لماذا لا يستطيع القلب المختوم اكتساب النور؟
القلب هو منطلق كل حركة فينا وموجهها. إنه منبع التعلّقات والرغبات، موطن المواهب والأفراح والأحزان، وجذور الضياع والشقاء كذلك. إذا انفتحت نوافذ القلب على النور والهداية، سرنا على طريق السعادة، أما إذا غفلنا عنه، أصبحت قلوبنا مختومة. القلب المختوم في حقيقته، مريض بداءٍ يمنعه من أن يستقبل النور أو يعكسه، تمامًا كمرآة غطّاها الغبار، فلا تعود تعكس أي شعاعٍ من الضوء. إن قلبنا أشبه ببيتٍ علينا أن نبنيه بأيدينا، فإذا أُغلق قفله، فلا أحد غيرنا يقدر على فتحه.
القلب هو أثمن ما نملك، وهو مصدر الطمأنينة وركن الحياة الذي أودعه الله فينا، لنستدل بها إلى المعرفة. إذاً، فلماذا يتحوّل هذا الكنز إلى قلبٍ مختوم؟ كيف ينسى من مُخاطبه الحقيقي؟ لماذا تُبعِدنا المحبوبات الأرضية عن المحبوب الإلهي الحقيقي؟ هذه أسئلة سنسعى للإجابة عنها في هذه السطور.
إن ختم القلب مرضٌ يبدّل طبيعة الإنسان الفكرية والروحية، حتى يفقد قدرته على تمييز الحقائق العقلية وما وراء العقلية. القلب وحده يملك سعة لا نهائية، وكلما دخل إليه المحبوب الحقيقي، امتلأ فرحًا وسكينة، وإن حُرم من نوره، فلن تعوّضه كنوز الأرض كلها، ولن يذوق طعم الراحة أبدًا.
كيف يتحوّل قلب الإنسان إلى قلب مختوم؟
تحدثنا في الدروس الماضية عن حياة القلب، وحركته، ومعشوقه الأسمى، ومرضه وأسقامه. وعرفنا أن القلب هو روح الإنسان وجوهر نفسه، ذلك الذي يُدرك، ويُفكر، ويُحب، ويختار، ويوالي ويُعادي. فإذا لم يُنظَّم وفق القيم الحقيقية ومحبوباته الأصيلة، عجز عن أداء دوره كقائد لبقية أبعاد وجودنا.
تحدثنا في الدروس الماضية عن حياة القلب، وحركته، ومعشوقه الأسمى، ومرضه وأسقامه. إن القلب إذا مرض، انقطع عن الإله الوحيد للإنسان، فيتعذر عليه الوصول إلى مقامه الأصلي، ونتيجة لذلك، يفقد الجانب ماوراء العقلي قدرته وموهبته في اكتساب الكفاءات والجدارة والسعادة الأخروية. فالقلب هو أثمن ما في كيان الإنسان، وأقوى أداة في التمييز بين الخير والشر، وسائر القوى تابعة له وتحت رايته. فإذا أُهمل القلب، تدرّج في طريق التقييد والتناقص، حتى تحيط به الآفات وتحجبه الحجب، فيُنتزع منه نور الإدراك وبصيرة المعرفة.
أما مراحل ختم القلب هي أن يدخل قلبنا أولًا مرحلة الصدأ،[1] ثم يُغطَّى بغشاوة[2] ويصل إلى مرحلة الانحراف،[3] وبعد ذلك تُوضَع عليه أقفال محكمة[4] ويُختَم في غلاف.[5]
إن هذه العوائق، إنما هي من صنع أيدينا، ونحن الذين نغلق نوافذ القلب على النور بأهوائنا وتعلّقاتنا الدنيئة. وعندها، ينشغل القلب بالمحبوبات الدنيا وينسى محبوبه الأعلى. تصوّر زجاجة أُغلِق فمها بإحكام، وأُلقيت في قلب البحر… لئن أحاط بها الماء من كل جانب، فلن تنال قطرة واحدة، لأن طريق الوصول مسدود. كذلك القلب، إن أُقفل عليه، وحُرِم من مسالك الكمال والنور، فإنه يُحرم من الوصل بمصدره الإلهي، ويتيه بعيدًا عن أصله.
فالقلب، على جلال قدره وسعة طاقته، قد تبتليه الغفلة وتُغرقه في أوحالها، إلا إذا صُقل بالذكر والتوبة واليقظة، ليبقى لامعًا نقيًا متصلًا بالنور، بعيدًا عن آفة الختم. إذا تحول القلب، الذي هو ملك وقائد الجسد، إلى قلب مختوم، فسدت الرعيّة كلها، وانهار بناء النفس من داخله.
لماذا ينسى القلب مخاطبه الرئيسي؟
سبق أن تناولنا في حديثنا البنيةَ الداخلية للنفس، والتي تتألّف من خمس قوى: الحس، والخيال، والوهم، والعقل، وماوراء العقل. وكلّ واحدة من هذه القوى لها احتياجات، ولا يمكن تلبية رغباتها إلا من خلال الوصول إلى مطلوبها أو محبوبها. أمّا القلب، فطينته من جنس الله، وسجيّته التعلّق بذلك الكمال المطلق. ومن هنا، فإنّ الحبّ اللامتناهي هو رأسمالنا الأصيل والخالد، وهو أثمن ما نملكه، وأقوى سندٍ لنا في الوجود.
المحبّة والارتباط بالله هي اشتياق فطري يسكن القلب، إذا كان سليمًا ومُغذّى تغذيةً صحيحة، فإنّه يتجه تلقائيًا نحو مقام ماوراء العقل. ولهذا، فطوال هذا العمر القصير في الدنيا، ينبغي أن نجتهد كي نبني علاقةً حيّة مع المخاطَب الحقيقي لقلوبنا.
غير أنّ من أكبر الحُجب والعوائق التي تحول بيننا وبين هذا الإله الحقّ، هو التعلّق بالدنيا والانشغال بجميع أبعاد وجودنا، ما عدا ذلك البعد الرفيع المتصل بماوراء العقل.
عندما ننغمس كليًا في محبوبات زائفة، ونجعل كلّ وقتنا أسيرًا لها، نهرب من الخلوة مع محبوبنا الحقيقي، ولا نجد طعمًا للنجوى والمناجاة، ولا نشعر معه بالسكينة أو الفرح الحقيقي. وعندها، إن لم نتّصل بالمخاطب الحقيقي الوحيد لنا، نكون قد أغلقنا على أنفسنا أبواب الخلاص، وحرمنا أنفسنا من الاستعانة والعون. فكما أن السكتة القلبية تفضي إلى الموت الجسدي، فإن القلب المختوم هو أحد تجلّيات الموت الروحي، والذي يحصل حين يُقصى القلب عن محبوبه الأعلى.
في هذا الدرس، تناولنا مرض القلب المختوم، وأدركنا أن النور والكمال لا يُكتسبان إلا عبر القلب. وقلنا إنه إذا عجز القلب عن التواصل مع مخاطَبِه الحقيقي، فإنّه يفقد أعظم ما يملك من رأسمالٍ وسند.
إلى أي مدى أنت قلق بشأن التواصل مع مخاطبك الرئيسي؟ شاركنا رؤيتك في قسم التعليقات.
[1] سورة الأنعام، الآية 25
[2] سورة الصف، الآية 5
[3] سورة المطففين،الآية 14
[4] سورة محمد، الآية 24
[5] سورة النحل، الآية 106