مفهوم التشبه بالإمام وضرورياته
إنّنا في مختلف مراحل الحياة، تأتينا رغبات في التشبه بالآخرين وقد نواجه محنًا وتقلبات كبيرة استنادًا إلى القدوة التي اخترناها للتشبه. إما أننا نجني ثمار إيجابية أو نتأثر بعواقب سلبية بسبب تلك الاختيارات. ومع كل هذا، يطرح السؤال الأساسي نفسه: هل يستحق الجميع أن نسعى للتشبه به؟ أو في أي سياق يكون هذا التشبه مفيدًا لنا، ولا يمكننا تجنبه؟
في حقيقة الأمر، يحمل التشبه مراتب متعددة، وتجربة التشبه بالإمام أمرًا لا غنى عنه بالنسبة للفرد الذي اكتشف نفسه الحقيقية. وكما لا يمكننا أن نكون معلّمين ماهرين بدون التشبه بعادات وسلوكيات ومهارات معلم ماهر، فإننا لا يمكننا التقرب من البعد الإنساني وماوراء العقلي دون التشبه بالإمام والإنسان الكامل وأن نعتبر أنفسنا إنسانًا. ولكن، ما معنى هذا التشبه؟ وكيف تسير هذه العملية؟ وما هي الاحتياجات التي يجب تلبيتها خلال هذا الطريق؟ هذه هي القضايا التي سنناقشها في هذا المقال.
لو قمت بالتفاعل مع الأطفال سابقا، فمن المؤكد أنك قد لاحظت أن رغبتنا في التشبه بقدوة[1] تستحوذ على إعجابنا أو نعتبرها مهمة، تنشأ منذ طفولتنا. إنها تبدأ منذ أن نكتشف أنفسنا، حيث نقوم بتقليد سلوك أقرب الأشخاص إلينا، وهم الآباء والأمهات. وتستمر هذه العملية حتى نصل إلى مرحلة البلوغ، وتتغير مواضيعها فقط. على سبيل المثال، قد نجد أنفسنا في فترة المراهقة أننا نسعى للتشابه مع مغن، أو ممثل أو رياضي محدد، أو عند دخول مجال معين كمهنة، نقوم باختيار أفضل المحترفين في تلك المجالات كنماذج لنا ونسعى للتشابه معهم. وبمرور الزمن تتغير عادة ما النماذج التي قد اخترناها للتشابه بمعدل تطورنا ونضوجنا، وتتحول نحو مسائل أكثر أهمية. على سبيل المثال، قد يكون التشبه في فترة المراهقة يتعلق بأسلوب اللباس أو نمط الشَعر، وعند البلوغ قد يتحول إلى متابعة أفكار فلسفية أو نمط سياسي اجتماعي محدد. وبالطبع، إذا كنا قد بلغنا مرحلة كافية من النمو والتفكير الذاتي، وأصبحنا أكثر تعرفًا على حقيقة ذواتنا، سنسعى تدريجيًا إلى العثور على نماذج تتناسب مع بنيتنا الوجودية وهدف خلقنا بشكل أكبر، حتى ولو لم نكن مدركين أننا نسعى إلى التشبه بالإمام في مثل هذه الظروف.

ليست كل قدوة، مثالية
إننا نمضي في رحلة الحياة باحثين عن هدفنا النهائي وهو العودة إلى الملكوت، سواء شئنا أم أبينا وباتباع قدوة أم لا. بناءً على القيمة التي نأخذها لكل جانب من جوانب وجودنا بعين الإعتبار، توجد لدينا تطلعات وأمنيات تحملها أرواحنا. تقتصر أماني البعض منا على اكتساب الثروة وتحسين أسلوب حياتنا المنزلية ووسائل النقل، بينما ُيمضي آخرون حياتهم بالسعي جاهدين للحصول على جسد أكثر لياقة، أو البحث عن وظيفة أفضل، أو تحقيق مؤهل تعليمي أعلى.
إن حياتنا تملأها قدوات تجلب انتباهنا من خلال اللوحات الإعلانية وشبكات التواصل الاجتماعي، في حين أن النموذج الذي ينبغي أن يجذبنا نحوه هو من يقودنا لتحقيق هدف خلقتنا ويعرفنا على الجانب الإنساني والذات الحقيقية لنا.
