ما هي أنواع جهنم ولماذا يفيدنا الاطلاع على مراتبها المختلفة؟

جدول المحتويات
ما هي أنواع جهنم ولماذا يفيدنا الاطلاع على مراتبها المختلفة؟

على أي أساس يتم تقسيم أنواع جهنم وكيف ينعكس ذلك على حياتنا؟

من الطبيعي أنّ من سمع بالجنّة لا بدّ أن يكون قد سمع باسم جهنّم أيضًا. لكن، على خلاف ما شاع عن مراتب النار وطبقاتها، لا يعرف الكثيرون عن أنواع جهنّم شيئًا دقيقًا. والحقيقة أنّ من أهمّ ما يؤثّر في سيرنا السليم نحو الآخرة، ويحدّد صحّة ميلادنا هناك وجودة حياتنا الأبديّة، هو مدى معرفتنا بالذنوب المختلفة، وبالأمراض والآفات التي تهدّد أرواحنا وتُعرّضها للهلاك في مراتب شتّى.

من المسلّم به أن الجزاء في الآخرة يتناسب طرداً مع جسامة الأعمال المرتكبة. فمن الطبيعي أن تكون دركات العذاب في الجحيم متفاوتةً؛ إذ لا يستوي عقاب من تسبب في أذى فرد واحد مع جزاء من ارتكب جريمة القتل، كما لا يتساوى جزاء من استولى على مال شخص واحد ظلماً مع جزاء من سلب حقوق مئات الأفراد. فهؤلاء جميعاً يلقون جزاءهم بحسب عدد خطاياهم وشدتها؛ لكن، في واقع الأمر، هناك تصنيف أوسع للجزاء لا يقتصر على الكمّ والشدة الظاهرة للأعمال، بل يتعلق بنوع الخطيئة ومدى تغلغلها وتأثيرها في النفس الإنسانية. وهذا التمايز يستتبع أنواعاً مختلفة من العقاب. وهذا الأمر ليس غريباً علينا في الحياة الدنيا أيضاً؛ فنحن نفرّق في أحكامنا بين من ارتكب فعلاً عن سهو وخطأ، ومن أقدم عليه عمداً وعن سابق إصرار وتخطيط. فالنية والوعي بالذنب، ودرجة الفساد التي أصابت النفس، لها دورٌ جوهري في تحديد نوع العقاب الأخروي، بما يتجاوز مجرد حساب الأفعال المادية.

 يُعدّ من المنطقي أن يتناسب مستوى العقاب الأخروي وأنواع الجحيم مع درجة تورط الإنسان في الخطايا. فالعمل الذي يُرتكب لمرة واحدة أو مرتين يختلف جوهرياً عن الخطيئة التي تتحول إلى خُلُقٍ راسخ، كما أن كلاهما يتباين عن الانحراف الذي ينبع من فساد العقيدة. بناءً على هذا المبدأ، يتشكل العذاب الأخروي تبعاً لمستوى تأثير الذنب وتغلغله في كيان الإنسان.

تهدف هذه الدراسة إلى استقصاء أنواع جهنم من حيث طبيعة الذنوب التي تؤدي إليها. وبناءً على هذا التصنيف، يمكن تقسيم مراتب العذاب إلى ثلاثة أنواع رئيسية: جهنم الأعمال، وجهنم الأخلاق، وجهنم العقائد، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الأقسام اللاحقة.

جهنّم الأعمال

أكثر صورة تتبادر إلى أذهان الناس عن النار هي جهنّم الأعمال. فهي المصير الطبيعي لمن قصّر في الفرائض، أو تهاون في الصلاة والصيام، أو ارتكب سرقة، أو تجاوز حدود علاقات مشروعة. وهذه الذنوب ــ وإن كانت عظيمة وموجبة للعقاب ــ فإنها تمثّل أدنى مراتب النار، وعذابها أخفّ وأقصر من غيرها.

فهي كالمخالفة المروريّة: تُلزمك بغرامة تدفعها، لكنّها لا تؤدّي إلى سحب رخصتك أو حجز سيارتك. أو كالذي يكسر عظمًا: يحتاج إلى علاج وتحمل ألم أيّام أو أسابيع، لكنّه في النهاية يشفى ويعود إلى الحياة.

وهكذا، فعذاب جهنّم الأعمال مؤقّت، لكنّه يبقى مؤلمًا، ولا يمكن إنكاره. فهو ثمرة التفريط في الواجبات وارتكاب المحرّمات، ويُثقل كاهل الإنسان بما يتناسب مع خلود الآخرة وعظمتها.

