العلاقة الجوهرية بين الشيطان و نمو الإنسان وتقدّمه؛ هل الشيطان عائق أم دافع؟
إن الحياة رحلة دائمة نحو السعادة والنمو، لكنها لا تخلو من العقبات التي تعترض طريقنا. فما الذي نعتبره العائق الأكبر في رحلة تقدمنا؟ هل نرى الشيطان عدوًا حقيقيًا يمنعنا من النمو، أم أننا نُكنّ تجاهه شيئًا من اللامبالاة؟ وهل فكرنا يومًا في مصارعته؟ الأهم من ذلك، هل يمكن أن يكون الشيطان لدى البعض، لا مجرد عقبة، بل محفزًا للنمو والتطور؟
لا شك في أن الشيطان هو عدونا اللدود،[1] الذي أقسم على إغوائنا بشتى السبل، حيث يشنّ هجماته من جهاتٍ أربع: من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، بحسب ما جاء في القرآن الكريم[2].
في هجومه من الأمام، يُخيفنا الشيطان بالمستقبل، فيزرع في قلوبنا القلق والاضطراب. وفي هجومه من الخلف، يُثقِلنا بذكريات الذنوب والإخفاقات، ليُبقينا أسرى الندم والحزن على ما مضى. أمّا هجومه من اليمين، فيتسلّل من خلال كمالاتنا ونقاط قوّتنا، ليوقعنا في شرك الإعجاب بالنفس والغرور. وفي هجومه من اليسار، يغوينا بوساوسه نحو شتّى المعاصي. وهكذا، فإنّ الشيطان بهجماته الأربع يُدخلنا في دوّامة من الغفلة والهمّ والخوف، ليعوق نمونا ويصدّنا عن سعادتنا وراحتنا في هذه الدنيا.
قد يبدو الأمر صعب التصديق، لكن هناك مَن لا يكتفي بصدّ الشيطان ومنع عرقلته، بل يزداد قوّة وينمو من خلال مقاومته! ذلك لأنهم ينظرون إليه كخصمٍ تدريبي، وهذه النظرة في جوهرها صائبة. فالدنيا أشبه بصالة تدريب، والشيطان مجرّد خصمٍ يُسهم في تقوية عضلاتنا الروحية والعقلية، بل قد يكون بشكل غير مباشر سببًا في نمونا وتكاملنا إذا واجهناه بوعيٍ وثبات.
ولكن، ما المقصود بالنموّ واكتساب القوّة من خلال مواجهة الشيطان؟ وأيّ جزء من كياننا يَتقوّى في هذه المعارك الروحية؟ ولماذا يَزداد بعض الناس فقط قوّة في مواجهة الشيطان، بينما يتلقى الغالبية منه الضربات بشكلٍ مستمر، أو يستسلمون له بسهولة ودون مقاومة؟ تُسلّط هذه الأسئلة الضوء على جوهر الصراع مع الشيطان، وتدعونا إلى التأمّل في أنفسنا: ما الذي نملكه، وما الذي ينقصنا في طريق المواجهة؟ وهل نحن مستعدّون لتحويل المعركة إلى فرصة للنموّ، بدل أن تكون ساحة للهزيمة؟
الشيطان: الخصم التدريبي لبُعد الإنسان الروحي
إن هدف الشيطان هو إغواؤنا؛ فهو يتربّص بنا على الصراط المستقيم[3] لكي يمنعنا بهجماته الأربع من بلوغ كمالنا الإنساني. لهذا، يسعى الشيطان إلى ضرب جانبنا الإنساني، وإبعادنا عن معشوقنا الحقيقي، وهو الله عز وجل. وفي المقابل، فإننا بمجاهدتنا له ومواجهتنا لإغراءاته، لا نمنعه من تحقيق غايته فحسب، بل نزداد قوةً وثباتًا لأننا نتصارع مع هذا “الخصم المُدرِّب”.
وفي الحقيقة، فإن الشيطان يحاول أن يلهينا عن الأُنس بالله والتواصل معه، عبر تزيين الرغبات الدنيوية والكمالات الزائفة في نظرنا. وبما أن الشيطان هو خصم بُعدنا الإنساني، فإن الصراع مع إغراءاته وهجماته يُقوّي هذا الجانب فينا. فمن البديهي أن القوة في أي عمل تحتاج إلى تدريب، ففي الرياضات القتالية، لا يُمكن للرياضي أن يُحرز تقدمًا أو نموًا إلا عبر التدريب الشاق والمستمر. ويقوم المدرب في النادي بتحديد خصم تدريب لكل رياضي. وكلما كان الخصم أقوى وهجماته أشدّ، زاد الرياضي قوةً واقترب من هدفه. بل إننا نرى في بعض الأحيان أن الرياضي لا يرضى عن خصمه لضعفه، ويبحث عن خصم أقوى يتلقى منه ضرباتٍ أكثر وأشدّ. هكذا هي قصتنا مع الشيطان. فإنه يُمثّل في هذه الدنيا دور الخصم المُدرّب لنا، وكلما جاهدناه أكثر، ازددنا قوةً. ولكن هذا يحدث فقط شريطة أن نُدرك عداوته لنا، وأن تكون لدينا إرادة حقيقية وصادقة لمصارعته. وفي غير هذه الحال، ستكون المعركة من طرفٍ واحد، حيث يواصل الشيطان ضربنا وإضعافنا، مُبعدًا إيانا عن هدفنا الذي خُلقنا من أجله.
