تعریف أبعاد الوجود الإنساني؛ هل لدى الإنسان بعدًا آخر غیر البعد الجسدي؟

جدول المحتويات
أبعاد الوجود الإنساني: كم عددها وماذا تتضمن؟

أبعاد الوجود الإنساني: كم عددها وماذا تتضمن؟

نحن البشر على الرغم من الاختلاف في وجهات نظرنا، نشترك في نقطة واحدة وهی أننا جميعًا نبحث عن الكمال، وكل ما نقوم به هو بسبب رغبتنا الواعية أو غير الواعية في تحقيق الكمال. من يسعى إلى الثروة، يعتبر الثروة كمالاً. طالب العلم، يعتبر العلم كمالاً، وطالب اللذة والشهوة، يعتبر اللذة كمالاً. الشخص الذي يعتني بجسده ووجهه يعتبر الجمال هو الكمال، وهكذا. إذن لا يوجد فرق بين الناس في حقيقة طلب الكمال، إنما الاختلاف الرئيسي هو ما هي السعادة الحقيقية والكمال للبشر؟ العلم أم الثروة؟ الجمال أم القوة؟

ما هي المرحلة التي اذا بلغناها نكون قد حققنا الكمال الإنساني؟

هل نصل إلى الكمال إذا أصبحنا أغنى إنسان في العالم؟

أم إذا أصبحنا عالما بارزا؟

إلى أي مدى يمكن أن تصل أحلامنا؟

علاوة على ذلك، إذا كانت هذه هي بالفعل الأشكال النهائية للكمال، فلماذا تستمر رغباتنا وعواطفنا في النمو حتى بعد تحقيقها؟

ومن المحير أن نلاحظ أن العديد من الأفراد الأكثر شهرة وإبهارًا وثراءً في العالم، عند وصولهم إلى ذروة هذه الكمالات، ينحدرون إلى حالة من العدمية، بل ويذهبون إلى حد الانتحار.

لا يمكن الرد على هذه الإستفسارات إلّا بمعرفة أبعاد وجود الإنسان. إذا لم تتم معرفة أبعاد الوجود الإنساني بشكل صحيح و لم يتم فصلها عن بعضها البعض، فمن المستحيل أن نفهم ما هو الكمال الحقيقي للإنسان ومتى يمكننا حقا أن نصل إلى السعادة والسلام.

يوجد لدينا جميعا رغبات واتجاهات مختلفة ونرغب في أن نكون الأفضل في كل شيء، مما يعنى أننا نسعى للكمال في جميع أبعاد وجودنا. ولكن، لا تعتبر جميعها كمالات إنسانية لأنها لا تهدئ قلوبنا ولا تحسّسنا بالصفاء. إننا نشعر بالهدوء و نحصل على السكينة فقط في حال اتصالنا بالكمال المطلق. لذا قبل أي خطوة، يجب أن نخطو أولاً في طريق التعرف على أنفسنا ودراسة أبعاد وجودنا، بالإضافة إلى التعرف على جانب من أبعاد الوجود الذي يقربنا إلى الكمال المطلق.

هناك وجهتا نظر حول أبعاد الوجود الإنساني. الماديون والمدارس التي تعتبر أن العالم بأكمله ماديًا، و أن الإنسان ظاهرة مادية بحتة لیس لديه بُعد سوى جسده. هؤلاء يعزون جميع سلوك الإنسان و أفكاره إلى التفاعلات الكيميائية في الدماغ ويقصرون فهم الإنسان على الإدراك الحسي والتجارب الشخصية. ومع ذلك، كما ذكرنا في علم الإنسان التجريبي، فإن هذا النوع من المنظور يعجز عن معالجة العديد من الإستفسارات حول الإنسان، وهو ما ليس محور اهتمامنا في هذه المناقشة. و بدلا من ذلك، فما نسعى إليه في هذه المقالة والمقالات القادمة هو النظريات المستمدة من علم الإنسان الإسلامي، والتي تعتبر بسبب توافقها مع الفطرة والعقل، المصدر الأكثر موثوقية لفهم أبعاد وجود الإنسان.

