في ظل أي ظروف نصبح عرضة للفسق أو الخروج عن التوازن؟
هل فكرت يومًا، كيف نعرف أنفسنا عمومًا، أو ما هي الانطباعات التي لدينا عن أنفسنا؟
– أنا إنسان ناجح لأنني تمكنت من الحصول على شهادة البكالوريوس أو الدكتوراه.
– أنا لاعب كرة قدم ناجح، يعرفني العالم بأسره. يتمنى الكثيرون أن يكونوا في مكاني.
– لقد ربيت أطفالًا وصلوا جميعًا إلى مستويات علمية واجتماعية عالية.
– أنا تاجر كبير ذا رأسمال بالمليارات، لدي عدة منازل وسيارات ووجه اجتماعي مرموق.
إن طريقة تعاملنا مع الحياة توضح مدى الاهتمام والوقت الذي نخصصه لكلّ من جوانب وجودنا، والوقت والطاقة المستهلكة توضح مدى القيمة التي نعطيها لكل من كمالياتنا. بمعنى آخر، التعريف الذي لدينا عن أنفسنا يعكس هندسة وتنظيم العواطف المختلفة في أنفسنا.
ما نحلم به ونسعى لتحقيقه، يشير إلى الجانب الذي قد قمنا بتطويره في أنفسنا. في الواقع، إن أحلامنا الرئيسية والرغبات التي لا نحتاج إلى تفكير للرغبة في تحقيقها، تعكس الحالة الصحية لأنفسنا. إن مكانة هذه الأحلام في قوى النفس الخمس وكيفية ترتيبها، تعتبر علامات على صحة وجودنا. إذا كانت جميع هذه المعشوقات والمحبوبات تنتمي جميعا إلى الجوانب السفلى من وجودنا، ونعتبرها أكثر جاذبية من المعشوق الرئيسي لدينا وهو الكمال اللانهائي وغير المحدود أو الله بمعنى آخر، إذن فقد وقعنا في “الفسق“. الفسق بمعنى اللغة يعني الخروج عن التوازن وطريق الحق، والتوازن هو الحالة الطبيعية لذاتنا.

ما هي مؤشرات الخروج عن التوازن؟
إن لنفوسنا بنية معقدة تتألف من قوى متنوعة يتشكل وجودنا منها جميعا. هذه الجوانب تتكون من خمسة أقسام: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وماوراء العقلية، حيث تقدم كل من هذه الدرجات لنا احتياجات ومحبوبات متنوعة، ولكن ما هو المعشوق الذي يعتبر عدم الوصول إليه فشلًا في جميع جوانب الحياة، إلى أي جانب من وجودنا ينتمي هذا المعشوق؟ في الحقيقة، إن المحبوب، والمعشوق، والإله، والهدف الحقيقي لنا هو الله، وأكثر الأشخاص نجاحا هم أولئك الذين اتخذوا من الله قدوة وطبّقوا أكبر عدد من أسماء الله. في الدروس السابقة، شرحنا أن الله خلق جميع المخلوقات أزواجًا. تمامًا كما أن زوج عيوننا هو الموج المرئي، وزوج اذنينا تردد الأصوات، وأحد أزواج الجانب الحيواني لوجودنا هو الزواج مع الجنس الآخر. ولكن، المحبوب، والمعشوق و الزوج في القسم الإنساني من وجودنا هو الارتباط مع الله فقط، والذي يجب أن يكون على رأس محبوباتنا وإلا فإننا نصبح عرضة للفسق أو الخروج عن التوازن.
تقوم الأمراض في أجسامنا بإخراج الجسم عن الاعتدال ويعيد الطبيب هذا الاعتدال المفقود إلى الجسم ويرجع الجسم إلى حالته الطبيعية. كل قوى أنفسنا تسعى في حالتها الطبيعية للاتصال بمعشوقها. على سبيل المثال، عندما ندخل بيئة مظلمة، نسعى لإيجاد النور والإضاءة، وإذا فقدت آذاننا القدرة على السماع، ننقذها بواسطة الأدوات ونعيدها إلى الاعتدال. وجود الألم في الجسم هو أيضًا علامة على الفسق وتحذير يشير إلى أن هناك جزءًا في جسمنا خرج عن حالته الطبيعية. علامة الفسق أو الخروج عن التوازن في القلب والقسم الإنساني من وجودنا هو التعرض للألم، والحزن، والقلق. كلما ابتعدنا عن السعادة والسلام، كلما أصبحنا أكثر عرضة للفسق، لأن الحالة الأكثر طبيعية وحالة نفوسنا هي حب الله، وبقدر ما نحمل حب الله في قلوبنا، سنكون سعداء و مطمئنين في الدنيا والآخرة. في الحقيقة، فإن الله يتحدث إلينا بلغة المحبة ويقول: إذا لم أكن أنا أعلى معشوق ومحبوب لك، فاعلم أنك قد انحرفت وخرجت عن الحالة الطبيعية والتوازن.
