المغبون والخاسر
عندما نتحدث عن شخص مغبون وخاسر، يتبادر غالباً إلى ذهننا تجارب مريرة وخسائر تكبدناها نحن أو من حولنا بسبب قرارات أو اختيارات خاطئة. قد نستذكر استثمارات باءت بالفشل، أو سنوات ضاعت في دراسة تخصص لم يكن مناسبًا، أو فرصًا ذهبية أفلتت من بين أيدينا، و مئات أمثلة أخرى عن خسائر مررنا بها جميعًا بدرجات متفاوتة في حياتنا، منها ما استطعنا تعويضه، ومنها ما تعلمنا منه دروسًا قيمة. بشكل عام، يُطلق وصف المغبون علی شخص تعرض لخسارة في شيء ما. من المؤكد أن الغبن في أي مجال لا يکون مرضيًا بالنسبة لنا. فكلنا نريد الاستفادة القصوى من فرص الحياة، وأن تكون جميع معاملاتنا و استثماراتنا وجهودنا مفيدة ومربحة. لكن العجيب أن أغلبنا، رغم الحرص على تجنب الخسارة في هذه الأمور، يغفل عن أعظم خسارة قد يتعرض لها الإنسان في حياته، وهي خسارة العمر ذاته.
ولكن، ما المقصود بالخسارة والربح في رحلة العمر؟ لا شك أن مفهوم النجاح يختلف من شخص إلى آخر. فهناك من يرى في الثراء وتحقيق الممتلكات الفاخرة علامة التفوق، وهناك من يطمح إلى الشهرة أو البطولة أو التفوق الرياضي، ومنهم من يعتبر الدرجات العلمية والمناصب الرفيعة قمة النجاح. لكن، ماذا لو لم يحقق الإنسان أيًا من هذه الأشياء؟ هل يكون بالضرورة خاسرًا؟ هل تكمن الخسارة الحقيقية والغبن في فقدان هذه الأمور فقط؟ الحقيقة أن الربح والخسارة لا يقاسان إلا بمدى تحقيق الشيء لهدفه. على سبيل المثال، بالنسبة لشجرة مثمرة، يصل الفلاح إلى هدفه عندما تثمر الشجرة وتعطي ثمارًا صحية ولذيذة. أما إذا لم تحقق الشجرة هذا الهدف، حتى وإن استفاد الفلاح من ظلها أو أي منفعة أخرى، فهو ما يزال يُعتبر مغبونًا وخاسرًا. وكذلك بالنسبة للإنسان، إذا لم يحقق الهدف الحقيقي من وجوده، فهو مغبون وإن ظن أنه قد كسب كثيرًا.
إذن، فمن هو المغبون الحقيقي ولماذا؟ هذا هو السؤال المهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن يفوت الأوان.
الخسارة الحقيقية.. من هو المغبون بحق؟
لكي نفهم معنى الغبن الحقيقي، علينا أولًا أن ندرك ماهية الإنسان وغاية وجوده. كما شرحنا سابقاً، لكل إنسان خمسة أبعاد وجودية: الجمادي، والنباتي، والحيواني، والعقلي، وما وراء العقلي، أي البعد الإنساني. جميع هذه الأبعاد، باستثناء الأخير، يشترك فيها الإنسان مع سائر المخلوقات. أما البعد ما وراء العقلي، فهو الذي يجعل الإنسان إنسانًا بحق، وهو جوهرنا الخالد، و النفحة الإلهية التي أودعها الله فينا. هذا البُعد هو القلب الحقيقي، الذي يسعى فطريًا نحو الكمال المطلق، نحو الله، فهو منه وإليه يعود. إن غاية وجودنا في هذه الدنيا هي تحقيق هذا الكمال، أي أن نُزكي أرواحنا ونُهذب قلوبنا، لنعود إلى الله بقلبٍ سليم. فالقلب السليم هو رأس مال الإنسان في حياته الأبدية، وهو الثروة الوحيدة التي تحدد مصيره بعد الموت. لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملكه من مال، أو قوة، أو مكانة اجتماعية، أو علم، فكل هذه الأمور، رغم أهميتها، ليست سوى أدوات ووسائل، فإن استخدمت لبلوغ الكمال الإنساني والحصول على قلب سليم، ازدادت قيمتها، وإن حالت بين الإنسان وبين هدفه، أصبحت عبئًا يُثقله ويُبطئ سيره نحو مصيره الأبدي.