التعرف على أبعاد وجود الإنسان ومستوياته

لدينا جميعًا فهم واضح لـ “الذات” ولا نحتاج إلى أي حجة لإثبات وجود ما نسميه “أنا”. على الرغم من تغير شكل وملامح وأعضاء أجسادنا على مر الحياة، إلا أننا لا نزال نفس الشخص الذي كنا في الطفولة. عندما نشير إلى أنفسنا ونقول “أنا”، نشير إلى نفس الهوية التي كنا نشير إليها في طفولتنا. إن الذات لدينا ثابتة من البداية إلى النهاية ولا تؤثر عليها التحولات الجسمية. على سبيل المثال، إذا فقد شخص جزءًا من جسمه بسبب حادث، فلا يشعر هو أو الآخرون أبدًا بأن جزءًا من هويته قد نقص.

تشير هذه الأدلة والعديد من الأدلة الأخرى إلى أن للإنسان بُعدًا غير ماديًا بالإضافة إلى جسده، حيث أن هذا البُعد لا يتأثر بالتغييرات المادية. يدعى هذا البُعد غير المادي، أو “الأنا الحقيقية”، في الثقافة الإسلامية ب “الروح، أو النفس أو القلب”. (يطلق على هذا البعد المجرد للإنسان إسم “الروح” قبل انتمائه إلى الجسد و بعد إنفصاله منه. وعندما ينضم إلى الجسد و يدير شئوناته يطلق عليه اسم “النفس”. كما أنه يدعى ب “القلب” من حيث كونه مصدرًا للتحول و التقلب و العواطف، وهو ما ليس محور اهتمامنا في هذه المناقشة”. في الواقع، كل هذه التعابير الثلاث لها معنى واحد وتشير جميعًا إلى البُعد غير المادي للإنسان، ولكنه يشير كل منها إلى جانب معين من شؤونه.) 

إذن وبشكل عام یمکن القول بأن أبعاد الوجود الإنسان تتمثل في بُعدين:

  • البعد المادي (الجسدي)
  • البعد غیر المادي (الروح، النفس أو القلب)

لو تركت سيارتك لتعمل بمفردها، فهل يمكنها القيام بأي عمل؟ هل يمكنها تشغيل نفسها والحركة؟ لو کان فیها خلل تقني، هل يمكنها أن تصلح نفسها؟ بالتأكيد لا. السيارة هي فقط أداة ولا تمتلك حياة ذاتية.

للجسم حالة مشابهة تجاه الروح. تعتمد حياة الجسم على الروح، وإذا انفصلت عنه الروح فإنه لن يعيش بعد ذلك، مما يحدث في حالة الموت. لذا، فإنّ الجسم أداة لا يمكن أن يكون مصدرًا لأي تأثير من تلقاء نفسه. تعتبر الروح أو النفس، حقيقتنا وما يشكل من اختياراتنا وعلاقاتنا وسلوكنا وأفكارنا. لذلك عندما نقول “أنا” قمت بهذا العمل أو استمتعت بذلك الشيء وما إلى ذلك، فإننا في الواقع نشير إلى نفسنا، ليس إلى أجسادنا. نحن نعادل نفسنا وما نعرفه باسم الجسم أوالجسد هو المستوى من النفس الذي يُعرف بالبُعد الجمادي.

تمتلك النفس أبعادًا ومراتبًا أخرى إلى جانب الجسم. إن أبعاد وجود الإنسان من الأدنى إلى الأعلى هي على التوالي: “الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وماوراء العقلية”، وسنقوم فيما يلي بتقديم مقدمة عن كل منها:

  • البُعد الجمادي: يشكل حوارنا الداخلي مع أنفسنا حجما كبيرًا من حواراتنا اليومية. إننا في معظم الأوقات نتحدث مع أنفسنا. ولكن هل تساءلت يومًا عن المتحدث والمستمع في حواراتنا مع أنفسنا؟ قد نعتقد عادةً ما أن لساننا أو أفكارنا هي التي تتكلم وأن قلبنا هو المستمع، ولكن الحقيقة هي أن المتحدث الأصلي هو القلب أو النفس. حتى عندما نتحدث مع الآخرين، فإن لساننا ليس من يتحدث بل إنها النفس. إنّ اللسان بحد ذاته هو عنصر غير حيوي ولا يمتلك القدرة على التكلم. تنشأ أفكارنا من نفوسنا وليس من عقولنا. بشكل عام، إن الرؤية والاستماع والتحدث وما إلى ذلك هي في الأصل عمل النفس، بينما تعمل أعضاء الجسم كأدوات و آلات للنفس.