إلى أين تمتد وتنتهي حدود محبتي و وأطرها؟
يجب أن نلاحظ أن محبة ورغبة الجوانب الدنيوية لوجودنا لا تتعارض بأي شكل من الأشكال مع حب الله، شرط أن يكون حب الله سيدًا على قلوبنا. الأمر يتعلق هنا بأنه لا ينبغي للمحبوبات الدنيوية أن تتحول إلى آلهتنا وتصبح هدف حياتنا، بل يجب تنظيمها في اتجاه توازن وجودنا. على سبيل المثال، عندما نحب الآخرين، فإننا في الواقع على وشك أن نسمح لتجلي أسماء الرحمن والرحيم في وجودنا، شرط أن نكون أوفياء لمحبوبنا الأساسي وأن لا تسيطر المحبات الأخرى والمودة الدنيوية على مكانة حب الله في قلوبنا، أي بأننا لا ننحرف عن التوازن ونخرج عنه.
عندما نجد أنفسنا أمام أي اختيار، يجب أن ننتبه إلى أن نفوسنا مجموعة من المراتب والقوى المختلفة وواجبنا هو الحفاظ على التوازن والتناسق بين هذه القوى. على سبيل المثال، الشخص الذي قضى يومه في المشي في الصحراء وهو في حالة يرثى لها من العطش والجوع والتعب، لا يفكر في شيء غير الماء، ولكن بعد أن يروي عطشه، يتذكر الجوع والتعب ويسعى للتخلص منهم أيضاً. لذا من أجل الوصول إلى سلام دائم، يجب أن نقدم كل أقسام وجودنا لمحبوباتها لكي لا تعترض القسم الإنساني من وجودنا على الوصول إلى محبوبه الحقيقي نتيجة التوازن الذي يتم إنشاءه.
إن قيمتنا كإنسان تكمن في أن نكون دائمًا على اتصال بمحبوبنا. لا ينبغي لنا التورط كثيراً في الجانب الجمادي والنباتي والحيواني والعقلاني، لأن ذلك يمكنه أن يودي بنا إلى الفسق أو الخروج عن التوازن، لأن الأفعال والسلوكيات التي تم تنظيمها دون مراعاة المحبوب الحقيقي وعدم وجود الله في رأسها، لن توصل بنا إلى مكان وستؤدي بلا شك إلى سقوطنا.
يجب أن تُنَظّم كل أفكارنا بهذه الطريقة، أن نعتبر الله فوق أي محبوب آخر وأن تكون أهم رغباتنا وأمنياتنا ترتبط بتلبية احتياجات هذا القسم. يحدد ترتيب وتنظيم أمانينا في الواقع كيفية ترتيب جوانب وجودنا المختلفة ويعرض صورة عن حالة صحة روحنا بشكل عام. إن حقيقة وجودنا تكمن في الجانب الإنساني من وجودنا، وتعتمد سعادتنا في الدنيا والآخرة على ارتباطنا بمحبوب الجانب الإنساني. لذا فإن هدفنا الرئيسي في الحياة هو النمو في الجانب الإنساني والتشبّهه بمحبوبنا اللانهائي، و تنظيم محبوباتنا وأمانينا بشكل صحيح.
في هذه المقالة تناولنا تعريف الفسق أو الخروج عن التوازن. ذكرنا أن نفوسنا تتكون من مجموعة من المراتب والقوى التي لا تجد الراحة الحقيقية إلا عندما تكون مع زوجها ومحبوبها. نحن كبشر نكون في حالة توازن فقط عندما نضع الله أو محبوبنا الإنساني في قمة أمنياتنا. وخلاف ذلك فإن خرجت نفوسنا عن توازنها اصبحت عرضة للفسق أو الخروج عن التوازن.
كيف ترى نفسك وكيف تعرف نفسك؟ هل يأتي الحفاظ على التوازن في حياتك في صدارة أولوياتك؟