تصنیف الكون علی أساس میزات الکائنات الذاتیة أو الکمالات المختلفة
یقال فی تعریف الکمال أو المیزة الذاتیة أنه توجد مواهب محتملة في جمیع الکائنات مما تسبب أفضلیة الکائنات أو ضعفها على بعضها البعض. کما ذكرنا مسبقا فإنّ الکمال أو المیزة الذاتیة تختلف عن الفضیلة خلافاً للرأي السائد. و بما أن نوع الكمال يختلف في الموجودات حسب مكانتها في العالم، إذن يمكن أن تكون الميزة الذاتية في الكائنات الحية معيارا لتصنيفها.
بناء على هذا الأساس يمكن تصنيف الکائنات إلی خمسة فئات من أدنى رتبة إلى أعلى رتبة من حيث الكمالات: الجمادات والنباتات والحيوانات والملائکة والإنسان. فالجمادات هي في المرتبة الدنيا، والإنسان هو في قمة التسلسل إذ أنه يتمتع بأعلى مراتب الكمال. في حين أنّ الحياة في عالم متنوع كهذا لها ميزاتها ولذاتها الخاصة إلا أن هذا التنوع قد يؤدّي إلى الحيرة والغفلة. إننا نواجه کائنات مختلفة ونتعامل معها لیلاً ونهاراً ولكننا نادرا ما نهتم وننتبه إلى ميزاتها الذاتية، وعلاقتها ببعضها البعض، ومرتبتها في العالم، وعلاقتها بنا.
میزات الجمادات الذاتیة
نحن نتعامل في حياتنا مع جمادات وأشياء محيطة بنا من جميع الجهات سواء كانت أحجاراً نسير عليها أو أدوات ومعدات نستخدمها يوميا أو المنزل الذي نعيش فيه، فإنّها جميعاً مصنوعة من المادة. وإذا نظرنا بعناية إلی هذه الأشياء، سندرك أنّ لکل منها میزات مشترکة تسمى “الکمالات الذاتیة للکائنات الجامدة“. وتشمل هذه الکمالات الوزن والحجم واللون والرائحة والخواص العنصریة. من اللافت للنظر أننا إذا أولينا المزيد من الاهتمام، سندرك أنّ هذه الميزات موجودة في أجسامنا المادية أيضا. بالتالي، نستطيع الادعاء أن الجانب المادي من وجود الإنسان يحتوي على کمالات جمادیة تتوفر في بقية الكائنات الجمادية.
الميزة الذاتیة للکائنات النباتیة
في هذا التصنيف تحتل النباتات الطبقة الثانیة، إذ أن لها میزات ذاتیة أکثر تطورا من الجمادات، حيث أنها تمتلك المیزات الجمادية کالوزن واللون والرائحة، بالإضافة إلى الکمالات النباتية مثل اللطافة والجمال والنمو والتغذية والتکاثر والإحساس والقدرة على تحصين أجزائها الضعيفة من خلال النمو والتغذية. تُصنَّف كل هذه الميزات في فئة الكمالات النباتية، وكلّما انشغل الإنسان بهذا النوع من الكمالات، مثلاً عند محاولته أن یصبح أجمل أو يفوز ببطولة العالم في ریاضة معینة، فإنّه لا يحصل إلّا علی إحدی الکمالات النباتیة. لذا فإنّ الجمال وامتلاك المسکن الجمیل والجسم الرشیق والقدرة علی الإنجاب وظواهر أخرى کلها تعدّ جزءا من کمالاتنا النباتیة.
المیزة الذاتیة للکائنات الحیوانیة
عند النظر الى عالم الحیوانات يتبين أنها تمتلك المیزات الجمادیة والنباتیة إلى جانب میزات أخری لاتحملها الجمادات والنباتات، منها: الغریزة وأنواع الشهوات والزواج والتعهد وقبول المسؤولیة والسعي لرفاهیة العائلة والترفیه واختیار المسکن وخدمة الغیر. ومن میزاتها الأخرى الغضب الذي تحمي به عائلتها ونفسها، و العيش ضمن حیاة اجتماعیة واكتساب مراتب اجتماعية حیث یمکنها الوصول من الرتب السفلی إلی أعلی رتبة حتى سمة قیادة المجموعة. بل ویمکن أن نضیف إلی تلك المیزات الوفاء والأمانة والحياء والنجابة والعطف. بعبارة أخرى، كل ميزة وكمال نمتلكه، إذا لوحظ في الحيوانات فإنه يخرج من نطاق الكمالات الانسانية و يُعتبر من فئة الكمالات الحيوانية.
العقل میزة ذاتیة للکائنات غیرالمادیة أو الملائکة
المرتبة التالية من الكمالات هي الكمالات العقلية، والتي تتعلق بمجال العقل والعلم والمعرفة ولا يمتلكها سوى الإنسان والملائكة، وبعبارة أخرى، فإن جهودنا العلمية وقدرتنا على التفكير والتحليل كل منها جزء من كمالاتنا العقلية.
وأما العقل والذي يعتبر سمة ذاتية للكائنات المجردة غير المادية أو الملائكة، ونطلق عليه باختصار “الكمال العقلي”، فيتمتع بحيادية ذاتية، ووفقا للجزء الذي يخدمه من الوجود الإنساني، فإنه قد يلعب دورا سلبيا أو إيجابيا في سعادته أو تعاسته. ومن البديهي أيضًا أن عدد المهتمين بالحصول إلى الكمالات العقلية ليس بكثير.
المیزة الذاتیة للإنسان أو الکمالات الإنسانیة
لقد ذکرنا کل ما سبق، لکي يصل الأمر بنا إلی “الإنسان“. إن شرح الأبعاد الوجودية للإنسان هام جداً و يتطلب مقالة أخرى. مع ذلك، دعونا نسلط الضوء بإيجاز على فكرة أنّ الکائنات متطورة و متكاملة أكثر شيئا فشيئا حسب رتبتها في التسلسل الذي ذكرناه. فنرى أن النباتات تمتلك کمالات جمادیة ونباتیة، والحیوانات تحمل الکمالات الجمادیة والنباتیة والحیوانیة، والإنسانُ فهو جماد ونبات وحیوان ومَلَك کلها معا، إلّا أنه في نفس الوقت لیس جمادا أو نباتا أو حیوانا أو ملکا!
وفي الواقع فإن جمیع الکمالات الجمادیة والنباتیّة والحیوانیة والعقلية هي مقدمة وأداة لوصول الإنسان إلی کمالاته الإنسانية، وإلا فإننا لن نستطيع الادعاء بالإنسانية إلا بتنشيط الکمالات الإنسانیّة الكامنة فينا.
ولكن، ماهي تلك الکمالات أو المیزات الذاتیة للإنسان؟
لقد درسنا في هذه المقالة أنواع الکمالات في الکائنات المختلفة في العالم، وقلنا أن الکائنات تتجه نحو الکمال خطوة فخطوة وتکتسب الکمالات التي ما قبلها، والإنسان في حين أنه يمتلك كمالات الجمادات والنباتات والحيوانات والملائكة إلا أنه ليس أيًا منها! وما یمیّزه عن سائر الکائنات هو کمالاته الإنسانیّة والحقیقیة التي سنتطرق إلیها في الدروس الآتیة.