ما هو دور الفطرة في تحديد أولويات أنواع الحب؟
ماذا نحب في حياتنا؟ وأيهما أعز علينا؟ هل نقوم بترتيب انواع الحب و ومحبوباتنا حسب أولوياتنا؟ كيف نعرف إذا كانت أولوياتنا صحيحة أم لا؟ وهل لعبت فطرتنا دورا في تحديد هذه الأولويات؟
إننا نتعامل مع مختلف أنواع الحب في حياتنا مثل حب الوالدين، وحب الزوج، وحب الأبناء، وحب الثروة، وحب الجمال، وحب الفن، وحب العلم، وحب السلطة أو حب الرياضة. يعد تحديد أولويات أنواع الحب والمحبوبات أحد أهم التحديات في حياتنا جميعًا.
في مراحل معينة من الحياة، يصبح من الضروري أن نتخلى عن ما نحبه. خلال هذه اللحظات تتجلى أهمية تحديد الأولويات وتحديد نظام الحب. إذا لم تتماشى أولوياتنا وأنواع حبنا وعلاقاتنا بشكل متناغم، فسوف نخاطر بإيواء الشكوك والتردد عند اتخاذ خياراتنا و قراراتنا مما قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة. تكثر الأمثلة التي ارتُكبت فيها أخطاء في اختيار الرفيق، أو مجال الدراسة، أو المهنة، أو شريك الحياة، أو مكان الإقامة، أو جوانب اخرى تتخلل حياتنا وحياة الآخرين.
والمحزن في القصة أن هذه الأخطاء قد تتكرر أحيانا في الاختيارات المقبلة!
ينبع كل هذه الأخطاء من عدم ترتيب أولوياتنا بصورة صحيحة وفقا لحقيقتنا وفطرتنا الإنسانية. عندما لا يتوافق نظام الحب لدينا مع أنا الحقيقية وفطرتنا، فهذا يعني أننا لم نتصرف بشكل طبيعي، ولهذا السبب ليس بإمكاننا تحقيق النتيجة المرجوة والرضا الداخلي. وبلا شك فإن أي شيء غير طبيعي لن يعمل بشكل صحيح وعلى النحو الأمثل، تماما كالجسم غير الطبيعي الذي تغيرت فيه أماكن اليدين والقدمين.
ولكن كيف يمكننا ترتيب محبوباتنا والأمور التي نعشقها حسب الأولوية ووفقًا لفطرتنا؟ ما هي آثار تنظيم نظام الحب في حياتنا؟
لماذا يجب أن يتم ترتيب أولويات أنواع الحب حسب الفطرة؟
من المؤكد أنه لكي نقوم بترتيب محبوباتنا حسب الأولوية بشكل صحيح، يجب علينا أولاً أن نعرف جوانب وجودنا و أنواع الحب الموجودة. كما تعلمنا في المقالات السابقة فإن أنواع الحب هي تلك التي تتعلق بأنواع الكمالات في جوانب الوجود الخمسة، أي الجوانب الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية وفوق العقلية. الكمالات الجمادية تشمل السيارات والبيوت والمجوهرات؛ الكمالات النباتية تحتوي التغذية والقوة البدنية والجمال والتكاثر؛ الكمالات الحيوانية تضم الزواج والجاه والشهرة، والكمالات الفكرية هي تحصيل العلم و الدراسة. نشترك في هذه الجوانب مع كائنات أخرى، أي مع الكائنات غير المادية والنباتات والحيوانات والملائكة. الجانب ماوراء العقلي أي الجانب الإنساني هو الوحيد الذي يضم فطرتنا و ذاتنا الحقيقية و يميزنا عن الكائنات الأخرى. في الواقع فإن هذا الجانب هو ما يجعل الإنسان إنسانًا، و بسببه نحن نعشق الكمال المطلق واللامتناهي. لذلك فإن محبوبنا الأساسي أو محبوب فطرتنا لا أحد سوى الله. ولهذا السبب فمن الطبيعي جدًا أن الترتيب الصحيح لجميع أنواع الحب حسب الأولوية يجب أن يتم على أساس الفطرة والوصول إلى الله.
لفهم الموضوع بشكل أفضل، لا بد من مراجعة ما ناقشناه سابقا عن الجانب ماوراء العقلي ومحبوبه.
الجانب ماوراء العقلي أو الفطرة هو الروح التي نفخها الله فينا، وبسبب وجوده اصبحنا نعشق الكمال المطلق واللامتناهي، أي الله، ولا نجد الراحة إلا بالوصول إليه. إننا من خلال حبنا لله وما ينتج عنه من شعور باللانهاية، نحب الكمالات اللامحدودة، مثل المعرفة اللامحدودة، أو الجمال اللامحدود، أو اللذة اللامحدودة، أو القوة اللامحدودة، والكمالات الدنيوية المحدودة، ولكنها جميعا لا تُرضي وجودنا الداخلي المضطرب أبدا. وحده المحبوب الرئيسي، أي الكمال المطلق واللامتناهي – الله، يمكنه أن يُرضي إحساسنا باللانهاية.
يمكننا الآن أن نفهم لماذا يجب أن يرتكز نظام المحبة وتحديد أولويات المحبوبات على فطرتنا، لأنه بهذه الطريقة فقط سنصل إلى محبوبنا الرئيسي والحقيقي، ونحقق السعادة والسلام نتيجة عن هذا الارتباط والحب. هذا التصرف هو في الواقع الوحيد الذي يمكن أن يصدر عن الإنسان الحقيقي والمنطقي.
