هل كنا موجودين قبل الولادة؟ إذا كنا، فأين؟
نحن جميعًا نميل بالفطرة إلى معرفة أصولنا والأسرار المحيطة بوجودنا قبل المجيء الى الدنيا، كل هذا يثير الكثير من الأسئلة حول الحياة قبل الولادة في عقولنا.
غالبًا ما يكون هذا الاهتمام أكثر وضوحًا في سنوات الطفولة الأوائل، حيث أن الأطفال لا يفهمون العملية الفيزيولوجية التي تؤدي إلى تكوين أجسامهم، وبالتالي، يكون أحد الأسئلة المتكررة التي يسألونها لكبارهم هو “أين كنتُ قبل أن آتي إلى الدنيا؟ ولماذا ذهبت إلى بطن أمي؟” وأسئلة مماثلة.
يتغير طابع هذه الاهتمامات قليلاً في مرحلة البلوغ، حيث تتجه أسئلتنا بشكل أكبر نحو فهم واستيعاب المقصد بدلاً من المبدأ. أي إننا في سن البلوغ نكون أكثر اهتماماً بمعرفة “إلى أين سنذهب بعد الموت؟” بدلاً من “أين كنا قبل الولادة؟” إن الدافع وراء هذه التغييرات في نظرة الإنسان في هذه المرحلة من حياته يمكن أن ينبع من ظنه أنه قد حصل على إجاباتٍ لأسئلته الطفولية عن كيفية نشأة الإنسان من جمع خلية الذكر والأنثى، وبالتالي يفترض أن نقطة بداية الحياة هي لحظة انعقاد النطفة. ولكن، هل هذه هي الحقيقة بالكامل؟
الجواب على سؤال “أين كنا قبل الولادة؟” يكاد يكون مهمًا بنفس القدر الذي نحتاج فيه إلى معرفة “إلى أين نتجه بعد الموت؟”، وإذا نظرنا بعناية أكبر، سيكون الجواب على السؤال الأول أكثر أهمية حتى من السؤال الثاني، إذ أن السؤال الأول يشكل الأساس للسؤال الثاني. إن مراحل حياتنا ليست خطية، بل هي بصورة دائرية وتعود بنا إلى نفس المكان الذي جئنا منه سابقٌا.
- أين كنا قبل الولادة؟ وما هي الأدلة المتاحة حول هذا الموضوع؟
- أين يقع عالم الذر وكيف من الممكن اننا كنا موجودين فيه؟
- كيف يؤثر الاعتقاد في وجود عالم قبل الولادة على أسلوب حياتنا؟
أين كنّا قبل الولادة؟ وما هو الدليل على ذلك؟
لکي نفهم أين كنا قبل الولادة، يكفي أن نعود إلى أنفسنا ونستخلص الإجابة عن هذا السؤال من داخل أنفسنا. كما شرحنا في المقالات السابقة، إننا كبشر نحمل صفات متعددة، من هذه الصفات هي الكمالية والرغبة فی اللانهایة، وهذه السمات هي بديهية للغاية بحيث أنه لا حاجة لإثباتها. نحن نرغب و نتوق في التميّز في جميع الجوانب، خالية من أي عيوب، ولدينا شهية لانهائية لتحقيق أنواع الكمالات، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تكون جذور هذه الرغبة في اللانهاية مرتبطة بجسمنا، لأنه لا یمکن لجسمنا المحدود أن يطلب الكمالات اللامحدودة، حیث أنّه لا بد من موافقة الطالب والمطلوب معًا. من ناحية أخرى، لا يمكن لنا أن نرغب في شيء لم نقم بتجربته من قبل. على سبيل المثال، إذا لم نكن قد تذوقنا الشوكولاتة أو حتى سمعنا عنها من قبل، فلن يتسنى لنا أن نشعر برغبة في تناولها أبدًا. لذلك، إذا كنا نشعر بالرغبة في اللانهاية، فإنه سبق لنا أن خضعنا لتجربة اللانهائية واستمتعنا بلذتها.
