مراجعة لعلم الإنسان العرفاني
إن الإنسان يدرك بذاته وجوده ويتمتع بوعي ذاتي فطري، أي أنه يعرف أنه موجود ومختلف عن الكائنات الأخرى. يعتبر هذا الوعي النسبي بداية للتساؤلات التي كانت ولا تزال تشغل عقول البشر لفترة طويلة وحتى الآن. في الواقع، بمجرد خلوة الإنسان مع نفسه وفراغه من الشواغل الدنيوية، فإنه يواجه أسئلة أساسية حول جوهره، وسبب وجوده في العالم، والعلاقة التي يتمتع بها مع الكائنات الأخرى في العالم، إلخ. تُعدّ هذه الأسئلة أساس معرفة النفس أو علم الإنسان، ولكن يتفاعل الأفراد معها بطرق متباينة.
ينشغل بعض الناس بشؤون الدنيا حیث أنهم لا يجدون سببًا للتأنّي والإجابة على مثل هذه الأسئلة، فيمرون بها بلا مبالاة ويتركون المخاوف التي ترتبط بها في ركن من أذهانهم. وقد يسلك البعض طريق العقل أو الخبرة ويسعون للعثور على إجابات لهذه الأسئلة، بينما هناك من يسمح لقلبه بارشاده. إذا رأيت أن قلبك أخذ زمام المبادرة واتبعه عقلك، فلا تتفاجأ، فأنت على وادي العرفان و الشهود!
الشهود العرفاني
يُعد التعامل مع معرفة النفس والكمال الانساني من المفاهيم الأساسية في المجالات العرفانية وتمثل مرحلة الشهود العرفانية ما يسعى إليه السالك بعد خضوعه لتقشفات داخلية وخارجية.
هذا الشهود له خصائص تميزه:
- تجربة لا توصف وغير قابلة للتعبير
- المعرفة الناتجة عنه قد لا تتناسب مع مستوى عقل العارف واستدلاله.
- التجربة مؤقتة.
- الشعور بسلب الإرادة والاختيار عند التجربة.
بكلمات بسيطة، ما يقوم به العرفان هو أنه يضع اساس منطق الإنسان على مبادئ الكشف والشهود ومن ثم يشرحها بلغة العقل. هناك من يعتقد أن الشهود العرفاني لا يمكن تفسيره أبدا، ناهيك عن التعبير عنه بلغة العقل.
كيف نجد الطريق الصحيح في الحياة؟
المعرفة العرفانية هي من أنواع المعارف التي تنبع من أعماق قلب الإنسان، ولا يمكن بلوغها إلا بتطهير النفس و تنقيتها. فهي وعي ينبع من داخل الإنسان ولا يمكن اكتسابها وتعلمها من خارجه، لأن العرفان معرفة حضورية وقائمة علی الوجدان.
من الضروري هنا التمييز بين معرفة الإنسان الحقيقية و التعاليم المضللة. في الواقع، كلما تم بناء معرفة الإنسان على أسس متينة، فإنّها أدّت إلی نموه و تطوره. بينما إذا كانت قائمة على الأفكار الوهمية والتجارب المجردة، فإنها سوف تسبب في ضلال الإنسان. لذلك، قام بعض العارفين ببناء حرکاتهم علی أساس الدين والشريعة، مؤكدين بحزم أن من يسعى للوصول إلى الحقيقة من خلال الكشف والشهود يجب عليه أولاً وقبل كل شيء أن يتعلم مبادئ دينه، حتى يكون آمنًا من الخضوع للمفاهيم الخاطئة والأوهام.
مدارس العرفان المختلفة
الحقیقة هی أنّ علم الإنسان العرفاني هو نتاج إجابات العارفین ردًا على أسئلة حول البشر. إذا قمنا بدراسة علم الإنسان العرفاني، نجد تیارات مختلفة، لكل منها أتباعها حسب منطقة جغرافیة أو ثقافة أو دين معين.
في هذا المقال سوف نسلط الضوء على بعض المدارس الفكرية البارزة في العرفان و نذكر وجهات نظر كلٍ منها حول الإنسان.