ما هو الحب الذي يجب أن يكون له الأولوية؟

ذكرنا أنه في ترتيب سليم للأولويات في نظام المحبة الطبيعي، يتم ترتيب أنواع الحب لدينا بناءً على فطرتنا ومحبوب الجانب الإنساني من وجودنا، وهو الله، وهي الفطرة التي تحكم الجوانب السفلية من وجودنا. في هذا النظام من المحبة، و وفقا للقاعدة التي يذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم،[1] ينبغي أن يكون الله وأهل البيت(عليهم السلام) والجهاد في سبيل الله أحب إلينا من سائر محبوباتنا. إذا كان نظام محبتنا مختلفًا عن ذلك، فقد انحرفنا و تصرفنا ضد فطرتنا الإنسانية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن حب أهل البيت(عليهم السلام) والجهاد يتوافقان مع محبة الله والوصول إليه، لأنه لا يمكن لنا التشبّه بالله والوصول إليه دون حب أهل البيت(عليهم السلام) والاقتداء بهم، كما أن حب الجهاد يعني أيضاً التشبه بالله ومحاربة كل ما يمنعنا من التشبه به والوصول إليه.
لذلك، يجب أن نكون حذرين من أننا لا نستطيع تحقيق الحقيقة الإنسانية لوجودنا بمجرد محبة الله، بل ينبغي لمحبة الله أن تكون لها الأولوية على كل أنواع الحب الأخرى في حياتنا.
ينبغي أن نسأل أنفسنا دائمًا و قبل كل قرار و علاقة و اختيار و تفكير و سلوك، هل الله هو أساس ذلك؟ هل يقوم على أساس رضا الله، أم أن الكمالات الاخرى التي نحبها هم الأساس في شؤون حياتنا؟ إن وجود جميع المحبوبات وأنواع الحب لدى الإنسان، لا يعني إهمال أيٍّ منها، بل إنها تشكل لنا مصدراً للبهجة والتمتع في هذه الحياة الدنيا. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون تحت حاكمية فطرتنا الإنسانية، وتكون وسيلة لنمونا وتقدمنا نحو المحبوب الحقيقي والغاية الحقيقية لوجودنا. على سبيل المثال، حب الوالدين أو شريك الحياة أو الأبناء أو الوطن أو الجمال أو الفن أو العلم أمر جيد جدًا وواجب، بشرط ألا يعيقنا عن الوصول إلى الله فحسب، بل و يعيننا أيضًا على هذا الطريق.
والآن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هي علامات نظام الحب وأعراضها الصحيحة؟
علامات وآثار الترتيب الصحيح لأنواع الحب
كما ذكرنا، يتوجب علينا في سياق وجودنا كإنسان، أن ندع الفطرة تسود على الطبيعة، و نسمح لسائر محبوباتنا بأن تكون بمثابة قناة للتواصل مع المحبوب الحقيقي أي الله. ولهذا السبب من أبرز علامات نظام الحب هذا، أن نتطور وننمو يومًا بعد يوم، ونقترب أكثر فأكثر من الله. على سبيل المثال، من الضروري أن نبذل جهداً مستمراً لنكتسب المزيد من اللطف والصبر والتسامح، ونجدد سعادتنا يوماً بعد يوم. فكما أنّ الزهرة في الوعاء، إذا استمرت في تساقط أوراقها دون أن تنمو أوراقًا جديدة، فإن ذلك يدل على وجود مشكلة ما، لأن هذا النمط غير طبيعي تماماً.
من العلامات الأخرى لسيطرة الفطرة على الطبيعة في حياة الإنسان هي أننا نتخلى بسهولة عن أي شيء يمنعنا من الوصول إلى المحبوب، كترك أي عمل يبعدنا عن الله. أليس من المفترض من المحب أن يتحمل الكثير من أجل محبوبه؟ النقطة المهمة هنا هي أنه عندما نتخلى عن أي شيء في سبيل محبة الله، فإننا لن نتضرر فحسب بل و سوف ننمو ونقترب من الكمال المطلق واللامتناهي والسعادة الأبدية.
بشكل عام، إذا كان ترتيب أنواع الحب لدينا صحيحاً كما يفترض أن يكون للإنسان بالمعنى الحقيقي، فإن الفطرة سوف تكون صاحبة القرار دائما في حياتنا، كما أن جميع اختياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وسلوكياتنا سوف تكون على أساس يُرضي حبيبنا الله ووسيلة للوصول إليه و التشبّه به اكثر يوما بعد يوم.
شرحنا في هذا المقال أن الجانب الإنساني أو ماوراء العقلي من وجودنا هو ذاتنا الحقيقية أو الفطرة التي لا يكون محبوبها سوى الكمال المطلق أو اللا متناهي. ينبغي لنا تشكيل نظام الحب لدينا بحكمة، بحيث يكون الله وأهل البيت(عليهم السلام) والجهاد في سبيل الله فوق أي محبوب آخر. من خلال الاستسلام لهذا المبدأ السامي والسماح للفطرة الإلهية بالسيطرة على الجوانب الأدنى من وجودنا، نتقرب ببطء وتدريجيًّا إلى معرفة المحبوب الحقيقي، ونصبح شبيهين به يومًا بعد يوم. ومن ثم، فإن قيمة إنسانيتنا الحقيقية يمكن أن تُقاس من خلال مدى سيادة الجانب الإنساني أو الفطرة على جوانب وجودنا الدنيوية أو الطبيعة.
نحن في انتظار تعليقاتكم القيمة حول دور الفطرة في نظام الحب وتحديد أولويات أنواع الحب.
[1] (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.) التوبة ٢٤