ضرورة وأهمية الاعتبار بالدنيا؛ كيف يمكننا أن نستلهم العبر من كل حدث؟

جدول المحتويات
ضرورة وأهمية "الاعتبار بالدنيا"؛ كيف يمكننا أن نستلهم العبر من كل حدث؟

تأملات في مفهوم الاعتبار بالدنيا وأحداثها

•  ماذا يعني الاعتبار من الدنيا؟

•  ما الفرق بين الاعتبار والتعلّم من التجارب؟

•  هل تحمل جميع أحداث الدنيا رسائل لنا؟

•  كيف يمكننا استخلاص العبر من الأحداث التي تمر بالآخرين؟

•  هل ما زال هناك مجال للاعتبار من التاريخ والتجارب السابقة في عالمنا المعاصر؟

•  ما هي العوامل التي تدفع بعض الناس للاعتبار من الأحداث بينما يظل آخرون غافلين؟

•  هل يكفي مجرد استعراض أحداث الماضي للوصول إلى الاعتبار، أم يجب الانتباه إلى الجوانب الروحية والفلسفية لهذا المفهوم؟

لطالما قيل لنا: خذوا العبرة مما يحيط بكم؛ فحياة الإنسان، في كل زمان ومكان، زاخرة بالدروس التي توقظ القلب، وتكشف الغطاء، وتفضح حقيقة الدنيا. كل مشهد نراه، إن أمعنّا فيه النظر، يحمل لنا رسالة؛ من أنفاسنا المترددة، إلى رمشات أعيننا، إلى ورقة شجرة كانت بالأمس خضراء نضرة، وأضحت اليوم صفراء هامدة. ومع كل هذا، يمرّ أكثر الناس بجانب هذه الوقائع المعبّرة دون اكتراث، فيظنون أن الفشل، والانهيار، وزوال القوة، من نصيب غيرهم فقط، وأنهم باقون في عنفوان الشباب، وتمام الصحة، وقمة النفوذ، وأن الدنيا ستظل تبتسم لهم ما داموا أحياء. لكنّ سجلّ التاريخ زاخرٌ بأسماء أناس وجماعات اعتلوا القمم، فاغترّوا بنصرهم، حتى أسقطهم غرورهم من عليائهم إلى ذلّ الهزيمة.

بصورة عامة، ينقسم الناس في مواجهتهم للحوادث إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: السطحيون: فئة تنظر إلى الحوادث بنظرة سطحية، لا تهتم بجذورها، ولا تسعى إلى فهم عواقبها.

الفئة الثانية: المدركون الغافلون: هم أولئك الذين يدركون منشأ الأحداث وتداعياتها وآثارها، إلا أنهم لا يستلهمون العبر منها. قد يمتلكون الوعي والمعرفة، لكن ذلك لا يترجم إلى تغيير في سلوكهم أو قراراتهم.

الفئة الثالثة: أصحاب العبرة: تتميز هذه الفئة بالوعي العميق لأسباب الأحداث، والقدرة على تحليل تداعياتها، وفي نهاية المطاف، استخلاص الدروس والعبر منها. إنهم يستفيدون من التجارب الماضية لبناء مستقبل أفضل.

مما لا شك فيه، كلما ازددنا قدرة على استخلاص العبر من الدنيا وأحداثها الماضية، قلت زلاتنا وأخطاؤنا.

إلى أي من هذه الفئات تنتمي أنت؟ في هذا الدرس، نهدف إلى التوسع في مفهوم العبرة من الدنيا وأحداثها،  لنفهم كيف يمكن استخلاص العبرة من كل حادثة تمر بنا.

الدنيا دار الحوادث

نظرة عامة إلى الدنيا وخصائصها وسننها الكونية تكشف لنا بوضوح أنها دار الحوادث والتغيّرات. فنحن جميعًا، على امتداد أعمارنا، معرّضون لأنواع شتى من التحولات والتقلبات؛ النعم والقوى تأتي وتمضي بسرعة، وتُسلَّم من يدٍ إلى أخرى. لا الأشخاص باقون على حال، ولا الأحوال والظروف التي تحكم الدنيا تعرف الثبات. فما إن يأنس الإنسان بشيء، حتى يُنتزع منه، وما إن يتعلق بأحد، حتى يذوق ألم فقده.