العرفان الإسلامي
يری العرفان الإسلامي أن الإنسان هو مثلٌ اعلی للكمال والتميّز الإلهي، وتجسيدا لجميع صفات الله وأسمائه. يعتبر العرفاء، الإنسان عالمًا صغيرًا والعالم كإنسان كبير. ينشأ هذا المنظور الفريد من إدراك أن ما هو حصري للإنسان لا مثيل له في أي خليقة أخرى، بينما خصائص المخلوقات الأخرى موجودة في الإنسان.
في عالم العرفان الإسلامي ليس الإنسان كائنًا أرضيا فحسب بل ينتمي أصله إلى عالم آخر سوف يعود إليه في النهاية. إذن هذه الدنيا ليست موطنه الحقيقي. قد نُفخت فيه الروح الإلهية من مكان آخر، مما غُرس فيه شعورا بالغربة في الدنيا.
بشكل عام، يمكن تقسيم العرفان الإسلامي إلى قسمين رئيسيين:
الجزء الأول هو العرفان النظري الذي يتعامل مع تفسير الوجود ويناقش الله والعالم والإنسان. والجزء الثاني هو العرفان العملي الذي يُنظّم علاقات الإنسان وواجباته مع نفسه ومع العالم ومع الله. في الحقيقة، إن ما يميّز العرفان الإسلامي عن مدارس العرفان الأخرى هي رؤيتها إلى الإنسان الکامل. للعرفان الإسلامي علاقة فكرية وعاطفية وداخلية بالإنسان الکامل، ويمكن اعتبار أن الهدف الرئيسي لعلم الإنسان العرفاني الإسلامي هو الوصول إلى أعلى مرتبة ممكنة للإنسان الكامل واتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. ويتطلب تحقيق هذا المستوى من المعرفة فهماً عميقا للمكانة الرفيعة للإنسان الكامل. [1]
تصنيف العرفان الإسلامي
يعتبر التصوف الإسلامي بمثابة تكملة قيّمة لمعرفة الإنسان، بشرط الالتزام بمعايير العرفان الأصيلة، مثل العقل والشريعة، ومطابقة المكاشفة مع الواقع، وامتلاك معلم للسلوك، والتردد، وما إلى ذلك. ولكن عندما يتورط في تيارات منحرفة مثل الممارسات الصوفية الضالة والبدعة والخرافات والجهل ومعارضة الشريعة والإهمال و الكسل في تطبيق الشريعة، و السماع[2] والغنى[3] والإنحرافات الأخلاقية وما إلى ذلك، فإنه لا يمنع الإنسان ان يصل إلى غايته فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى سقوطه.
توجد ثلاث فئات من العرفاء في العرفان الإسلامي:
- المجموعة الأولى هم شیوخ الطوائف الصوفية و أقطابها[4] الذين لا يملكون المعرفة العلمية والدينية المطلوبة بل يتمسكون الأكثر بالعادات والمظاهر المشتركة في الطائفة.
- المجموعة الثانية هم عرفاء منظرون وأساتذة بارزون في مجال الفقه ولا ينتمون إلى الصوفية أبدا.
- أما المجموعة الثالثة فتضم عرفاء نظريين أيضا، في الغالب من الشيعة الذين يتبعون تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) في مراحل السلوك في السير إلى الله.
العرفان اليهودي والمسيحي
تم تشكيل تطور العرفان المسيحي من خلال العديد من التأثيرات خارجية، بما في ذلك التراث اليهودي وتأثير التوراة ومساهمات شخصيات مثل فيلو[5]. كما أنه لعبت مصادر داخلية دورا هاما مثل الأناجيل، والتعاليم العرفانية للمسيح وبولس ويوحنا وما إلى ذلك. و لكن، ربما كان التراث اليهودي و الفلسفة اليونانية من أكثر العوامل تأثيراً في تطوّر العرفان المسيحي.
في المسيحية، هناك اعتقاد بأن خطيئة آدم الأولى تسببت في تلوّث جيله بالكامل وأن كل البشر يولدون كخطاة، و لهذا فقد صُلب المسيح لكي يتحرّر النّاس من الخطيئة و يصبحوا سعداء. العرفان في الإيمان المسيحي هو وسيلة لتحقيق الاتّحاد مع اللّه، وهو أمر ممكن حسب إيمانهم من خلال فهم الثالوث وأخذه بعين الاعتبار. الحقيقة أن الثالوث هو اعتقاد يتعارض مع التوحيد المسيحي و ينصّ أن اللّه الآب خالق السماء والأرض، والروح القدس ويسوع المسيح، هم جميعًا إله واحد. غایة العرفان المسيحي هو تحقيق المحبّة.
