الافتتان بالكمالات النباتية؛ عامل التحوُّل إلى نبات في صورة إنسان

جدول المحتويات
ما هو القلب النباتي؟ وكيف نتحوّل إلى نبات في صورة إنسان؟

ما هو القلب النباتي؟ وكيف نتحوّل إلى نبات في صورة إنسان؟

هل سبق أن سمعت بتعبير “القلب النباتي” أو المرتبة الأدنى من الحيوان؟ يُعدُّ القلب النباتي أحد أصناف القلوب التي تُصنَّف بناءً على نوع المتعلقات واللذات التي يسعى إليها الإنسان وتتجلى صفاته في الميل إلى الجمال، والتكاثر، والتناسق البدني، وغيرها من الكمالات التي تُمثّل الجانب النباتي في كيان الإنسان.

يُقرُّ الدين والعلم بأن الإنسان يتمتع بأرقى بنية وجودية في نظام الخلق. ومع ذلك، فإن هذا التفوق لا يضمن بالضرورة تحقيق السعادة والنجاح لكل فرد. بل إن القلب وما يحمله من اهتمامات هو المحدد الأساسي لمسارنا في الحياة.

للأسف، يغادر الكثير منَّا هذه الدنيا ويلج عالم الآخرة وهم يجهلون مقاييس تقييم أدائهم، ما يُعرِّضهم لمستقبل أبدي من الشقاء. لضمان ولادة ناجحة وسليمة في الآخرة، يجب أن نُدرك:

  • ما هو مقياس قيمتي الحقيقية؟
  • ما الذي يقرّبنا من هدف خلقنا، وما الذي يُبعِدنا عنه؟
  • هل تُقرِّبني أيامي من الله أم تُباعدني عنه؟

في حين أن هناك تصنيفات متعددة للبشر بناءً على العرق أو الشخصية، فإن المعيار الأسمى هو ما وضعه الخالق، وهو القلب. وفقاً للقرآن، إن القلب هو معيار القيمة عند الله، كما جاء في سورة الشعراء: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ )الآية 89) ولكن ليس القلب الذي وُلدنا به، لأنّ القلوب ليست متمايزة بالفطرة؛ فالبشر يولدون على فطرة واحدة. إنما يتأتَّى تصنيف القلوب وتمايزها عندما تنفتح على شؤون الحياة المتنوعة، وتكتسب الكمالات أو الظلمات، فتتحدد بذلك مساراتها. في دروس سابقة، تعرّفنا على أنواع القلوب إجمالًا. وفي هذا السياق، تطرح هذه الدراسة تساؤلات حول كيفية تأثير عوامل مثل الرغبة في الجمال والكمالات النباتية الأخرى على كينونتنا، و على التحول المرء من مقام الإنسان إلى مستوى النبات؟ وهل يمكن للقلب النباتي أن يبلغ الإنسان غايته الأسمى؟

كيف تتغيّر قلوبُنا؟

أكدنا في الدراسات السابقة أن نوع الاهتمامات التي يتبناها الفرد يحدد قيمته الحقيقية ومكانته الجوهرية. فكلما ازداد انجذاب الإنسان إلى كمالات إحدى مراتب وجوده (جمادية، نباتية، حيوانية، عقلانية أو إنسانية)، كان ذلك مؤشراً على قيمته الذاتية. فعلى سبيل المثال، إذا كان جل اهتمام الفرد ينحصر في كمالات البعد النباتي، مثل السعي المستمر لتحقيق الجمال الجسدي، أو التفاخر باللياقة البدنية والحصول على ميدالية رياضية، أو الإنجاب، فإنه بذلك يختزل وجوده إلى مرتبة النبات في هيئة إنسان ولا يحقّ له بعد ذلك أن يتوقّع من هذه الكمالات أن تهبه قلبًا إنسانيًّا.

