادة في هذا العالم معاقين أو مصابين بالأمراض، أو حتى يولدون أمواتًا عندما يتم استخراجهم من رحم الأم، أي ما يُعرف بسقط الجنين أو الإجهاض. في هذه الحالة فإنهم يفقدون فرصة الحياة الطبيعية أو حتى فرصة استمرار الحياة بشكل عام. تحكي جميع هذه الولادات المعيوبة عن فترة جنينية غير صحية. لقد قدم أطباء في هذا المجال تعريفات متنوعة للإجهاض، ولكن باختصار فإن الإجهاض أو سقط الجنين هو قطع الاتصال بين الجنين والأم أو فقدان علاقته مع مصدر حياته الوحيد.
لفهم المزيد حول هذا المفهوم دعونا نلقي نظرة معًا على أسباب حدوثه.
ما هي أسباب سقط الجنين؟
يعتمد نمو الجنين واستمرار حياته في رحم الأم على الحفاظ على العلاقة مع اثنين من الأعضاء الرئيسيين، وهما المشيمة والحبل السري. المشيمة هي نسيج مسطح ومؤقت في الرحم تربط الأم والجنين ببعضهما البعض. و بما أن الجنين لا يمتلك قدرة التنفس ولا يستطيع التخلص من المواد الزائدة من نفسه، فإن المشيمة يقع على عاتقها هاتين المهمتين الهامتين -أي توفير الأكسجين والتخلص من المواد الزائدة. بالإضافة إلى ذلك، تلعب المشيمة دورًا هامًا في تعزيز نظام المناعة للجنين لعدة أشهر بعد الولادة.
الحبل السري هو عضو يشبه حبلًا ويتحمل مسؤولية نقل الدم أو الأكسجين والمواد الغذائية من المشيمة إلى الجنين. تتم عملية الحصول على الأكسجين والمواد الغذائية من جسم الأم بعمليات معقدة ودقيقة، وبعد دخولها إلى الرحم تدخل جسم الجنين عبر الأوعية الدموية في الحبل السري. كما يتم إزالة المواد الزائدة من جسم الجنين عن طريق الأوعية الدموية السوداء في الحبل السري.
إذا اعتبرنا أن وظائف المشيمة والحبل السري محدودة إلى هذا الحد، نجد أن استمرار حياة الجنين يصبح ممكنًا عندما يتم الحفاظ على علاقته مع هاتين العضوين، والسبب الرئيسي لإجهاض الجنين هو انقطاع الاتصال بين الجنين والحبل السري والمشيمة. أي حدث يؤدي إلى اضطراب في تدفق الأكسجين والتخلص من المواد الزائدة في جسم الجنين، يقطع في الواقع علاقته بأصله الأم، وهذا ما نعبّر عنه ب “الإجهاض“.
هل یحدث الإجهاض للجنين فقط؟
كما يتعرض الجنين، منذ لحظة كونه مجرد خلية بويضية حتى لحظة الولادة، لخطر الإجهاض في كل لحظة، ويمكن أن يفقد علاقته بمبدأه أو بالأم، فإن روح الإنسان تتعرض أيضا منذ لحظة دخولها إلى عالم المادة حتى لحظة الولادة في الحياة الأخروية الأبدية، للتهديد من خلال قطع الارتباط مع أصلها، أي العلاقة مع الله خالقه.
إن روح الإنسان، أيضًا بحاجة إلى مساحة مثل الرحم لتمر بمراحل التطور الإنساني والتكامل ولتكون جاهزة للحياة الآخرة. هذا الرحم الثاني هو الحياة الدنيا، أي عمر محدود ذو قوة بناء استثنائية. كلما تغذت روح الإنسان من مصادر أعلى وأنقى في رحم الحياة الدنيا، كلما اكتسبت قوة أكبر. هذه المصادر هي الاختيارات والعلاقات والسلوكيات والأفكار التي يمتلكها كل فرد. بالطبع، فإن العكس يمكن أن يحدث أيضًا، إذ أنه إذا لم تتغذ الروح بشكل كاف وصحي، سيكون عليها ترقب عواقب غير سارة مثل ضعف الروح ودخول الحياة الآخرة بشكل غير صحي. بعبارة أخرى فإن روح الإنسان تتعرض للإجهاض ولن ترى السعادة الحقيقية.
ما هي عواقب إجهاض الروح؟
أشرنا أن مصادر تغذية روح الإنسان تتمثل في اختياراته، وعلاقاته، وتصرفاته، وأفكاره. ما نقصده من أن الفرد يتغذى بشكل غير مناسب روحياً أي أنه قد قام بتقديم كل ما يستطيع لتغذية روحه دون مراعاة أي معايير حكيمة و ودون مراعاة لطبيعته الإلهية.
من الطبيعي ألا نتوقع من هذه الروح الضعيفة والمكبوتة أن تمتلك القوة والحيوية الحقيقية. تفقد هذه النفس العاجزة والمحدودة فرصتها الفريدة في رحم الحياة الدنيا، وتبدأ حياتها الآخرة والأبدية بدون أي استعداد، وبما أنها لا تملك الأدوات اللازمة لاستخدام فرص الآخرة، فإنها تتعرض لصعوبات وعذاب لا نهاية له، تماما مثل الرضيع الذي يولد أعمى ولا يستطيع أن يستمتع برؤية أحبائه، وجمال الدنيا وعجائبها حتى نهاية حياته.
ما يجب أن نفعله لكي لا تسقط روحنا؟
غالبًا ما سمعنا بهذا التعبير الراقي الذي يُشير إلى أن الأشخاص الناجحين في حياتهم يمتلكون معايير محددة، ويقومون بتحديدها واتخاذ قراراتهم والتواصل مع الآخرين وفقًا لهذه المعايير. يقوم هؤلاء الأفراد بتجسيد أفكار تتناسب مع تلك المعايير، وكلما كانت هذه المعايير تتناغم مع الطبيعة الإلهية للإنسان، كلما زادت قوة الفرد وصحة روحه.
من خلال الحذر و الدقة لما نقدمه لروحنا من غذاء، يمكننا التغلب على العديد من العقبات النفسية وصياغة حياة آخرة جميلة ومستدامة.
تابعونا في المقالات القادمة في رحلة لاستكشاف هذا المسار بشكل أعمق.