العرفان الشرقي
الهندوسية والبوذية هما من أهم التیارات العرفانية الشرقية. تؤمن الهندوسية بتکرار الحياة عبر سلسلة من المیلاد والموت، فيما يدعى بعملية التناسخ، وتعتقد أن أفعال الإنسان في حياته السابقة تحدد طبيعة حياته التالیة. الهدف من الجهود الروحية والسلوك العرفاني للهندوسية هو التحرّر من المعاناة و التناسخ. لتحقيق هذا التحرّر يحتاج الإنسان أن يعرف نفسه.
أما العرفان البوذي في شرح موجز، فإنه يعتقد أن للوجود ثلاث خصائص: عدم الاستقرار والمعاناة والفراغ. الشخص الذي يرى كل شيء في الكون على أنه فارغ وغير مستقر وفان، يصل إلى مرحلة ما وراء المعرفة ويتحرر من الدورة التناسخ. تقدم البوذية ثماني طرق للتحرر والوصول إلى مرحلة ما وراء المعرفة.
تيارات عرفانية كاذبة وحديثة الظهور
ظهرت أخيرا مدارس عرفانية جديدة، مثل أوشو و كويلو و عرفان الحلقة وما إلى ذلك، والتي تفتقر إلى أسس راسخة، مع شعارات مثل تحرير الإنسان في العالم الجديد والاسترخاء والارتباط بحقيقة الحب. تعبر هذه الأفكار عن حاجة الإنسان الحديث للتخلص من الضغوط والإحباطات التي تنشأ في المجتمعات الصناعية، مشيرة إلى حاجة البشر في الأزمنة المعاصرة للرجوع إلى الروحانيات.
بعض هذه الطوائف تدعي أنهم استفادوا من مصادر ديانات أخرى، والبعض الآخر لیس لدیه اساس إلهي. تشمل هذه المفاهيم مجموعة من المعتقدات منها معارضة الدين والادعاءات الشيطانية و عدم الإيمان بالحياة الآخرة، والحرية الجنسية، و غيرها من القضايا التي لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تدهور الإنسانية وترك الإنسان في قلق وحيرة.
في هذه المقالة، درسنا علم الإنسان العرفاني وخصائص الكشف و الشهود، و قمنا بذكر التيارات العرفانية المؤثرة وعبّرنا عن وجهات نظرها حول البشر.
إذا كنت تريد معرفة أي طريقة من طرق علم الإنسان التي يمكن أن تساعدك على فهم ماهية الإنسان وخصائصه وهدفه النهائي بشكل أفضل، فإننا نوصي بقراءة مقالة “مراجعة ومقارنة الأساليب المختلفة في علم الإنسان” حيث أنها ستساعدك في هذا المجال.
سنكون سعداء إذا قمت بمشاركة تجاربك وآرائك معنا عن مواجهتك بأنواع العرفان.
[1]. أنسنة العرفان..منظور جديد – Sufirfan
[2] . مصطلح للموسيقى أو حفلات الاستماع التي ينظمها المتصوفة المسلمون اعتقادًا منهم أن الموسيقى هي بمثابة غذاء روحي وتهتم بالقلب مع الشركة الإلهية.
[3] . الغناء بطريقة تنطوي على تموج الصوت من أجل خلق تأثير نشوة الطرب المناسب لتجمعات المرح والخطيئة. وفقًا للتعاليم الإسلامية، يعتبر الانخراط في هذا النوع من الغناء والاستماع إليه محظورًا في ظل ظروف معينة، مثل عندما يحرض على الرغبة أو يؤدي إلى المعاصي.
[4]. القطب في التصوف هو معلم روحي محوري في الدائرة الصوفية، يكون قادرًا على توجيه الأتباع نحو السعادة الروحية والاتحاد مع الإلهية و يُعتبر رمزًا للوحدة الروحية والاتصال المباشر بالله.
[5] . فيلو السكندري (الفيلسوف هيلينيستي اليهودي)