مراجعة لمفهوم علم الإنسان في الفلسفة الغربية
الفلسفة تطلق على طريقة التفكير واستخدام العقل لاكتشاف القوانين الحاكمة على الكون والوجود. علم الفلسفة قديم قدم تاريخ البشرية، حيث یتعامل مع الاستفسارات التي أسرت عقل البشر منذ بداية الخلق و تستمر في الظهور مع كل جيل جديد. بمعنى أوسع، الفلسفة هي معرفة يشترك فيها البشر حول محاولة الإجابة علی الأسئلة الأساسية:
- هل يمتلك الانسان روحا أم أن هويته مرتبطة بجسده فقط؟
- ما هو الموت؟
- ماذا ينتظرنا بعد الموت؟
استحوذت هذه الاستفسارات على عقول عدد لا يحصى من الفلاسفة والمفكرين، وألهمت ولادة مذاهب فلسفية متنوعة، يسعى كل منها الى كشف الأسرار الكامنة وراءها ومن خلال سعيها، قام أتباع هذه المذاهب بصياغة تفسيرات مميزة لكل من هذه الأسئلة، التي حاولت أن تقدم تعريفًا محددًا للكون والحياة والبشر.
تاريخ الفلسفة الغربية
يمكن تقسيم الفلسفة بشكل عام إلى قسمين: الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية. في هذه المقالة، سنقدم لمحة عامة عن الفلسفة الغربية، وسنشرح الفلسفة الإسلامية بالتفصيل في مقال آخر.
كان و مازال الإنسان يحاول فهم معنى الحياة و اكتشاف طبيعة وجوده محاولة مليئة بالعديد من التقلبات منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. تم تركيز رؤی الفلاسفة الفكرية علی استفسارات محددة في فترات تاريخية مختلفة، مما أدى إلى ظهور العديد من المذاهب الفلسفية المختلفة.
بعد نهاية العصور الوسطى، بدأت مبادئ الكنيسة في التلاشي وتم التشكيك في أسس الفلسفة الأرسطية، وبالتالي ظهر مسار جديد أدّى بالفلسفة إلى الابتعاد عن كل من الفكر المسيحي والأرسطي في الغرب.
حوالي القرنين الرابع عشر والخامس عشر للميلاد، ظهرت طريقة فكرية أخرى اعتبر أتباعها أن جميع الحقائق الميتافيزيقية هي مجرد وهم واتجهوا نحو التجربة فقط.
قدم بعض الفلاسفة مثل وليم الأوكامي[1] نظريات مستندة على أساس أصالة الحواس والخبرة التي أكد علیها فرانسيس بيكون وهوبز[2] في القرون اللاحقة. عبّر ديفيد هيوم عن التشكيك في الماورائيات وحقيقة الأحداث الطبيعية بحكم فلسفته التجريبية، وبالتالي دخلت الفلسفة الغربية مرحلة جديدة من الشكية.
ارتكزت هذه الفلسفة في البداية بكل قوة على أن معرفة الإنسان لا تتحقق إلّا من خلال البحث في ذاته، كما عبر عنها ديكارت[3]، و لكنها لم تصل إلى أي نتيجة بوقوعها في الشكية، وبدلاً من التركيز على معنى الحياة وهدفها وإيجادها، قدمت خلفية لتشكيل مذاهب فكرية ونظريات سياسية مختلفة.
عجزت هذه المذاهب الفكرية عن تقديم إجابة مقنعة للأسئلة التي قد طرحتها بنفسها، ولا نشهد في الوقت الراهن إلّا تدهورها وسقوطها بعد سنوات من سيطرتها على العقول حول العالم. يمكن أن يُعزى الحافز الأساسي وراء تضاؤل هذه المذاهب هو الغموض في الإجابات المقدمة أو إثبات عدم كفاءتها عند إخضاعها للاختبار والتجربة.
إضافة إلى ذلك، قد تخلت الفلسفة الغربية عن الأسئلة الأساسية والعقلية للبشر في الآونة الأخيرة وركزت على الفلسفة السياسية وتحديد النظام السياسي المرغوب. للحصول على مقدمة عامة عن المذاهب الفلسفية المختلفة، يمكنك الرجوع إلى “مدخل إلى المذاهب الفلسفية“. [4]
المشاكل التي تواجه علم الإنسان الفلسفي
نواجه تحديين أساسيين في علم الإنسان الفلسفي؛ أولهما هو محدودية عقل الإنسان بطبيعته و الآخر استخدام بعض الفلاسفة نتائج علم الإنسان التجريبي كدليل لإثبات وجهات نظرهم الخاصة مع العيوب الكثيرة التي توجد في هذا المنحى، كما ناقشنا في المقالة “ما هو علم الإنسان التجريبي و ما هي أساليبه المستخدمة؟”
إنّ مفهوم الإنسان في علم الإنسان التجريبي يعادل كائن طبيعي دون النظر إلی أبعاده الأخرى الوجودية، إذن يمكننا أن نستنتج عدم فعالية هذا النوع من التفكير في مقولات کيفية بالکامل. على الرغم من أن المنهج التجريبي مجال اكتشاف الأبعاد المادية للإنسان، إلا أنه عاجز عن فهم شامل للإنسان بسبب افتقاده لأية أدوات لمعرفة أبعاده غير المادية.