ولا يقتصر الأمر على مجرد الأفعال، بل يتعداه إلى النية الحقيقية والغاية الكامنة خلفها. إن ثمرة أعمال الإنسان في الآخرة لا ترتبط بكمالاته النباتية أو الحيوانية، بل بمدى تأثير هذه الكمالات في صقل قلبه ووجهته. فلكل نشاط في حياتنا أثر مباشر على القلب بناءً على الهدف المنشود منه؛ فعندما نمارس الرياضة من أجل تحسين المظهر الخارجي، أو نخضع للعمليات الجراحية التجميلية، فإننا نغذي بذلك الجانب النباتي في أنفسنا ونقوي “القلب النباتي” على حساب “الجسد الإنساني”.

أما إذا كان الهدف من هذه الأنشطة هو خدمة البعد الإنساني، كجعل الجسم أداة صحية لخدمة الغايات الروحية، فإن ذلك يساهم في تقوية “القلب الإنساني”. وبناءً على ذلك، فإن وصول الإنسان إلى مرتبة الوجود الإنساني الكامل، أو بقائه في مرتبة النبات في هيئة إنسان، يعتمد بشكل كبير على وعيه بأبعاده الوجودية، وطريقة ترتيب أولوياته وأهدافه. وكلما انصبت اهتماماته على كسب الكمالات النباتية، كالتغذية والجمال والإنجاب والقدرة البدنية، كان مصيره في الآخرة هو البعث بقلب نباتي، تماماً مثل التلميذ الذي يركز على اللعب بدلاً من العلم، فيكتسب مهارات اللعب دون تحقيق القدرات الأكاديمية وخسر فرصة تنمية عقله ومعرفته. 

سمات النبات في صورة إنسان

يُطرح هنا سؤال محوري حول كيفية تعريف الإنسان لذاته وتحديد سقف طموحاته. إن امتلاك “قلب نباتي” يقيّد الإنسان بحدود الكمالات النباتية، فإذا ما امتلأ القلب بعشق يعادل مرتبة الوجود النباتي، لن يبقى فيه متسع للرغبة في المراتب الأسمى. بناءً على ذلك، لا يفهم الإنسان “النباتي” هذه المراتب الأعلى، ولا يسعى إليها. لتوضيح ذلك، يمكننا تخيل طفل يملأ معدته بالحلويات قبل وجبته الرئيسية؛ فمن الطبيعي أن يفقد الرغبة في تناول الطعام الصحي، مهما كانت قيمته الغذائية ومذاقه لذيذاً. وإذا استمر على هذا المنوال، سيتغير مذاقه بمرور الوقت، ويفقد الميل للغذاء المناسب حتى يُعرض عن الطعام الحقيقي، ويميل إلى ما هو أقلّ نفعًا وأدنى قيمة.

قد تخدعنا الكمالات النباتية بكونها إنجازات بحد ذاتها، مما يدفعنا إلى الوقوع في الوهم. فمثلاً، قد يظن الإنسان أنه ناجح في حياته لمجرد امتلاكه جسماً جميلاً، أو أبناء أصحاء، فيغفل عن الغاية الحقيقية الأسمى من وجوده. لذلك، يجب علينا مراجعة أهدافنا ورغباتنا بشكل مستمر. فإذا كانت همومنا وآمالنا لا تتجاوز هموم نباتية، فإننا نكون قد حصرنا كينونتنا الإنسانية في مستوى متدنٍ. ونتحوّل إلى نبات في هيئة إنسان، ونستبدل القلب السليم بقلب نباتي. في هذه الحال، لن نتجاوز في نمونا الدنيوي حد النبات، ولن يكون لنا ميلاد سليم في الآخرة لأنّ القلب الذي يُفترض أن يكون مفتاح النجاة، قد ظلّ ساكنًا في مراتب أدنى.

هل نصل بالقلب النباتي إلى المقصد؟

وفقاً للتقسيم القرآني، ينقسم البشر إلى صنفين أساسيين: الفاسقين والمؤمنين. إن امتلاكنا لقلب قاس كالحجر أو أدنى منه، أو دان كالحيوان أو أدنى منه، أو شيطاني، يجعلنا فاسقين وغير طبيعيين، لأننا لا نسير نحو غايتنا من الخلق. فعندما يمنحنا الخالق سمة التشبه به، ونحن نغض الطرف عن هذا الهدف، ونكرّس فكرنا وجهدنا لتحقيق الكمالات النباتية أو أي كمالات دنيا، فإننا نتحوّل إلى نبات في جسد إنسان، بل وربما إلى مرتبة أدنى، وبذلك لن نبلغ المقصد.

