ما هو علم الإنسان التجريبي و ما هي أساليبه المستخدمة؟

جدول المحتويات
علم الإنسان التجريبي، الفوائد والتحديات

مراجعة لعلم الإنسان التجريبي أو العلمي

إن شغف الإنسان بالمعرفة والاكتشاف لا ينتهي ابداً وهو ما يدفعه للتطور في جميع المجالات العلمية. ولكن، رغم تحقيق إنجازات كبيرة في الكشف عن أسرار الكون، فإن الإنسان لا يزال يبحث عن إجابات حول ماهيته.

يعتني علم الإنسان بجميع جوانب المعرفة المتعلقة بالإنسان، ويرغب في تحقيق فهم أكبر لهذا الكائن الغامض. ومع ذلك، فإن هذا العلم بمعناه اليوم، يواجه الكثير من التحديات والأزمات، ولا يمکنه تقديم تعريف للإنسان بأدقّه، حيث أنّ جميع فروعه متورطة بطريقةٍ ما في نفس المشكلة.

یُعَدُّ علم الإنسان من أهمِّ العلوم وأنفعها، إلّا أنّه في الحين ذاته من أكثر المعارف المظلومة، لأنه قد يُغفل عنه وتُحرَّف مفاهيمه أكثر من أي علم آخر. لذلك، سوف نستكشف في هذا المقال مفهوم علم الإنسان التجريبي وتعريفه كأحد فروع علم الإنسان، ونشرح أولاً وظائف العلوم التجريبية.

العلوم التجريبية ووظائفها

ماذا يخطر ببالك عند سماع كلمة “العلم”؟ هل هو المعطف والمختبر؟ أم صور للثقوب السوداء الفضائية؟ أم معادلات فيزيائية على السبورة؟ أو شيء آخر؟

العلم بكل معانيه الواسعة والتفسيرات المختلفة الموجودة عنه، في مصطلحه الشائع، يوحي إلى معرفة مكتسبة من خلال التجربة والاختبار و يدخل العلم التجريبي إلی هذا التعريف المحدد للعلم و يبحث في ظواهر العالم. يجب أن تتمتع الموضوعات المدروسة في هذا العلم بعدة خصائص:

  1. یمکن رؤیتها
  2. يمكن اختبارها و قياسها وتحليلها.
  3. لها قابلية الإعادة والتكرار، أي يمكن للآخرين أن يقوموا بنفس التجربة مراراً من خلال توفير الشروط اللازمة.

الخطوات العامة لاستخدام دراسات العلوم التجريبية تتمثَّل في: إنشاء فرضية، واستخراج تنبؤات منطقية منها، و من ثَم إجراء اختبارات لتحديد صحة الفرضية الأولية أم لا. قد تُقبل الفروض أو تُرفض بعد الإختبار وهذا يدل على إحدى خصائص العلوم التجريبية، أي قابليتها للإبطال. مع تقدّم العلم، يتمّ التشكيك في النظريات التي تمّ قبولها لسنواتٍ، وتأخذ نظريات علمية جديدة محلها. هناك العديد من الأمثلة على المبادئ المستبدلة في مختلف مجالات العلوم التجريبية، وعددها آخذ في الازدياد.

تعتبر مجالات مثل البيولوجيا والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء علومًا طبيعية وليست علومًا تجريبية. أما العلوم التجريبية، كما تمّ تعريفها سابقا، فإنها تشمل نطاقًا أوسع بكثير من فروع العلوم الإنسانية التي موضوعها قابل للمشاهدة والتجربة والاختبار. إن علم الإنسان التجريبي يعتبر واحد منها.

ما هو علم الإنسان التجريبي (العلمي)؟

قام علماء الأحياء بتصنيف البشر في فئة الثدييات، لذا يعتبرون الإنسان نوعًا من الحيوان. کما يعتمد الفلاسفة الغربيون على نتائج العلوم البيولوجية والسمات المشتركة للإنسان والحيوان، منها الشهوة والغضب والحياة الاجتماعية وما إلى ذلك فيدّعون أيضا أن الإنسان حيوان أكثر تعقيدًا وتطورًا. النهج الذي يكون أساسه مبنياً على هذه الدراسات في مجال علم الإنسان، يسمى “علم الإنسان التجريبي“.

الإنسان من منظور هذا العلم، كائن طبيعي لا فرق بینه و بین الکائنات الطبیعیة الأخری علی الإطلاق. على هذا النحو، من الضروري أن نستخدم نفس المنهجية للعلوم التجريبية لاكتساب فهم أعمق لأنفسنا، أي من خلال التجربة والاختبار!

