يمنح ماوراء العقل قيمة إنسانية لعالمنا
هل سبق لك أن توقفت للحظة للتفكير في جوهر الرقم صفر؟ الصفر، في حد ذاته، ليس له قيمة متأصلة. إذا قمنا برص مليون صفر علی التوالی، فستبقى النتيجة دون تغيير: صفر. ومع ذلك، بمجرد إضافة الرقم “واحد” في مقدمة هذا التسلسل، يكتسب الصفر الذي كان يفتقر في السابق إلى أي مظهر من مظاهر القيمة، معنى وأهمية على الفور. وبالمثل، فإن الأفعال التي نقوم بها في هذا العالم الأرضي لا تحمل أي قيمة متأصلة، وأمنيتنا في الحياة تكمن في إضفاء قيمة إنسانية وأبدية لها خلال فترة العمر الوجيزة.
لقد قمنا بملايين الأعمال على مدار حياتنا، وطالما أن هذه الأعمال تمّت في إطار أهداف مادية ودنيوية، فإنها لن تلعب دورًا إيجابيًا في توازن روحنا بل إنها ستقوم من تفاقم القلق والصراعات الداخلية لدينا. ولكن يكفي أن تُنجَز هذه الأعمال في اتجاه تعزيز الجانب ماوراء العقلي أو الإنساني في وجودنا، لأن في هذه الحالة يجد كل شيء قيمته الإنسانية ويتحقق نتيجته من خلال تحقيق السعادة والسكينة والتوازن الداخلي. في الواقع، حتى أصغر أعمالنا يمكن أن تصبح لها قيمة عالية.
كيف تكون الأعمال ذات قيمة؟
ذكرنا سابقا أن كون الإنسان إنسانًا يرتبط فقط في الجزء ماوراء العقلي من وجوده. وطالما شغلنا أنفسنا بالأجزاء السفلى من الوجود مثل الحس والخيال والوهم، فلن يمكننا أن نجتاز المستوى الحيواني، لأنّ هذه الأجزاء لا تشمل غير الصفات الحيوانية ولا تتجاوز حدود قدراتها. كما أن الکمالات العقلية هي في حالة محايدة ایضا، وإذا انشغلنا بالعلم فقط فلن نصبح في النهاية اکثر من ملائكة صالحين. و إذا استخدمنا الجانب العقلي للوصول إلى المستويات الاجتماعية والأوهام، أي أنه إذا كانت فوائد العقل تخدم الوهم والجوانب الحيوانية في وجودنا، فإننا سوف نخسر قيمتنا.
أما إذا كانت أعمالنا تحت سيطرة ماوراءالعقل أو الجزء الإنساني من وجودنا فسنكون ناجحين بوصفنا “إنسان” وننتفع من كل الكمالات التي نكتسبها، ولإضفاء قيمة إنسانية إلى أفعالنا، يجب أن يكون ماوراء العقل هو المعيار والعامل الوحيد لعلاقاتنا وخياراتنا وسلوكنا و ترتيب أفكارنا.
تصوروا ما سيحدث لأعضاء الجسم إذا ما عملت بصورة مستقلة لأجل الوصول إلى أهدافها دون أهداف سائر الأعضاء. اذا بدأ جهاز الهضم بالعمل في توقيت غيرمناسب أو تحركت أيدينا وأرجلنا في الجهات التي تريدها هي، أو قامت اعيننا بالاغماض حسب رغبتها، أو قام القلبُ بِضَخِّ الدَّمِ دون الاعتناء بسائر أجزاء الجسم، أو عمل جهاز الدورة الدّم الذي یقوم بتوقیف عملیة توصيل الدم إلى بعض الأعضاء بميله وإرادته، أو قام المخّ بتفعيل أو توقيف عمل الهورمونات وغيرها، ماذا سيحدث حينها؟ إن مجرد تصور هذه الحالات، يجعلنا ندرك مدى الاضطرابات التي ستنتج عنها. اضطرابات لا تؤدي إلا إلى عدم قدرة الأعضاء على العمل واختلال تام فيها.