إهمال جهنم الأخلاق

يُشكل جزءٌ كبيرٌ من غفلة الإنسان، تجاوزه ببساطة عن أفعالٍ قد تبدو يسيرة، لكنها في حقيقة الأمر تُشيّد له أنواعاً من الجحيم في حياته ومصيره. إنَّ هذا التجاهل نابعٌ من أن هذه الأفعال، بسبب تكرارها، قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من شخصية الفرد وصفاته، فيرى فيها ما هو طبيعي، وبالتالي يغيب عنه إدراك حجم العذاب الذي تُنتجه. إنَّ هناك فرقاً جوهرياً بين الفعل السيء العابر الذي يُمارس لمراتٍ محدودة، وبين الخُلق القبيح الذي يتأصل في الوجود ويتجذّر في النفس ليصبح جزءاً من طباع الإنسان.

قد يغضب الشخص العادي في ظروف معينة ويدفع ثمن ذلك، لكن الشخص سيئ الخلق يخلق جهنم مستمرة لنفسه. فبمجرد توفر الظروف، يظهر هذا السلوك، تمامًا كما يتصرف الشخص الكريم دون تفكير. هذه الصفة المتجذرة تخلق جهنم أشد وأطول أمدًا، مثل مرض سرطان يتطلب علاجًا ورعاية مستمرين.

على غرار قدرة الرحم الأمومي الهائلة على بناء الجنين وإكمال نقائصه، فإن الحياة الدنيا، التي هي بمثابة رحمٍ للروح، تمتلك قدرةً تحويليةً فريدةً لا مثيل لها في الآخرة. ولذلك، لا يوجد مكانٌ أفضل من هذا العالم لتصحيح الأخلاق الذميمة التي استحالت جزءًا من كياننا. ففي حال الإصرار على المعاصي وعدم التوبة، قد يستغرق تطهير هذه الخصال قروناً عديدة بمقاييس الآخرة، وهو ما يمكن إنجازه في رحم الدنيا بجهدٍ ووقتٍ أقل بكثير. إنها فرصةٌ ثمينةٌ للتطهر والتهيئة للحياة الأبدية قبل فوات الأوان.

على الرغم من أن الله، بفضله ورحمته، يوفر لنا فرصا للتكفير عن ذنوبنا في الدنيا قبل الآخرة، إلا أن الاستفادة من هذه الفرص تعتمد على قدرة كل فرد وجهود يبذلها لعلاج أمراضه.

جهنم العقائد: أصعب أنواع جهنم

لا تقتصر أنواع جهنم على الأعمال والأخلاق فحسب؛ بل ثمّة جحيم أخطر بكثير، وهو ذلك الذي ينشأ عن أفكار ومعتقدات وتصوّرات باطلة. فهذا الجحيم يورث الإنسان ميلادًا ناقصًا لحياة الآخرة الأبدية، ويقوده إلى مصيرٍ لا مهرب منه ولا سبيل للنجاة فيه. ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى أن نتعلّم كيف نفكّر تفكيرًا صحيحًا في ما يتعلّق بالله تعالى، والدين، وأولياء الله، وسائر الحقائق الكبرى؛ وأن نميّز بوضوح بين دائرة التفكير السليم، وبين دوائر التفكير المنحرف والمُلوَّث بالذنوب. ذلك أنّ الجحيم الناتج عن العقائد الفاسدة ـ كالكفر، والشرك، والنفاق ـ هو أشدّ أنواع الجحيم وأقساها؛ فالكافرون والمشركون والمنافقون يُقذفون في جحيمٍ لا يُتاح لأهل الفطرة السليمة أن يطأوه، ويغدون مجبرين على تحمّل عذابٍ سرمديٍّ مرير، ناتجٍ عن فقدانهم الحدّ الأدنى من المؤهّلات التي تتيح للإنسان الانسجام مع قوانين الآخرة.

وعليه، فإنّ وعيَنا بمختلف أنواع الذنوب، ومعرفتنا بما يقابله من مراتب الجحيم، وكيفية تعاملنا مع كلّ صنفٍ من هذه الذنوب في حياتنا، هو الذي يصوغ ملامح وجودنا الأبدي ويحدّد مستوى سعادتنا أو شقائنا في الدار الآخرة.

اكتب رأيك