سبل اكتساب التقوى: هل يمكن بلوغها بين عشية وضحاها؟
قد يسمع كل واحد منا كلمة التقوى مرارًا وتكرارًا في حياته، وحتى لو لم نعتبر أنفسنا من أهلها، فلن يخفى علينا ما ورد في فضلها من درجات وثواب عظيم. ولكن، ما هي السبل الحقيقية لاكتساب التقوى؟ هل يكفي القيام ببعض الأمور حتى نغدو من المتقين الورعين؟ وهل الطريق إلى التقوى لا يُسلك إلا عبر دروب العرفان الوعرة والمعقّدة؟ أم أنّ بوسع الجميع بلوغ هذه المنزلة؟
على الرغم من أننا تناولنا معنى التقوى بالتفصيل في مقالٍ سابق، فمن المفيد أن نعيد النظر في تعريفها ومفهومها من جديد، وبالطبع، يجب أن نُذكِّر بأن سبل اكتساب التقوى لا تعني بالضرورة خطوات مضمونة تجعلنا أتقياء بنسبة مئة بالمئة؛ فهذه المسألة ترتبط إلى حد كبير بطبيعة اكتساب التقوى ذاتها.
ثمة أمور في حياتنا ما إن نقوم بها حتى تظهر نتائجها مباشرة؛ كأن نكتب إجابات صحيحة في الامتحان فنحصل على درجات جيدة، أو نتبع وصفة الطهي بدقة فنُعدّ طعامًا شهيًّا. لكن هذا النوع من الحتمية لا ينطبق على الفهم الحقيقي للأشياء؛ إذ ليس كل ما يُقرأ يُفهَم بالضرورة. وعليه، يمكن القول إنّ بلوغ التقوى هو من الأمور التي لا تتحقق بمجرد الالتزام بعدد من التعليمات أو الوصايا؛ فالتقوى في جوهرها مسارٌ مستمر، يتطلب منا رعايةً دائمة ويقظةً متواصلة. في هذا المقال نهدف إلى تحديد طرق اكتساب التقوى، بالإضافة إلى الإشارة إلى الأمور التي إذا غفلنا عنها ستؤثر سلباً على تقوانا.
التقوى هي الرعاية
كما أشرنا في دروس سابقة، فإنّ التقوى تعني الحذر من الوقوع في الأذى، وهذا الحذر يأخذ بُعدًا خاصًا حين يتعلق بنا نحن – بني آدم – الذين اختصّنا الله بكوننا أشرف المخلوقات. فالتقوى، إذًا، تكتسب معناها في إطار رحلتنا نحو الغاية التي خلقنا الله لأجلها. وإن اعتبرنا أن غاية خلقنا هي التشبّه بصفات الله والسير نحو الكمال المطلق، فإنّ التقوى تعني الابتعاد عن كل ما يعيق هذا التشبّه ويمنع ولادتنا السليمة إلى العالم الآخر. هذه العوائق قد تشمل عدم توفير الغذاء الروحي اللازم لهذا التشبه، وقد تمتد لتشمل أي عوامل توقف حركتنا نحو اللانهاية أو تبطئها.
ولذلك، فإنّ من أراد بلوغ التقوى والعناية بنفسه، لا بدّ له من أن يجتهد في تحصيل كل ما يُعينه على التشبّه بصفات الله وأخلاقه، وأن يجتنب في الوقت ذاته كل ما يحرمه من ذلك أو يحول بينه وبين راحته وطمأنينته الداخلية، أو يعكر صفو ميلاده الآتي إلى البرزخ؛ فإذا تمكّن الإنسان من اجتياز هذه الرحلة، جاز له أن يدّعي أنه بلغ التقوى.
فالتقوى، إذًا، هي الضامن لسعادتنا الأبدية. كما أن البذرة لا تتحوّل إلى شجرة إلا إذا حصلت من التربة على ما تحتاجه من مقوّمات بالنسب الصحيحة، كذلك نحن لا يحق لنا الادعاء بالتقوى إلا إذا سرنا في طريق اكتساب الأسماء والصفات الإلهية، ملتزمين بمقاييس دقيقة لا إفراط فيها ولا تفريط؛ وكما أن ولادة جنين بأطراف زائدة لا تُعدّ كمالًا، فكذلك اكتسابنا لما يفوق الحاجة في هذه الدنيا سيجلب لنا المتاعب لا محالة.
لكنّ التغذية وحدها لا تكفي؛ فبلوغ الغاية يحتاج أيضًا إلى تجنّب الآفات والعوائق. وكما أنّ بذرة تبدأ بالخروج من التراب في طريقها للتحوّل إلى شجرة تواجه تهديدات وتحتاج إلى عناية البستاني، فإننا بدورنا، في رحلتنا نحو أصلنا وكمالنا، نحتاج إلى يقظة تامة تبعدنا عن كل ما يعوق ولادتنا السليمة إلى الدار الآخرة، ويعكر علينا طريق التشبّه بالله. والفرق بيننا وبين النبات، أنّنا مخلوقات مختارة، ومَنوطٌ بنا أن نتولّى مسؤولية حماية أنفسنا من الآفات والمخاطر التي تعترض سبيلنا.
للتقوى مراتب
إنّ التقوى ليست بمفهوم واحد ينطبق على الجميع، بل تختلف باختلاف ظروف الناس ومقاماتهم. فمن الطبيعي أن كل من كان في مرتبة أعلى في مسيرة بلوغ غاية خلقه، وكان أكثر حرصًا على تحقيق المزيد من التشبه بالكمال الإلهي، فإنه يحتاج إلى قدر أكبر من التقوى والتحرز. ولهذا، قد يُعدّ القيام بفعلٍ ما تقوى لشخص، بينما يُعتبر تقصيرًا أو عدم تقوى لشخص آخر.