تخيّل مثلًا أن شروط الدخول إلى مؤتمر ما تتطلب مواصفات معينة كالحصول على شهادة معتمدة، أو تقديم بحث، أو الالتزام بشرط سني محدد. بطبيعة الحال، لا ينجح في هذا المؤتمر إلا من تتوافر فيه الشروط المطلوبة، وإلا فلن يُسمح له حتى بالدخول. وبالمثل، إذا أردنا بلوغ مقصِدنا، فعلينا اكتساب الشروط الضرورية للدخول الناجح إلى الآخرة، والشخص الذي يملك “قلباً نباتياً” في صورة إنسان ليس له مكان في هذا المسعى.

يُعرَّف مفهوم الفطرة بأنه وضع كل ظاهرة في مقامها الوجودي الصحيح. وفقًا لهذا الفهم، عندما ينشغل جوهر الإنسان بكمالاته النباتية، وهي مرتبة أدنى حتى من الكمالات الحيوانية، فإنه ينحرف عن فطرته الإنسانية وتوازنه الداخلي. فبدلاً من السعي لاكتساب قلب سليم يتناسب مع طبيعته الخالدة، يكتفي باقتناء قلب جمادي أو نباتي، مما يؤدي إلى خسارة وجودية.

لا يعني ذلك أن الكمالات النباتية سلبية في جوهرها؛ فالميل إلى الجمال، والاهتمام بالقدرات الجسدية، كلها أمور محمودة في حدودها. لكنها تظل كمالات تليق بالنبات لا بالإنسان. وعندما تصبح هذه الكمالات هي محور الحياة وهدفها الأسمى، فإنها تحوّل الإنسان إلى كائن نباتي بهيئة بشر وقلب نباتي. بينما يحتاج الإنسان إلى قلب يتجاوز حدود المادة ليكون أداة وذخيرة له في الآخرة. باستثناء القلب السليم، فإن أيّ قلبٍ آخر، ومنه القلب النباتي، سيؤول بنا إلى الخسران.

إن فهم البنية الوجودية للإنسان يوضّح أن البُعد النباتي ليس إهانة للنبات، ولا هو وصفٌ مرعب أسوأ من الحيوانية، بل هو مرتبة أدنى من المرتبة الحيوانية في النفس الإنسانية، ولها خصائصها المميزة. وعندما يكتفي الإنسان بهذه المرتبة، فإن سقف اهتماماته وتطلعاته لا يتجاوز احتياجات وخصائص النبات. هذا التحديد الذاتي يحد من رؤيته للخلود والمسار الوجودي، مما يقوده في النهاية إلى امتلاك قلب لا حياة فيه ولا يتوافق مع شروط الحياة في الآخرة. السبيل الوحيد للوصول إلى الغاية هو تحطيم هذا الإطار المحدود الذي حبس الإنسان نفسه فيه.

خلاصة

 أكدنا في هذه الدراسة على أن الاهتمام المفرط بالكمالات النباتية كـ “الجمال الجسدي”، و”النمو البدني”، و”التكاثر” يؤدي إلى تغيير في ذوق الإنسان وسقف طموحاته، ويخفض من مكانته الوجودية ليصبح في مرتبة النبات. ورغم أن هذه الكمالات ليست سيئة في ذاتها، إلا أن محورية دورها في الحياة تحوّل الإنسان من السعي نحو غايته الكبرى إلى الاكتفاء بقلب نباتي، مما يجعله في خسارة كبرى.

إلى أيّ مدى تُعير اهتمامًا لكمالاتك النباتية؟ هل تشكّل هذه الكمالات محور حياتك؟ ما مدى بعدك عن أن تكون نباتًا في جسد إنسان؟

اكتب رأيك