إن القائد الرئيسي في وجودنا هو القلب أو ماوراء العقل أو الجزء الإنساني من وجودنا. ولو تقبّل سائر الأعضاء في وجودنا سيطرة ماوراء العقل وتبعوا توجيهاته، فإن نفسنا ستظل هادئة ومتوازنة كجسمٍ سليم. بينما إذا أراد أي جزء من هذه الأبعاد أن يتولى الحكم ويتجاهل طاعة الجزء الإنساني فينا فسوف تسيطر الفوضى على وجودنا. هذه الفوضى ليست لها نتائج سوى إضاعة الوقت وعدم القدرة الشاملة على العمل، وباختصار اضطراب تام في حياتنا.
سيطرة ماوراء العقل
لقد شرحنا أنه إذا أردنا الاستفادة من الفترة الزمنية القصيرة لحياتنا وقضاء هذه الفترة المحدودة في سعادة وسكينة، فإن الحل الوحيد هو أن نخضع لسيادة الجانب الإنساني في جميع أعمالنا وأن نعطي قيمة إنسانية لكل منها. ولكن، لا يمكن أن يتحقق ذلك بدون تسلط ماوراء العقل أو البُعد الإنساني على وجودنا. وحتى عند السيطرة الكاملة لماوراء العقل على القوى الأخرى، فإننا لا يمكننا أن نكون دائمًا في حالة السكينة، حيث أنّ المنافسين الأربعة وهم الحس والخيال والوهم والعقل يسعون باستمرار لتجاوز ماوراء العقل وتحقيق حكمهم الخاص. يجب علينا أن نكون حذرين دائماً لكي لا نبيع سيادة أنفسنا في مسائل مثل المركز الاجتماعي، والمظاهر والمسائل الوهمية، والشهوات والقوى.
یکفي أن نقوم باختیار خاطئ أو علاقة غير مناسبة أو زواج غیرلائق أو مهنة غیرمناسبة أو اختیار مکانٍ خطیر للعیش لکي یتشوّش اعتدال نفسنا ویُبعدنا عن هدفنا الرئیسي. لکن لاکتساب القیمة الإنسانیة في جمیع الاختیارات والعلاقات والأفکار والسلوکیات یجب أن نهتمّ بإعطاء الحُکم لماوراء العقل وحفظه في الذّروة. یجب أن نواظب دائما أن تکون تغذیة ماوراء عقلنا أکثر من تغذیة الأجزاء العقلیّة والوهمیة والخیالیة والحسیّة. وهذا طبیعي أننا لو نهتمّ بكل جزءٍ أکثر من سائر الأجزاء فنستفید من ذاك الجزء استفادة أکثر.
لذلك یجب علينا أن نرفع مستوی علاقاتنا مع کلّ ما یمکن أن یمنحنا القدرة لتعزیز ماوراء العقل ونبعدُ أنفسنا من الغفلة بهذه النسبة لأنّ عدم الاهتمام والغفلة في تغذیة ماوراء العقل أو الإفراط في تغذیة سائر أجزاء الوجود یمکن أن یجرّنا نحوَ بحرٍ من الاختیارات والعلاقات والسلوکیات ونظام الأفکار التي لا تتناسب أيّ منها مع وجودنا. وفي هذه الحالة سنکون عُرضةً للإضرار ولن نستطیع أن نکتسب قیمة إنسانیّة وأبدیّة.
لقد تطرقنا في هذه المقالة إلی قُصرِ مدة حیاتنا وأهمیّة اکتساب القیمة الإنسانیّة من أعمالنا وأمورنا الدنیوية، وذكرنا أنّ الطريقة الوحيدة لكي ننتفع من الکمالات الدنیوية للحصول علی السعادة والسکینة الدائمتین عبر التحکُّم علیها بید ماوراء العقل فقط. وأشرنا في النهایة إلى أنّنا یجب أن نهتمّ بإعطاء الحُکم لماوراء العقل ونحفظ ذلك في قمة رغباتنا، لأنّ منافسي ماوراء العقل – کالخیال والوهم والحس والعقل – یبحثون عن حذف ماوراء العقل وسیطرة حکومتها علی وجودنا ولایمکن حُکمُ ماوراءالعقل بدون مراقبة وتغذیة هذا الجزء والابتعاد عن الغفلة.
إنّ ماوراء العقل يحتل المرتبة الرئیسية من مراتب وجودنا وإذا أردتم معرفة المزيد عن الجزء ماوراء العقلي ودوره في وجودکم فیجدر مطالعة المقالات علی التوالي من الدرس الأول من الدورة التمهیدیة.