كلنا نعلم أن عالم الدنيا محدود، إذن فلا بد و أن تكون تجربتنا لللانهائية قد حدثت في عالم آخر غير الدنيا. إذا اتبعنا هذا المسار وسلكناه، سنصل إلى عالم قبل الولادة، حيث كنا جميعًا فيه جنبًا إلى جنب مع مليارات من البشر الآخرين على مدى التاريخ، كروح واحدة وجزء من الله.
لقد خلق الله بوصفه الوجود اللانهائي والكمال المطلق، الحقيقة الأولى في أول تجلٍ لذاته، وهو الجوهر الأول لعالم الخلق وأقرب مخلوق إليه، يتمتع بجميع أسمائه وصفاته بشكل كامل. ثم خلق من هذا الخلق الأول باقي عوالم الوجود، أي أن كل عوالم الآخرة وكذلك عالم الدنيا قد خلقت من هذه الحقيقة. يُطلق على هذه الحقيقة أسماء مختلفة مثل “الروح، اللوح، القلم، العقل، نور محمد، المثل الأعلى، وغيرها”
بعد أن تتكوّن النطفة لكل واحد منا في عالم الدنيا، تمر هذه الحقيقة عبر جميع عوالم الوجود حتى تصل إلى جسمنا، حيث يتم نفخها في الجسم وتمنحه الحياة. معنى كلمة “روحي” أو ”روح الله” في الآية: “ونفخت فيه من روحي”[1] هو نفسه، ويعبّر عن قوة التلازم والقرب والارتباط لهذه الحقيقة بالله. لذلك فإننا جميعنا قبل الولادة كنا في حضن الله وجزءًا من وجوده. لم يكن لدينا جنس في تلك الفترة، كما لدينا الآن. يتعلق وجود الجنس وكوننا رجلًا أو امرأة بجسمنا، بينما الأنا الحقيقية هي الروح المنفصلة عن الله ولا تحمل خصائص عالم المادة فيها.
والآن بعد أن علمنا أن منشأ حياتنا يعود إلى عالم خارج الدنيا، يجب علينا فيما بعد أن نشير إلى بعض النقاط القصيرة ذات الصلة بهذا الموضوع.
حقيقة عالَمِ الذّرِّ أو عهدِ “ألستُ”
في الآية 47 من سورة الأعراف، يُشير الله سبحانه إلى عهد أخذه من بني آدم عند خلقهم، حيث اعترف جميع البشر بالتوحيد ووحدانية الله خلال هذا العهد. على هذا الأساس، أصبح ذلك العالم معروفًا ب “عالم الذر“، و هذا العهد باسم “عهد الألست”. قام المفسرون بتقديم وجهات نظر مختلفة حول تفسير هذه الآية، وقد سبب بعضها البلبلة في فهم معنى الآية. بما أن موضوع مناقشتنا في هذه المقالة تتعلق بعالم ما قبل الولادة، لا بأس أن نلقي نظرة سريعة على المعنى الأساسي لعهد الألست، لحل أي إبهام محتمل بهذا الصدد.
يعتقد البعض أننا ومليارات من البشر الآخرين كنا حاضرين في عالم الذر بنفس الشخصية الحالية ونفس الإنسان الناطق، حيث سألنا الله هناك: “ألست ربَّكم؟” وأكدنا جميعًا أن “نعم، أنت ربنا”. ومع ذلك، هذا التفسير غير صحيح. كما ذكرنا قليلاً أعلاه، كنا نحن وسائر البشر في زمن الخلق كروح واحدة ولم تکن لدينا شخصيات منفصلة. تم إنشاء هذه الشخصيات المنفصلة بعد تكوين النطفة ودخولنا إلى عالم الدنيا. لذلك، عندما يقول الله “أخذنا ميثاقكم”، فإنه لا يعني أن كل واحد منا اعترف بوجود الله لفظيًا ولسانيًا، بل كان هذا التعهد تعهدًا وجوديًا، ما يعني أنّ فطرتنا هي التي قد شهدت بوجود الله. في هذا السياق لا يوجد فرق بين المؤمن والكافر، إذ أن فطرة الكفار هي أيضًا من جوهر الله ومثله بلانهاية، لذا إذا كان أحد ينكر وجود الله بلسانه، فإن الكمالية والرغبة في اللانهاية المتجذرة في وجوده تثبت أن فیه روح الله و لا يمكن إنكار ذلك.