تخيّل مثلًا شخصًا كان معتادًا على التلفّظ بالكلمات البذيئة، ثم بدأ يجاهد نفسه ليترك هذا السلوك القبيح؛ بالنسبة لهذا الشخص، فإن تقليل عدد الشتائم التي يستخدمها في اليوم يُعدّ خطوة في درب التقوى. أما شخص آخر، لم يسبق له أن اعتاد هذه الألفاظ، فإن تفوّهه بلفظ واحد غير لائق يُعدّ انحرافًا عن جادّة التقوى، لأنّ هذا الانزلاق يشكّل حاجزًا يُبعده عن صورة الكمال التي خُلق ليبلغها، بينما كان نفس الفعل عند الشخص الأول خطوة في سبيل التخلّي عن هذا الحاجز.
اجتناب الآفات
وكما نحرص على تغذية أرواحنا في طريق القرب من الله، وعلى صون علاقتنا به وبأهل البيت(عليهم السلام)، فإنّ علينا أيضًا الابتعاد عن كلّ ما يعوقنا أو يعرقل سيرنا. فالسائر نحو هدفه، إن لم يحذر العقبات، سيتعثّر مهما كانت نيّته صادقة، وقد يضيّع جهده دون أن يدري.
إنّنا، حين نلتزم بالتقوى، فإننا في الحقيقة نحاول أن نبتعد عن كلّ ما له رائحة جهنم، و كلّ ما يضغط أرواحنا من الداخل، أو يتسبّب في إيذاء الآخرين بسلوكنا، أو بكلماتنا، أو بمواقفنا. وببساطة: نريد أن نكون سببًا للراحة لا سببًا للألم والمعاناة. ومن هنا، نعتبر الالتزام بمجموعة من السلوكيات واجبًا علينا في سبيل تحقيق التقوى:
•اجتناب التجاوز، والاعتداء، والتجسّس
التعدّي على حقوق الآخرين هو من أبرز صور “حقوق الناس”، والتقوى تقتضي الابتعاد عنه بكلّ أشكاله. فلا يمكننا الادعاء بأننا نسير نحو “ولادة” سليمة (في الآخرة) بينما لا نحترم حدود علاقات الآخرين؛ على سبيل المثال، لا يجوز لنا التجسس على حديث الآخرين دون إذن، أو تفتيش منازلهم وحرماتهم الشخصية دون رضاهم، أو محاولة معرفة شؤونهم بأسئلة لا تعنينا. قد تبدو بعض هذه التصرفات شائعة بين الناس، لكنها تبقى اعتداءً على خصوصية الآخرين، وخرقًا لحُرُماتهم بأذُنٍ، أو عين، أو لسان، وكلّ ذلك يُبعدنا عن الغاية التي نطمح إليها و هي التشبّه بصفات الله.
• ضبط اللسان وإدارته
من يسير نحو أصله الإلهي، يعتني بكلّ ما يربطه بالله وأهل السماء، ويحرص على ألاّ يلوّث هذه العلاقة بأيّ تصرّف، ولو كان صغيرًا. لذلك، لا ينظر إلى لسانه كعضو عادي، بل يأخذ في اعتباره جميع الجوانب والأضرار التي قد تنجم عن هذا العضو الصغير. فتراه لا يدخل في جدال، ولا يسعى لتبرئة نفسه من الأخطاء، بل يحافظ على جانب الإنصاف في علاقته مع الآخرين. بالنسبة لمثل هذا الشخص، فإن الغيبة، والافتراء، والسخرية، أو التحدث بالسوء عن الآخرين ليست سلوكيات عابرة، بل طرقًا تودي به بعيدًا عن الهدف، وتُبعده عن خطّ السير المستقيم الذي يقوده إلى هدفه.
•الابتعاد عن حب الدنيا
الدنيا، بطبيعتها المحدودة، تمثل تحديًا حقيقيًا لطموحنا اللامتناهي ورغبتنا في بلوغ الكمال المطلق. ومع أننا في رحلتنا نحو الخلود والتشبه بالصفات الإلهية، يُسمح لنا بالاستفادة القصوى من إمكانات الدنيا ومواردها (فالوسيلة الجيدة والفعالة تسرّع وصولنا إلى غايتنا). إلا أن المحور الأساسي هنا يكمن في أن تكون الدنيا مجرد أداة تخدم هدفنا الأسمى، لا أن تكون هي الهدف بحد ذاتها. هنا يبرز الفارق الجوهري بين أمرين: حب الدنيا المفرط والاستفادة الصحيحة منها. الأول يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق التقوى والارتقاء الروحي، بينما الثاني، بشرط الاستخدام الواعي والمسؤول، يمكن أن يصبح أحد السبل الجليلة لاكتساب التقوى، ويقودنا إلى “ولادتنا” الصالحة في الآخرة.
على الرغم من أن كل من النقاط المذكورة لها أهمية كبيرة في طريق اكتساب التقوى، إلا أن طرق اكتساب التقوى ليست محصورة في هذه النقاط فقط، بل تشمل كل ما يُعتبر غذاءً لنا في طريق التشابه مع صفات الله، أو يلعب دورًا في إزالة العوائق الموجودة في طريقنا نحو الكمال وولادة صحية.