بما أن علم الإنسان ظهر بأنه «علم معرفة الإنسان» فإننا نتوقع منه توفير معرفة كاملة للإنسان. إلا أنه يبرز هنا سؤال مهم وهو أن: هل المعرفة الناتجة عن علم الإنسان التجريبي هي معرفة كاملة حقًا؟

علم الإنسان التجريبي، الفوائد والتحديات

كل أنواع الدراسات المتعلقة بالإنسان والتي تركّز على جانب من جوانب الكيان الانساني، تُصّنف ضمن علم الإنسان التجريبي اذا کان يمكن رؤيتها و اختبارها وتجربتها؛ منها الأنثروبولوجيا والديموغرافيا والطب والعلوم الاجتماعية والعلوم السياسية وعلم النفس والعلوم التربوية والاقتصاد، الخ.

على الرغم من أن الفلسفة ليست لها صلة مباشرة بالعلوم التجريبية، إلا أن الفلاسفة يعتمدون أحيانا على إنجازات علم الإنسان التجريبي لدعم وجهات نظرهم الخاصة. على سبيل المثال، نجد كانط، الفيلسوف الألماني الشهير، الذي ينتمي إلى مؤيدي علم الإنسان التجريبي یقول بصراحة: معرفة الإنسان لا تكون إلا من طريق الحواس ويوضح أنه في علم الإنسان، يجب أن يكون الموضوع الرئيسي هو الطبيعة الخاصة الإنسانية التي لا يمكن فهمها إلا من خلال التجربة.[1]  کما يعتقد راسل الفيلسوف البريطاني: “إن المعرفة كلها تستند فقط إلى المعرفة التجریبیة.” [2]

هذا المستوى من الدوغمائية وإصرار المفكرين الغربيين على أنه لا يمكن معرفة الإنسان إلا من خلال الخبرة والاختبار مثيرٌ للعجب. لأن المنهج التجريبي یتعامل فقط مع الظواهر القابلة للرؤية بینما الإنسان الى جانب هذه الأمور، لديه قيم غير مرئية منها الإرادة والنية والإيمان وسلوكيات ذات مغزى. کما أنه لا يستطيع هذا العلم قياس أحاسيس مثل السعادة والخوف والحزن وما إلى ذلك.

المعرفة التجريبية التي هي من فروع “علم الإنسان” تركز على التفاصيل فقط، فلا تعالج إلّا جوانب معينة من الوجود الإنساني، لذلك فإنها عاجزة عن الإجابة على أسئلة عامة مثل: كيف خُلق الإنسان؟ هل له أبعاد أخرى غير الجسم؟ ما هي فلسفة حياته؟ ماذا سيكون مصيره بعد الموت؟

هناك عيب آخر لهذه المعرفة وهو طبيعتها. کما ذكرنا مسبقاً أن قابلية الإبطال هي من الخصائص الرئيسية للعلوم التجريبية. لكن تطبيق هذا النهج على البشر أمر خطير لأن نتائج علماء الإنسان تشكل الأساس للتشريعات وتنظيم الهياكل الاجتماعية. لذلك إذا تم اقتراح نظرية جديدة كل يوم وتم التشكيك في المبادئ السابقة، ستواجه حياة الإنسان عمليا أزمات خطيرة. لقد حدث هذا بالفعل من قبل، والوضع غير الطبيعي للمجتمعات البشرية اليوم هو دليل على هذا الإدعاء.

إذن فإن الأنثروبولوجيا التجريبية، في شكلها الحالي، تقدّم لنا منظورًا محدودًا ومشتتًا، لأنها تركّز على الجوانب السطحية لموضوعها فقط.

النتيجة

يجب أن نعترف أن ماهية علم الإنسان التجريبي و نهجه لا يقدم إلا منظوراً محدوداً وجزئياً لأنه يركز على أبعاد الإنسان الخارجية فقط. على الرغم من أنه قد تساعد هذه المعرفة في فهم الأبعاد المادية للإنسان، إلا أنها لن تكون كافية أبدًا لمعرفته الكاملة بمفردها.

بشكل عام، كلما درس علم الإنسان البشر ككائنات مستقلة ومنفصلة عن خالقهم، فإنه سوف يواجه الإرتباك والتحديات، وبالطبع فإن هذا الأمر لا يقتصر على علم الإنسان التجريبي.

[1] . ﻧظرﯾﺔ اﻟﻣﻌرﻓﺔ ﻋﻧد ﮐﺎﻧط

[2] . برتراند راسل: مقدمة قصيرة جدًّا، إيه سي جرايلينج، ترجمة إيمان جمال الدين الفرماوي

اكتب رأيك