إعادة تعريف مفهوم الكمال أو الميزة الذاتية للكائنات
توجد هناك مصطلحات يختلف معناها التقليدي الرائج عن تعريفها المخصص. على سبيل المثال نعرّف مفهوم “الكمال” عادة بأنه أفضلية وأرجحية ونتوق جميعا إلى اكتساب الكمالات ونتلذذ بالأفضلية في أي مجال ونستخدم عادة تمام قواتنا للوصول إليها.
يختلف مفهوم الكمال باختلاف التخصصات العلمية، حيث يقدم كل منها منظوره الفريد. في عالم علم النفس، يتم تعريف الكمال على أنه حالة الخلو من العيوب والخلو من أي نقائص. ولكن علم الإنسان الإسلامي يحدد الكمال من حيث التأثير الوجودي للكيان. علاوة على ذلك، فهو يشمل جميع القدرات والقوى الكامنة التي يمتلكها كل كائن في جوهره، يعكس الكمال الصفات الجوهرية التي تميز بعض الكيانات باعتبارها متفوقة على غيرها، كمال كل شيء هو أي عمل قادر عليه. على سبيل المثال، يمكن أن يظهر كمال الورق في أشكال مختلفة، مثل استخدامه كوسيلة للكتابة، أو العمل كمروحة يدوية، أو تمكين إبداعات الأوريجامي ، أو في قدرته على أن تستهلكه النار، من بين احتمالات أخرى متنوعة.
الفرق بین الفضيلة والکمال أو الميزة الذاتیّة
قد يبدو في النظرة الأولى أن يكون الکمال والفضیلة مترادفين، بينما الکمال أو المیزة الذاتیّة لا يقتصر في المیزات الإیجابیة، على عكس الفضيلة التي لها معانٍ إیجابیة فقط. لتوضيح ذلك، عندما نشير إلى الكمال أو الميزة الذاتية في شيء ما، فإننا لا نركز بالضرورة على الصفات الإيجابية، وإنّما نعني كل ما في نطاق مقدرته. مثلاً يمكن اعتبار عملية تخریب الجص على الحائط كمالاً للقلم بالإضافة إلى قدرته على الكتابة.
تبين دراسة هذا التمييز أن كمال الإنسان يشمل جميع قدراته، إلا أنها لا تؤدي تلقائياً إلى اكتساب الفضيلة ما لم تساهم هذه القدرات في خدمة تنمية ذاته الحقيقية أو الجزء الإنساني فيه. على سبيل المثال القدرة على التحدّث والتكلّم هي من إحدی کمالات الإنسان والتي لا تؤدّي إلى اکتساب الفضیلة إلّا إذا استخدمت فی خدمة البُعد الإنساني أو فوق العقل. اي حان الوقت لنری کیفیة ظهور هذه المیزات الذاتیة في حیاتنا.
میزة الکمالیة
هل صادفت شخصا یحب الضعف والنقص؟ أو أن يفضل البقاء أمیّاً أو یکون جسمه ضعیفاً أو مریضا أو یعیشَ فقيراً؟ إذا وُجِد شخص كهذا، فهو بالتأكيد لیس ذا عقل سلیم، لأن الإنسان یکره النقص والضعف بالفطرة ویحبّ أن يمتلك كل شيء بل و أفضله. قد يختار البعض العیش ببساطة بدلاٌ من الثروة، ولكن هذا لايعني أن الثروة لا تعجبهم، وإنّما هم ببساطة یعتبرون العیش وسیلةً لاکتساب أشیاء أعلی قیمةً من الثروة. هذه المیزة تدعى ب: “الکمالیّة“. تعتبر الکمالیّة والتّعرّف علی أنواع الکمالات في الموجودات المختلفة من المفاهیم المهمّة التي إذا لم ندرکها فلایمکن معرفة أنفسنا. فلذا ننصحکم أن لاتتجاهلوا المفاهیم التي سنذكرها.
كل الكائنات تسعى إلى الكمال
کل الكائنات، منها النباتات و الحيوانات والبشر و حتى الجمادات، تمتلك ميلا متأصلا نحو الكمال، إلّا أنّ طبيعة هذه الكمالات تختلف مع بعضهم البعض، إذ أن کمال کل کائن ينبع من مواهبه الكامنة في ذاته وتزدهر في ظروف مناسبة. مع ازدهار کل موهبة، يرتقي الکائن إلى مرتبة أعلی ویکتمل و يرتفع خطوة بخطوة نحو الکمال ويستمر هذا العمل حتى تدخل کمالاته الذاتیّة كلها إلى مرحلة التفعيل. إضافة علی هذا فیمکن القول إنّ کل کائن، سواء کان نباتا أو حیوانا أو إنسانا سیصبح موجودا کاملا عند ظهور کل کمالاته الذاتیة الخاصة به وإلا فهو ناقص.