ما هو تأثير الإيمان بعالم ما قبل الولادة على أسلوب حياتنا؟

لقد تم ترك موضوع “أين كنّا قبل الولادة” للأسف ولم يتم التركيز عليه بشكل كافٍ. إننا عادةً ما نبدأ تعلم الدروس الدينية من منتصف الطريق، أي من عالم الدنيا، ونرسم حركة خطية لأنفسنا وللآخرين تبدأ من لحظة الولادة وتتجه صوب الآخرة. تؤدي هذه الرؤية الناقصة أولا إلى عدم اختراق المعارف الإلهية الأصيلة لأعماق أرواحنا کما ينبغي، وثانيًا أنها تلقي بظلال من الشك و عدم اليقين حول فلسفة وجودنا في هذا العالم.
يحمل إهمال المبدأ خطرًا آخر، وهو أن الموت يتحول في عقولنا إلى ظاهرة مجهولة نخاف منها، بینما إذا علمنا من أين جئنا، فليس هناك داعي للخوف من الموت. هل نخاف من العودة إلى منزلنا في كل مرة نغادره؟ الموت هو دوران العودة، إذ أنه عودتنا إلى موطننا الأصلي وإلى عائلتنا الحقيقية. لذا إذا كنا قد عشنا حياة طيبة، يُعدّ الموت بداية اللذة والسعادة، و باختصار ليس مصدر للقلق على الإطلاق.
تعود جذور كل اضطراباتنا وحالات الحزن لدينا إلى الابتعاد عن وطننا الحقيقي. نحن ككائنات لامتناهية كنا مع الله قبل الولادة وقد جربنا كل الكمالات والجمالات في أعلى المستويات. لذا، من الطبيعي أننا لا نستطيع التأقلم مع الثقافة المحدودة للدنيا، إلّا أنّ الحل ليس في الحزن والقلق وإنّما هو أن نرى أنفسنا كما هي حقًا، أي ككائنات أزلية وأبدية لم يتم خلقها من أجل هذه الدنيا. نحن مسافرون في هذا العالم لفترة صغيرة لکي ننمو ونتطور ونعود منتصرین إلى بيتنا عند معشوقنا الحقيقي، وهو الله. إن قصة الخلق لمثيرة وجذابة حقا!
تحدثنا في هذا المقال عن مبدأ الحياة وعرفنا أننا قد كنا عند الله لآلاف وآلاف السنين وعشنا بجواره قبل أن نأتي إلى هذه الدنيا، وتعلّمنا أن أهمّية الاعتقاد في المبدأ لیست أقلّ من الاعتقاد بالآخرة، أي أنه لا يمكن أن يحدث الاعتقاد في الآخرة دون الاعتقاد في المبدأ حيث أنّ المعاد يعني العودة ولا يوجد معنى للعودة دون وجود مبدأ. يمكن أن يكون الاعتقاد الحقيقي في المبدأ والمعاد علاجًا للكثير من مشاكلنا الفكرية والروحية ويمكنه أن يقودنا إلى السعادة والسكينة.
سنتناول في المقالات القادمة موضوع الآخرة وسنشرح الشروط التي يجب أن نلتزم بها للانتقال نحوها سالمین.
ولكن قبل ذلك، ندعوكم لكتابة ملاحظاتكم حول هذه المقاله. ما هي الأفكار التي كانت لديكم حول العالم قبل الولادة قبل قراءة هذه المقاله؟ هل هناك أسئلة أو ابهامات في ذهنكم لم يتم حلها بعد؟
[1] . سورة ص: الآية 172