إذا كنّا على دراية ببنية وجودنا وعلمنا أن احتياجاتنا ماوراء العقلية لن تتحقق أبدًا في البيئة المادية المحدودة لهذه الدنيا، فسوف ندرك أن مصدرنا وغايتنا تكمن خارج هذا الكوكب، ونفهم أن هدف خلقتنا يتجاوز وجودنا المادي، ومن المستحيل أن نفكر في تحقيق هذا الهدف باعتمادنا على العقل والمعرفة البشرية.
نحن في حالة تحول مستمر وصيرورة، و يعتمد مسار حياتنا نحو الكمال والنمو أو السكون والسقوط بشكل كبير على المرشد أو النموذج الذي اخترنا أن نتشابه معه. مع مرور كل لحظة في حياتنا، يتم تشكيل عملية صيرورتنا، ونقترب أكثر فأكثر من وجهتنا النهائية. إنّ صيرورتنا الصحيحة تتوقّف بشكل كبير على وعينا بحقيقة مكانتنا الإنسانية، ومعرفة مسارنا، واختيار دليل ونموذج مناسب لأنفسنا. فلنعلم أننا خلفاء الله على الأرض، وأن هدفنا هو اكتساب صفاته الالهية، والتشبه بالإمام هو الذي يمكنه أن يقربنا من هذا الهدف.
تبرز أهمية التشبه بالإمام أو المتخصص المعصوم عندما ندرك أن الإمام هو النموذج الوحيد الذي يجسد صفات وأسماء الله تعالى بأكملها، بينما بقية النماذج فإنها إما أن يكون لها تجسيد محدود أو أنها ليست نموذجًا مناسباً لجانبنا الإنساني. حتى في حياتنا الدنيوية، عندما نكتسب أي مهارة، فإننا نسعى للتشبه بالشخص الأكثر اختصاصًا في ذلك المجال. لذا، يُعتبر البحث عن نموذج شامل وكامل في جانبنا الإنساني أمرًا طبيعيًا. ولتحقيق الهدف والغاية من خلقتنا، فإنّ الخيار الأمثل هو التشبه بالإمام حيث يُعتبر الإمام نموذجًا أكثر اكتمالًا وشمولية.
أهمية التشبه بالإمام
كل القرارات التي نتخذها في الحياة و الأخطاء التي نرتكبها، ليست جميعها مهمة بنفس الدرجة. في بعض الأحيان تكون قراراتنا لها تأثير مؤقت فقط ولا تسبب لنا أي ضرر كبير، لكن في بعض الحالات يكون ثمن تلك الأخطاء هو فقدان الأبدية التي نسعى إليها. التشبه بالإمام ليس موضوعًا يمكن تجاهله و التغاضي عن أهميته بسهولة، أو أن نعتبر أنفسنا خبراء في كل شيء ونرفض الحاجة إلى التشبه بالإمام.
إنّ الإمام أو المعصوم المتخصص هو الشخص الوحيد الذي يعرف جميع احتياجاتنا لتحقيق هدف خَلْقِنَا واكتساب قلب سليم، ويُلبيها جميعًا. إنه من يساعدنا على اتباع مسار محدد من قبل الله بشكل صحيح باستخدام الأدوات التي وهبنا إياها، لنتحول إلى نموذج كامل ومثال يحدده الله لنا.
التوجه إلى هذه النقطة مهم جدًا، فكما تحدثنا في المقالات السابقة حول هذا الموضوع، فإن أكمل تجلي لكمالات الله هو وجود الإمام. وبالتالي، فإن كل من يسعى في هذا العالم للتقدم نحو اكتساب الكمال ويرغب في تعلمه، فهو في طريقه للتشابه مع الإمام، حتى وإن لم يكن ملمًا بالمفهوم نفسه. إن سبب الشعور بالقُرب الفطري لدينا من وجود الأئمة هو هذه النقطة، إذ أنهم يمتلكون كمالات في وجودهم ويظهرونها ونحن نتطلع لاكتسابها.
في هذه المقالة، قمنا بالتركيز على السعي للتشبه في مجالات مختلفة من الحياة، و ذكرنا أن التشبه والاقتداء يكتسبان معنى أكبر بما يتعلق بنمونا وتطورنا، ولكن التشبه بالإمام هو التشبه الأهم بالنسبة لنا، لأننا عندما نحقق ذلك فإننا سوف نصل إلى معرفة أنفسنا وندرك هدف خلقتنا ونسعى لتحقيقه.
ما هي القدوة التي تسعى للتشبه بها؟ هل انتبهت إلى أهمية التشبه بالإمام من قبل؟
[1] . المحاكاة