تنقسم کمالات الموجودات إلى قسمین:
- الکمالات التمهیدیة أو الأولیّة
- الکمالات النهائیة أو الحقيقية أو الثانویّة
لا تعتبر كل موهبة کامنة كمالاً إلّا منذ ازدهارها ولکنها ليست جمیعها کمالات حقیقیة. بعض الکمالات هي تمهيديات ضرورية لتوفير الظروف للوصول إلى الكمال الحقيقي. نشرح الموضوع عبر ذکر مثال: تصورا بذرة تفاح فیها مواهب مختلفة كالقدرة على النمو والتغذیة والتلقیح والإنجاب. نلاحظ أنّ جمیع هذه المواهب تزدهر الواحدة تلو الأخرى في عملیة تحویل هذه البذرة إلی شجرة تفّاح لکي تعطینا في النهایة شجرة ذات ثمار لذیذة و عالیة الجودة. برأيك، في أي الخطوات المذكورة أعلاه قد وصلت هذه البذرة إلى كمالها النهائي؟ هل من الممکن أن نعتبر شجرة التفاح کاملةً في کمالها لوتکون کثیرة الأغصان والأوراق لکنها دون أيّ ثمار؟ في الحقیقة قد یکون إنتاج الأغصان والأوراق الکثیرة کمالاً نهائياً اذا كانت الشجرة للزینة، ولكن لا هذا ینطبق على بذرة التفاح ولا يعتبر لها غاية الکمال. لهذا، یعد النمو والتغذیة والتلقیح من الکمالات الأولیة لشجرة التفاح و لكن لا يتحقق کمالها الحقیقي إلّا بعد تحویل البذرة إلی شجرة مثمرة ذات أثمار مجدية.
النقاط المهمة حول الکمال أو المیزة الذاتیّة
- النقطة الأولی: یختلف نوع الکمال فی الکائنات المختلفة ولايمكن اعتبار سمة واحدة كمالا للجميع. فمثلا إنّ الطعم الحلو کمال للكمثرى لکنه نقص للخَلّ لأنّ کمال الخلِّ هو في حموضته. من جهة أخری، تختلف الکائنات في المواهب ولایمکن لجمیع الموجودات الوصولُ إلی کل الکمالات. فعلی سبیل المثال يملك الإنسان موهبة التعلّم، مما يعد له كمالا، وبالمقابل فإنّ هذه الموهبة غير موجودة على الإطلاق في الحجر والخشب وبالتالي فإنّ تحقيق كمال يدعى ب: “تعلم العلوم” لا يحمل أي مغزى بالنسبة لهذين المادتين.
- النقطة الثانیة: صحیح أنّ الکمالات الأولیّة تمهّد الطریق للوصول إلی الکمال الحقیقي، ولکن هذا القانون ليس قانوناً عاما، لأنّ الکمالات الأولیّة قد تکون عائقة ومخلّة في بعض الأحیان. فمثلا إنّ الأغصان والأوراق في الشجرة هي کمالات أولیّة ولایمکن للشجرة إنتاج ثماراً في حالة عدم وجود الأوراق والأغصان إذ أنها هي التي توفّر الطاقة اللازمة لإنتاج الثمار عبر التركيب الضوئي، ولکن قد يكون هذا الکمال مخرّباً في حال زيادته، حيث سيتم استخدام المواد المطلوبة لتغذیة الأوراق والأغصان الإضافیة قبل وصولها إلی الأثمار.
- وأما النقطة الثالثة، فاقرؤوا کلا النقطتین الأولی والثانیة عدة مرّات! لأن هذه النقاط مرتبطة تماما بمعرفة النفس ونحتاج إلی مفاهیمها في سیاق تعریف أبعاد الإنسان الوجودیّة.
لقد قمنا بتعریف مفهوم الکمال في هذا المقال و أشرنا إلى أنّ الکمال أو المیزة الذاتیة، هي المواهب والقدرات الکامنة الموجودة في ذات جمیع الکائنات و هو مفهوم یختلف عن فهمه الشائع بمعنی الأرجحیّة. ثم قارنا بین الکمال والفضیلة ودرسنا الکمالیّة البشريّة. وسنتطرق في الدرس التالي إلی کمالات باقي الكائنات.
وبما أن هذه المواضيع تعدّ مفتاحا للدخول في موضوع معرفة الإنسان، فنوصي بأخذها على محمل الجد ومتابعتها بعناية واجتهاد.