هجمات الشيطان: فُرصة أم تهديد؟
الشيطان: متى يكون تهديدًا حقيقيًا؟ ومتى يتحوّل إلى فرصة للنموّ والارتقاء؟ كما أشرنا سابقًا، الشيطان عدوٌّ لنا، يسعى جاهدًا إلى إضلالنا وإغراقنا في الغفلة. ولذلك، فمن الطبيعي والبديهي أن نُعامله كعدوّ حقيقي.[4] فإنّ هذه المواجهة اليومية مع الشيطان تُقوّينا يومًا بعد يوم. لكن يبقى السؤال: لماذا لا يأخذ الكثير منّا الشيطان على محمل الجدّ؟ ولماذا لا نُقاومه بجدّية، أو نجد أنفسنا نخسر أمامه باستمرار؟ قد يبدو الجواب مفاجئًا، لكن الحقيقة هي: لأنّنا لا نعرف أنفسنا كما ينبغي، ولا نُدرك أبعاد وجودنا وزواياه المختلفة. وهذا الجهل بالنفس يُوفّر للشيطان فرصة ثمينة، فيُضلّلنا ويُشوّه الحقائق أمام أعيننا، حتى تبدو لنا الأمور معكوسة ومقلوبة عن حقيقتها.
إن أخطر ما يقوم به الشيطان هو أنّه يُعيد ترتيب أولويّات الحياة في عقولنا وقلوبنا. فيُهمّش الأمور الأساسية، ويُعظّم القضايا الثانوية والهامشية حتى تبدو لنا كأنها الأهم. فيجعل روحنا عبدًا لجسدنا، ويُبرمجنا لننشغل من الصباح حتى المساء فقط بحاجاتنا وشهواتنا الجسدية، بينما تظلّ أرواحنا جائعة، ضعيفة، ومحرومة من الغذاء الحقيقي. كما أنه يُهيّئ لنا بيئة تجعل بُعدنا الإنساني وذاتنا الحقيقية خاضعين للغرائز الجمادية والنباتية والحيوانية، والعقلية المحدودة. وبذلك، لا نحرم أنفسنا من الوصول إلى هدف الخلق فحسب، بل قد لا نعود حتى نُفكّر في هذا الهدف أصلًا.
رغم كلّ ذلك، فإنّ كيد الشيطان ضعيف، ووساوسه وهجماته قابلة للكشف والمواجهة. فإذا اكتسبنا معرفة النفس، واعتنينا بروحنا ونفسنا عناية دائمة، انقطعت آمال الشيطان منّا، وقُطع دابر تأثيره علينا. فمتى ما تعرّفنا على “ذواتنا الحقيقية”، سيحكم بُعدنا الإنساني ذلك البُعد ماوراء العقلي على بقيّة الأبعاد في وجودنا، وسينتظم نظام الحبّ والأولويّات في قلوبنا ترتيبًا سليمًا ومتّزنًا.
في هذه الحالة، يتحوّل الشيطان بالنسبة إلينا إلى خصم تدريبي لا أكثر، وتصبح مواجهته سببًا في قوّتنا ونمونا، لا عائقًا أمامنا؛ كما هو حال المصارع الذي يزداد قوّة مع كلّ تدريب، ويقترب من ذروة لياقته وكفاءته كلّما كثُرت التمارين والمواجهات.
في هذا المبحث، بيّنا أن الشيطان هو عدونا المُبين، الذي يسعى من خلال هجماته المتنوعة إلى إبعادنا عن كمالنا الإنساني. لهذا، يجب أن نعتبره عدوًا حقيقيًا ونُصارعه بذكاء. فإذا فعلنا ذلك، سيُصبح هذا العدو بمنزلة مدرِّب لنا، لا يُعيق نمونا وتقدّمنا فحسب، بل على النقيض، يُعزّز قوتنا.
إن السبب في أن البعض لا يُجاهد الشيطان، أو يخسر أمامه باستمرار، هو أنهم لم يُعرّفوا أنفسهم كإنسان حقيقي بعد. أي أن بُعدهم الإنساني أو ما وراء العقل، لم يغلب بعدُ على أبعادهم الدنيا: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلانية. كما أن نظام المحبة في وجودهم لا يزال غير متوازن.
[1] سورة ص، الآیة 82
[2] سورة الأعراف، الآية 17
[3] سورة الأعراف، الآية 16
[4] سورة فاطر، الآية 6