إذن، المغبون الحقيقي هو من أضاع عمره دون أن يُعدّ نفسه لهذا السفر الأبدي، و رحل عن الدنيا بقلبٍ غير سليم، مهما حاز من متاع الدنيا ومجدها. فهل نحن من المغبونين؟ وما العوامل التي تؤدي إلى هذه الخسارة العظمى؟
لماذا يُصاب بعضُنا بالغبن والخسارة؟
إن أعظم أسباب الغبن والخسارة هو عدم معرفة الإنسان لنفسه. بالتالي فإنه لا يدرك سرّ خلقه ولا يُحسن تحديد سعادته في الدنيا والآخرة، فيقع في الخلط بين الربح والخسارة. هذا الجهل هو أصل كل معاناة ومصيبة في الحياة. حين يغفل الإنسان عن حقيقته وينسى ذاته، فإنه ينسى الله أيضًا، فيُسلِّم قلبه لأوهام زائلة ويهدر عمره في التعلّق بها. نعم، هناك من يدركون سرّ وجودهم وخلقهم، لكن بما أنّ الأبعاد الحيوانية عندهم تتغلب على بُعدهم الإنساني، ولأن نظام المحبة عندهم غير منتظم، فإنهم لا يسيرون في الطريق الصحيح، بل يظلون في دائرة التيه والتردد، رغم معرفتهم بالحق. وقد عبّر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن هؤلاء بقوله:”المَغبونُ مَن شُغِل بالدنيا، وفاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الآخِرَة.”[1]
ذكرنا في قانون النسبة، أن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا. فكما أن توقف نمو الجنين في بطن أمه يسبب له ضررًا كبيرًا، فإن توقف الإنسان عن السير نحو الله في هذه الحياة، وركوده فيها، يُلحق به أعظم الخسائر، ويمسّ سعادته الأبدية. وهكذا فإن العلاقة المباشرة بين حسن استثمار العمر وسعادتنا الأبدية تجعل كل لحظة من حياتنا ذات قيمة عظيمة. وقد أكدت التعاليم الإسلامية على هذا المعنى بقولها: «مَنِ اسْتَوَى یَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُون».[2] أي أن من لم يتقدم يومًا بعد يوم نحو هدف خلقه، فهو في نقصان وخسارة. ليس عبثًا أن يُسمّى يوم القيامة بـ “يوم التغابن” [3]، فهو يوم تتجلى فيه الخسائر الحقيقية. قد لا نشعر بحجم هذه الخسارة في الدنيا، لكن ما إن ندخل عالم البرزخ ونقف في يوم الحساب، حتى يملأنا ندم لا حدّ له، ندمٌ يحرق الروح، ويثقل القلب، ويفوق أي خسارة دنيوية.
تحدثنا في هذا الدرس عن الإنسان المغبون، وذكرنا أن حقيقة وجودنا هي من الله وأننا في النهاية إليه نعود. نحن كائنات أبدية و خالدة، وهذه الحياة مجرد محطة نصنع فيها أبديتنا. إن الهدف من خلقنا هو بلوغ القلب السليم، والارتقاء في المعرفة، والتخلق بصفات الله وأسمائه. بناءً على ذلك، المغبون والخاسر الحقيقي هو الشخص الذي ينشغل بالدنيا بدلاً من السعي لتحقيق هدف خلقه وضيّع آخرته. المغبون هو من توقف عن السير نحو الله، وتباطأ في رحلته، حتى فاته الركب.
[1] غرر الحكم: ح 2010 و 1287 و 1352 و 8083، ونقلت عنه بواسطة هداية العلم: 460.
[2] البحار: 78 / 327 / 5 و 77 / 267 / 1 و 78 / 140 / 32.
[3] سورة التغابن، الآیة 9