خذ على سبيل المثال نعمة الجمال أو الصحة؛ فقد تُسلب في لحظة بفعل تلوّث الهواء، أو مرضٍ مفاجئ، أو حادث لا يُتوقَّع. فكم من إنسان رأيناه في عزّ العزّ، وإذا بحادثة تهوي به إلى ذلّ الحاجة. والعكس صحيح، وكم من ثريّ خسر كل ما يملك بسبب خطأ واحد، فصار فقيرًا، وقد يحدث أن يُفتح باب الرزق فجأة على من لم يكن يملكه.

هذه الحوادث التي تدعو إلى أخذ العِبرة، لا تقتصر على صفحات التاريخ الإنساني، بل تشمل نظام الخلق بأسره. تأمّل أوراق الأشجار في الربيع، وهي نضرة، خضراء، معلّقة بقوة على الأغصان، ثم انظر إليها في الخريف، كيف تُنتزع بأقل نسيم، فتتساقط وتتبعثر في كل اتجاه.

ضرورة استلهام العبر من الدنيا وأحداثها

ذكرنا أن الدنيا دار الحوادث، فنحن جميعًا نولد في قلب أحداث وتغيرات لا تنتهي، لكن الأهم من ذلك هو قدرتنا على استخلاص العبر من صميم هذه الوقائع لنوجّه مسارنا نحو الأبدية ونسعى إلى ولادة سليمة. ينبغي أن نؤمن بأن وراء كل ولادة أجلٌ مكتوب؛ فلا أحد باقٍ في هذه الدنيا، لأننا لم نُخلق لها، بل للدار الآخرة التي هي مستقرّنا الحقيقي.

مهما فعلنا في هذه الدنيا، ومهما بلغنا من جاهٍ أو منصب، فإن مآلنا في النهاية هو العودة إلى موضعنا الأصلي. أين أولئك الجبابرة الذين تربعوا يومًا على عروش الحكم والعزّة، وأمروا فطُاعوا؟ كم من هؤلاء قد مات، وطواهم النسيان، حتى لم يبقَ من اسمهم أثر؟ إن الموت، فَقْد الأحبّة والأصدقاء والأهل، كلّها دلائل على أنه لم يُخلق أحد ليبقى في هذه الدنيا؛ فالأجل آتٍ لا محالة، عاجلاً أو آجلاً. وقصور الملوك المهدّمة، ومقابرهم الصامتة، وثرواتهم التي آلت إلى ورثة لا يستحقّونها، كلّها مشاهد تحمل لنا العِبرة.

رغم كثرة الوسائل والأساليب التي يمكن أن نستخلص منها العِبرة من الدنيا، إلا أن القليل من الناس فقط هم الذين يتّعظون؛ فأغلبهم لا يملكون بصيرة تُبصر حقائق الأمور، ويظلون أسرى شهواتهم وغفلتهم!

كم من طغاة وعتاة أرادوا أن يُخضعوا الدنيا لأهوائهم، فإذا بهم يرحلون عنها، بلا اسم ولا أثر! الأنبياء، والأئمة، وسائر من سبقونا، كلهم مضوا.. أفلا يجدر بنا أن نتأمّل في رحيلهم ونبني نمط حياتنا على أساس ما سنُسأل عنه في الآخرة؟[1]

الجدير بالذكر في أمر الدنيا أن طبيعتها قائمة على التغير والتحول؛ ومن خلال هذه التقلبات، ووقوعنا في شتّى ظروف الصعود والهبوط، نُختبر، ونقترب شيئًا فشيئًا من الغاية التي خُلقنا من أجلها. إن جميع تغيّرات الدنيا، شدائدها وراحتها، اللقاء والفراق، السقوط والصعود، كلها مشاهد تغذّي فينا ملكة التأمل، وتمنحنا مادة لأخذ العِبرة. بلا شك، من يمتلك عيناً بصيرة، يستطيع أن يلتقط الرسائل من بين الظواهر.

في هذا الدرس، تناولنا موضوع أخذ العبرة من الدنيا وأحداثها. أكدنا أن الدنيا دار تحول مستمر؛ ولهذا، يجب أن نستخلص الدروس من هذه الأحداث، لنرسم مسارًا يقودنا إلى الأبدية، ومسلكًا يتّسق مع ولادة روحية نقية، تليق بالجنة ونعيمها.


[1] . «…وَ اسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْه‏…؛» (الصحیفة السجادیة، دعای20، ص92)

اكتب رأيك