هل الإنسان راغب في اللانهاية؟ و ما هو دور هذه الرغبة في أمنياته؟
الإنسان كائنٌ راغب في اللانهاية. لا نحتاج إلى أدلة وبراهين لنؤمن بأنّه كذلك، بل يكفي أن نلقي مجرد نظرة سريعة إلى سلوكه لإثبات ذلك. إننا نحلم عادة ما بتحقيق أشياء لا نمتلكها و نتمنى تحقيق أهداف معينة في ذهننا لكي نشعر بالرضا الداخلي، ومع رحلة قصيرة إلى أيامنا الماضية، سنجد أن معظم الأحداث في حياتنا هي نتيجة لأمانينا، سواء كانت أحداثا سعيدة تجعلنا نبتسم، أو ذكريات مؤلمة تغطي وجوهنا بغبار الحزن. الحقيقة أنّ الأمنية هي بمثابة شرارة والتي قد تؤدّي إلى اشتعال لهيب النار.
لا شكّ أنه تحقيق الأمنيات تستلزم السعي و المثابرة ، مع ذلك فإن المشكلة هي محدودية عمرنا في هذه الحياة ولا نهائية أمنياتنا. فأمنيات الإنسان لا تعدّ ولاتحصى، بينما إمكانيّاته في هذا العالم محدودةٌ ضمن أطارات محدّدة. فماذا يفعل الإنسان الراغب في اللّانهاية تجاهَ آماله التي لم تتحقق؟
عمّ يبحث الإنسان في أمنياته؟
هل حدث لک أن تقوم بتوفير مبلغ من المال لفترة طويلة بهدف تحقيق أمنية مثل شراء ثوب جميل أو عطر ثمين، ولكن بعد الحصول على هذا الشيء تشعر بأنه لا يتناسب معك وأنك تستحق شيئاَ أكثر فخامة؟ الحقيقة أنّنا نشعر بالعطش المستمر ونريد أن نرتوي بتحقيق أمنياتنا، غافلين عن هذه الحقيقة أنّنا تماما كمريضٍ مصابٍ بداء الاستسقاء، كلّما شرب ماءً أكثر، عطش أكثر. مع تحقيق كل أمنية، نتوق إلى أمنية أكثر تقدما وعلوا من معطياتنا الحالية. إننا لسنا مهتمين بأية رغبات فعلية وإنّما مهتمون فقط بتجربة الطلب والاكتساب. إنّ المخرج الوحيد أمامنا هو قبول الواقع أن الإنسان يرغب في اللانهاية وبعد قبول ذلك يجب علينا أن نجد طريقة مناسبة لتحقيق هذا الشغف.
ما هو تأثير رغبة الإنسان في اللّانهاية على أمنياته؟
إنّ الإنسان بطبيعته يرغب في اللّانهاية. هذه الرغبة هي محرّك حياته و تخرجه من حالة السكون و الركود وبما أنّ طبيعة الإنسان تميل نحو الرغبة في اللانهاية، فإنّ هذا الميل يظهر تلقائياَ في مختلف أبعاد وجوده. تتغذي أمنيات الإنسان شيئاً فشيئا من هذه الرغبة في اللانهاية و تقودنا هذه الأمنيات نحو الرغبة في اللانهاية. لذلك فإنه لا يبقى خيار للإنسان سوى أن يسعى لتحقيق رغبات كل بعد من ألعاده الوجودية لكي يرضيها. وفي النهاية تماما مثل الناجي الوحيد من سفينة محطمة، ينتهي به الأمر إلى الانجراف في بحر شاسع من الأمنيات التي لا تنتهي، والشعور بالضياع و الارهاق.
لا بد و أنك سمعت أن شرب ماء البحر لا يروي عطش الإنسان بل يزيده عطشا. و بالمثل، فإنّ هذا ينطبق على أمنیاتنا حيث كلما تحققت امنية، تولد أمنيات جديدة لاتنتهي. فالإنسان الذي يتوق إلى اللانهاية، يستمر في طلب أفضل الأماني وأجودها في كل جوانب وجوده من الجوانب النباتية والحيوانية والجمادية والعقلية. المفتاح الوحيد لراحة الإنسان في ظل هذه التطلعات اللامتناهية هو أن يكون لديه معيار صحيح لأمانيه. معيار لا يفرض عليه قيودا، بل ينقذه من الغرق عطشانا في بحر الأمنيات. تماما مثل المصفاة أو الفلتر الذي يمكنه تحويل مياه البحر المالحة إلى ماء حلو صالح للشرب.
