ما هو المعدوم المطلق أو العدم؟
يظنّ البعض أنّ حياة الإنسان لا تنتهي إلا بالعدم والفناء، و أنه یتحول إلى اللاشيء وينعدم بموت جسده. ولكن، هل العدم موجود حقًا؟
إن الذهن البشري المعقد قد يكون غير قادر على فهم حقائق بسيطة منخدعاً بتعقيد تفكيره. مثل السؤال عن العدم. إنّ العدم هو اصطلاح تدل تسميته على انعدام الوجود. ينبعث مفهومه من “غياب الوجود“، أو اللاوجود، و لا يمكن أن يُتصور للعدم وجود خارجي لأن ذلك يستلزم الوجود، إذن فهذا ليس ممكنا لأن فيه إجتماع نقیضین.
وإذا أردنا شرح ذلك ببساطة أكثر، يمكننا القول بأنه إذا كان هناك شيء يسمى ب”العدم” فإنه يجب أن يكون موجودا، و بمعنى أصح إنّ الشيء الموجود هو موجود ولايمكنه أن يكون اللاوجود. ولا يقبل أي منطق سليم أن طبيعة العدم تتحول فجأة إلى الوجود و لايزال يبقى العدم نفسه! ويستمر هذا الاعتقاد الخاطئ إلى حد أن يذهب البعض إلى القول بأن الله سبحانه خلق الأشياء من العدم.
من أين يأتي العدم؟
منذ أن تعرف الإنسان على الأرقام و بالذات على الصفر كعدد، بدأ وقوعه في الخطأ تدريجياً بشأن مفهوم العدم. كان يتم استخدام الأرقام في الماضي لأمور حقيقية مثل عدّ الأشياء التي كانت موجودة: تفاحتان، خمسة خيول، و ما شابه. إلّا أنه كان هناك فراغا في هذا النظام العددي والذي ما كان مكمّله إلّا “الصفر” ليكون مؤشرا لعدد التفاحات بعد أکل کلها أو عدد الخيول بعد بيعها جميعا. على مر الزمن اتفق علماء الرياضيات على أن يُستخدم “الصفر” للاشارة إلى الفراغ المكاني في الأعداد.
ولم يبق هذا التغيير على هذا المستوى، بل استمر بالابتعاد عن موقعه حتى أصبح للصفر هوية مستقلة. الصفر، الذي كان مجرد عدد للإشارة إلى الفراغ العدمي، أصبح الآن مفهوما متمايزًا منفصلًا في الأذهان يرمز للتعبير عن مفهوم متناقض أي وجود العدم.
لا يزال هناك العديد من الذين على الرغم من درايتهم الجيدة بالرياضيات، لا يرون الصفر على أنه اصطلاح عددي، بل يرون أن الصفر يعادل “اللا شيء” أو “غياب الوجود”.
ربما يمكن إظهار أفضل تعريف للصفر من مفهومي الصفر (0) و الواحد (1) في لغة الكمبيوتر، حيث يدل العدد (1) على وجود علامة ويدل العدد صفر (0) على عدم وجودها. كان قصدنا من كل ما تقدم القول بأنه لا يمكن لمفاهيم غير موجودة كالعدم والصفر واللاشيء أن تكون موجودة لأنها لو كانت موجودة لم تعد تعتبر من العدم.
السر الکامن في اهمیة العدم
لماذا من المهم جدًا العثور على فهم صحيح لمفهوم العدم؟ لماذا يجب أن يكون من دواعي قلقنا التعرف على مفهوم شيء غير موجود على الإطلاق؟ يمكن اعتبار أحد أسباب أهمية العدم هو اختلاف التفسيرات والتعريفات التي تم التعبير عنها حوله. إن تقديم التعريف الصحيح للعدم له أثر كبير في وجهات نظر الإنسان وتحليله للبيئة المحيطة به. ومن الصعب على الإنسان أن يدرك الكثير من الظواهر دون معرفة مفهوم العدم.
على سبيل المثال وبما أن البرد يعني غياب الحر، فمن لم يفهم مفهوم العدم، لا يمكنه تفسير مفهوم البرد بشكل صحيح. وبالمثل، فالشيء نفسه ينطبق على النور والظلمة، و لا يوجد معنىً للظلمة إلا في عدم وجود النور.
لا يقتصر الموضوع على السياقات الفيزيائية فحسب بل إن نطاق تأثير معرفة العدم يتجاوز هذه الصعيد، بحيث لا يمكن تجاهل التأثير الواسع لفهم مفهوم العدم على رؤية الإنسان العالمية وفهمه للعالم ولنفسه.
العلاقة بين العدم والوجود
ربما كان من أغرب المشاهد التي شغلت أذهاننا كأطفال هو مشهد إخراج حمامة من قبعة ساحر فارغة و هذا يعني إنشاء الشيء من اللاشيء أو العدم. لا ننوي الكشف هنا عن الخدع السحرية، ولكن الغرض من ذكر هذا المثال هو القول بوضوح أن مفهوم العدم عند الإنسان كان و منذ طفولته أمراً متناقضا يستدعي التعجب، لأنه لا يؤمن أنه يمكن خلق شيء من اللا شيء.
إن أوضح المجالات لفهم معنى العدم هو عندما نراجع دواعي وجوده و خصائصه.
العدم والوجود نقيضان، و بما أن الوجود هو بمعنى أن يكون الشيء موجودا، لذا فلا بد أن العدم هو غير موجود، إنه بالحقيقة ليس إلا معدوم مطلق. لكي ندرك مفهوم الوجود بصورة صحيحة، يجب علينا أن نفهم مفهوم العدم.
إنّ الوجود لانهاية له ولا يمكن تقييده لأن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحد من الوجود هو شيء آخر خارج الوجود بينما لا يوجد هناك شيء غير الوجود.
ذكرنا فيما سبق أنّ العدم أمر اعتباري[1] لیس هو بشيء ولا وجود له. بالتالي وبصورة أساسية، لا يوجد شيء في العالم بامكانه تقييد الوجود. إن الوجود المطلق الحقيقي اللانهائي الوحيد هو الله سبحانه، الذي لا يوجد شيء خارجا لذاته والعالَم وكل ما فيه من مظاهر تجليات ذاته تعالى.
تعرفنا في هذا المقال على مفهوم العدم، وعلمنا أنه طرأت على هذا الاصطلاح تغييرات تدريجية، وفي بعض الحالات تم دفع العدم نحو مفهوم مستقل. وناقشنا أن الفهم الصحيح للعدم يساعدنا في فهم الظواهر الأخرى، وفي النهاية ذكرنا العلاقة بين العدم والوجود.
يمكنك مشاركة أسئلتك حول هذا المفهوم في قسم التعليقات.