الجسم هو أدنى مرتبة من مراتب النفس. لا يوجد فرق بين الجسد الذي نملكه وبين بقية الجمادات مثل الكرسي الذي نجلس عليه والهاتف المحمول الذي بيدنا. نحن نُعتبر “جمادًا” بسبب امتلاكنا للجسد، إذ أن جسمنا تماما مثل الجمادات الأخرى له كمية و وزن و لون و رائحة و خصائص عنصرية.

  • البُعد النباتي: هو أحد أبعاد وجود الإنسان، فالنباتات بالإضافة إلى الکمالات المميزة للجمادات مثل الوزن واللون والرائحة، تتمتع أيضاً بالنعومة والجمال، وتنمو وتتغذى وتتكاثر، وقادرة على تحويل اطرافها الضعيفة إلى اطراف قوية ومتينة من خلال النمو والتغذية. للإنسان جميع هذه القدرات أيضا، وذلك، فإن بُعدنا النباتي يجعلنا متساوين مع النباتات، و بسبب امتلاكنا لهذه الخصائص يُطلق علينا اسم “النبات”، و ليس “الإنسان”.
  • البُعد الحیواني: تمتلك الحيوانات، بالإضافة إلى الكمالات الجمادية والنباتية، قدرات أكثر تقدما، كالشهوة والغضب، والزواج والتزامها تجاه عائلتها. كما أنها تشعر بالمسؤولية وتسعى للاجتهاد والعمل من أجل استمرار الحياة، و لديها حياة اجتماعية وقادرة على التقدم من مرتبة عضو بسيط في مجموعة إلى قائدها. بالإضافة إلى أن لديها صفات إيجابية مثل الوفاء والحياء والاعتدال واللطف، وتخدم الأفراد من أقرانها و غير اقرانها. جميع هذه الخصائص موجودة في الإنسان أيضًا. إلا أن بعض هذه الخصائص مثل الشهوة والغضب قد تكون متقدمة ومعقدة في الإنسان، ولكن هذا التقدم لا يرفعه إلى مستوى أعلى من الحيوانية. لذلك، یعتبر البُعد الحيواني أحد أبعاد وجود الإنسان ویجعله على مستوى متساوٍ مع الحيوانات ولا یعطيه تفوقًا خاصًا عليها.
  • البُعد العقلي: يعتقد بعض الناس أن العقل هو منحة تُمنح للإنسان فقط بين جميع المخلوقات. ولكن، للملائكة عقول أيضا، بل إنهم خُلقوا من العقل الخالص. إذن من ناحية العقل نحن متساوون مع الملائكة ولسنا بإنسان، فالعقل ليس سبب تفوق الإنسان على باقي المخلوقات. ما يجعلنا نتفوق على باقي المخلوقات هو وجود ماوراء العقل.
  • البُعد ما وراء العقل: يرتبط جوهر إنسانيتنا ببُعدنا ماوراء العقلي الذي يشكل جزءنا الإنساني ونفسنا الحقيقية. من خلال وجود ماوراء العقل، تتكون لدينا قابلية التربية اللامتناهية ويمكننا تحقيق مستويات الكمال إلى ما لا نهاية، بينما تظل مستويات باقي المخلوقات محددة ولا تتجاوز حدها. إن كل بعد من أبعاد وجودنا الإنساني هو مجرد مقدمة لازدهار هذا البعد المتسامي و يجب عليها الخضوع لخدمة هذا البعد. في الواقع، يجب أن يكون الاستثمار الرئيسي في حياتنا هو السعي إلى كمال ماوراء العقل بدلا من التركيز على الكمالات الجمادية أو النباتية.

 

في المقالات القادمة، سنتحدث عن كل بُعد من أبعاد وجود الإنسان وعلاقتها بالكمال الإنساني بشكل منفصل. ولفهم هذه المفاهيم بشكل أفضل ندعوكم لمتابعة المقالات القادمة بإنتظام و مشاركة آرائكم معنا حول كل مقالة.

اكتب رأيك