الفرق في إظهار الرغبة في اللانهاية
في كل إنسان، تظهر الرغبة في اللانهاية في أحد جوانب وجوده وهذا الجانب هو نفس الجزء من وجوده الذي يكرس له المزيد من التركيز والجهد والطاقة ولديه علاقة مباشرة بمواهب الإنسان وقدراته. على سبيل المثال، مَن يكرّس معظم اهتماماته وجهوده لتطوير الجانب النباتي من وجوده، أي أن قمة رغبته هي أن يحصل على جسم صحي قوي وجميل، إذن فإنّ أمنياته ستتجه تلقائياً نحو الكمال والتفوق في نفس هذا الجانب فقط و ستكون بقية أهداف حياته تحت ظل ممارساته الرياضية وتحقيق وزنه المطلوب.
عندما نلقي نظرة سريعة على التاريخ يتضح لنا أن كلما ازدادت قوة الجانب الحيواني لدى الإنسان الراغب في اللانهاية، ظهرت تلك القوة لديه بلا سيطرة ولا قيود، مما يسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها في الحياة. و ما أكثر أولئك الذين قد علقوا في البعد العقلي لوجودهم ولم يستطيعوا تجاوزه، حيث أن الرغبة في اكتشاف مجال علمي معين أو الالتحاق بجامعة مشهورة أو الوصول إلى درجة الاجتهاد العلمي يجعلهم قلقين مضطربين.
هناك نقطة رئيسية غالبًا ما تغيب عن انتباهنا: ليست كل جوانب الوجود الإنساني تمتلك طبيعة لا نهائية، إذ ليست جميعها قادرة على استيعاب اللانهاية واحتضانها. تلتزم هذه الفكرة بالمبدأ الأساسي القائل بأن الكيان المحدود لا يمكن أن يشمل مفهوم اللانهاية.
وبالتالي فإن الرغبة في اللانهاية للقوى الدنية في وجودنا لن تؤدي سوى إلى القلق والاضطراب، لأنه لا يوجد معاناة أكبر من طلب الإنسان شيئاً لا يستطيع الحصول عليه. كما هو واضح، لا يمكنك سكب كمية لا نهائية من الماء في كوب صغير، لذا إذا افترضنا أن الأبعاد الوجودية للإنسان تشبه خمسة أكواب ذات أحجام محددة، إذن فلا يمكن أن تحتوي الأبعاد الصغيرة والمحدودة أو حياة إنسانية قصيرة على لانهائية من الكمال.
ماوراء العقل أو الجزء الإنساني، له السعة اللّامتناهية
يُطرح هنا هذا السؤال: “ما هو مصير هذا الإنسان الذي يرغب في اللّانهاية؟ وما هي الأمنيات في الوجود الإنساني التي ينبغي أن تقوده نحو الرغبات في اللانهاية؟
إن الإنسان ليس لديه السعة اللامتناهية والقابلية إلا في بُعده الإنسانيّ، وكقاعدة عامة، فإنّه عاجز عن قبول اللانهاية إلا في هذا البعد. ونظرًا لضرورة توافق سعة الوعاء والمادة الممتلئة بهذا الوعاء، فإن الرغبة في اللانهاية فعالة فقط في تحقيق أمنيات البعد اللامتناهي لوجودنا.
فالجزء الإنسانيّ لوجودنا هو تلك المصفاة التي يجب وضعها في مكانها المناسب كقائد لباقي أجزاء وجودنا، لتحويل الطعم المالح للرغبة في اللّانهاية إلى حلاوةٍ لا متناهية. لكن المهم أنه إذا تم وضع أمنياتنا في مكانها الصحيح، فإنها تفضي إلى النمو والحركة وتحسين حالة الإنسان. أما إذا طلب كلٌّ من أجزاء وجودنا بشكلٍ مستقلٍّ لامتناهيته، مع الأخذ في اعتبار محدودية الإنسان في العمر و الإمكانيات، فإن هذه الرغبة ستؤدي إلى الحزن و االشعور بالسوء. الراغب في اللانهاية ليس لديه سوى جزء واحد لا نهائي في كيانه، حيث تنتمي الرغبة في اللانهاية فقط إلى ذلك الجزء، غير أننا نستخدم رغبتنا في اللانهاية في غير مكانها، لأننا نجهل وجود هذا الجزء من وجودنا.