قيود العقل البشري
العقل البشري هو بمثابة أداة رئيسية للفلسفة إلّا أنّه ذو قيود أيضا. الحقیقة أنّ العقل هو أداة لاكتشاف المعرفة والمعلومات استناداً الى البيانات الّتي نقدّمها له، و لكنه لا يحتوي على حقيقة مسجلة فيه مسبقا. مثل كاميرا الصيد التي تساعد على رؤية الصور البعيدة بشكل أفضل، ولكنها لا تسجل وتخزن الصور التي تلتقطها. المعلومات التي نتلقاها مثل المواد الخام التي نحتاجها للتفكير والاستدلال، ونتيجة لذلك، تلعب هذه المعلومات دورًا أساسيًا في الحكم الذي سيصدره العقل. في الواقع، أنّ العقل بحاجة إلى معلومات صحيحة وشاملة وكاملة ومتاحة له دون أي عوائق.
العوامل المقيدة للعقل البشري
يرتبط ما يحكم به العقل بدقة المعلومات المتاحة له مباشرًا، حيث تؤدي المعلومات الصحيحة ولكن غير الكاملة، إلى إصدار حكم ناقص من قبل العقل. يمكن مقارنة ذلك بالسائق الذي يرى الشارع أمامه، ولكنه يفشل في ملاحظة علامة “عدم الدخول”، لذلك يصدر حكما خاطئا، ويدخل الشارع ويرتكب انتهاكا. هناك حالات ايضا حيث لا يرتكب فيها العقل أي خطأ من تلقاء نفسه، لكن المعلومات التي يتلقاها معيبة أو غير صحيحة، أو أن لطبيعة الموضوع جوانبا غير واضحة لعقل الإنسان مثل القضايا الفلسفية التي تتعلق بالروح أو العالم بعد الموت، أو طبيعة الله وصفاته. من الواضح أن إصدار حكم خاطئ ومضلل من جانب العقل يحدث عندما تكون المعلومات المتاحة له خاطئة من الأساس.
هناك حالة أخرى قد يُحكم فيها على العقل بالصمت و إنه غير قادر على إصدار حكم على الإطلاق وهي عندما لا يكون لدى الإنسان أي معرفة أو معلومات كافية حول موضوع معين. على سبيل المثال، إذا سألكم شخص ما عن ميكانيكا الكم أو إشعاع برمسترلانج في حين أنه ليس لديكم دراسة سابقة في هذه المجالات، فمن الطبيعي أن لن يكون لديكم أي رأي تقدموه.
بغضّ النظر من النقاط السالفة الذکر، لابد أن يتمتع العقل بنفسه أيضا بصحة كاملة وضرورية للتفكير وتحليل القضايا، حيث يعتمد هذا على كيفية ولادة الشخص وقدراته الفردية التي قد تكون مختلفة عن الآخرين.
العوامل المؤثّرة على الحكم العقلي
إضافة إلى القيود التي يواجهها العقل بسبب ظروف مختلفة، قد يتأثر الحكم العقلي أحيانًا بعوامل خارجية أو داخلية. على سبيل المثال، قد يتخذ العقل قرارا صحيحا من خلال تقييم جوانب مختلفة من موضوع ما، لكنه قد يبتعد عن العقلانية ويتصرف ضد النتائج التي وصل إليها تحت تأثير الإعلانات أو الضغوط أو العواطف أو التحيز إلى جهة معينة. في الواقع، تُعد الشهوات إحدى العقبات التي تحول دون أن يتصرف العقل وفقًا لما يعرف أنه صواب. كما أن الانتقادات المتحيزة التي يقدمها بعض العلماء لبعض النظريات تعتبر أيضًا على هذا النحو. لذلك، على الرغم من أن العقل يعتبر أهم أداة للإدراك والتحليل، إلا أنه ليس مصدرا يمكن أن يوضع عليه الاعتماد كاملا.
في هذه المقالة، قدمنا شرحا عاما لتقلبات الفلسفة الغربية، و ذكرنا أن علم الإنسان الفلسفي يواجه مشكلتين رئيسيتين: الأولى هي محدودية عقل الإنسان كأهم أداة معرفية للفلسفة، والثانية هي اعتماد الفلسفة على بعض إنجازات علم الإنسان التجريبي، الذي يحتوي في حد ذاته على العديد من العيوب.
قبل قراءة المزيد من المقالات، يسعدنا أن تشاركنا برأيك حول هذا الموضوع.
[1]. وليم أوف أوكام | تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط | مؤسسة هنداوي
[2]. رحلة مع الفلاسفة في نظرية المعرفة (5) | اندبندنت عربية
[3]. الإنسان والله في فلسفة ديكارت؛ دراسة نقديّة في رؤية العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي