دور معرفة النفس وتأثيرها في تحسين أسلوب الحياة
يعتقد معظمنا أننا نعرف أنفسنا حقا، والكثير منا قد لا يشعر بالحاجة إلى معرفة النفس على الإطلاق. بناءاً على هذا الاعتقاد نختار أسلوبا خاصا و نعيش حياتنا على هذا الأساس. الحقيقة هي أن السبب الرئيسي الذي يمنعنا من أن نشعر بالحاجة إلى معرفة النفس، و يحول دون أن نفكر بمراجعة معايير هذه المعرفة، هو أن معرفتنا لأنفسنا غير كاملة و تقتصر على جزء محدود من كياننا. والدليل على هذا الادعاء هو أننا كلما بذلنا جهدا كبيرا من أجل حياة أفضل، كلما انخفض شعورنا بالسعادة والسلام.
في بعض الأحيان، قد نعاني من الفشل والندم بسبب العديد من اختياراتنا وعلاقاتنا. حتى بعد أن نحقق نجاحا ماديا بعد سنوات من الجهد، و الوصول إلى مستوى جيد من الراحة والثروة والعلم والوظيفة والأسرة وكل ما تمنيناه، قد لا نزال نشعر بنقص من السلام الداخلي ونشعر أن شيئا ما مفقود. يحدث هذا لاننا لا نعرف انفسنا حقًا بما يكفي لاتخاذ القرارات الصحيحة، بل قمنا بتشكيل أسلوب خاص لحياتنا وفقا للمعرفة الخاطئة التي لدينا عن أنفسنا و احتياجاتها.
يتمحور موضوع هذا المقال حول مفهوم معرفة النفس و تأثيره على نمط حياة الإنسان. من خلال هذا سوف نتناول أسئلة مثل ما إذا كان هناك أسلوب حياة مثالي و الدور الذي يلعبه اختيار الأسلوب الأفضل في نيل السعادة و السلام في الحياة.
أسلوب الحياة
كل واحد منا، بسبب حبه الغريزي لذاته، يحاول جاهدا و يستخدم أفضل ما لديه من الأساليب والأدوات والإمكانات المتاحة لكي يحيا حياة سعيدة وسلمية حيث يمكنه من خلالها الشعور بالرضا والاطمئنان.
يمثل أسلوب حياة ) ( life styleکل فرد مظهرًا من احسن المناهج والآليات التي یعرفها نحو تحقيق حياة يرضى عنها. بعبارة أخرى، تتشكل عاداتنا و سلوكياتنا من خلال المعتقدات والمبادئ التي نتمسّك بها، والتي بدورها تحددها شخصيتنا الفردية التي اعتنقناها باعتبارها الوجه المهيمن لوجودنا.
إجابتك على الأسئلة التالية تحدد طريقة و أسلوب حياتك إلى حد ما:
- ما نوع الملابس التي تختارها؟
- ما هو طراز السيارة الذي تفضل قيادته وما هو الحي الذي ترغب الاقامة فيه؟
- ما أهمية الدراسة والرياضة في أنشطتك اليومية؟
- ما هي المنتجات التي تتضمنها عربة التسوق الخاصة بك عادة؟
- على ماذا تنفق دخلك؟
- ما مدى اهتمامك بإظهار حياتك على مواقع التواصل الاجتماعي؟
- ما مدى رغبتك في السفر والتواصل مع أفراد الأسرة والمجتمع؟
- إلى أي مدى أنت مهتم بالأمور الروحية؟
- إلى أي مدى تتابع القضايا السياسية لمجتمعك؟
نرى هنا أن جميع السلوكيات والاختيارات وحتى طريقة التحدث التي نقوم بها عن كلٍ من هذه الموضوعات التي ذكرناها هي تعبير عن نمط وأسلوب حياتنا. هذا الأسلوب هو الذي نتخيل انه الأصح و الذي نظن انه سوف يوصلنا إلى حياة مطمئنة و سعيدة.
يستخدم العديد من صانعي السياسات أسلوب حياة شعوبهم لتطوير سياسات اقتصادية وسياسية وعلمية وأخلاقية. و على هذا الأساس يوفر أسلوب حياة المجتمعات في الأمم أرضية جيدة للمنافسة الاقتصادية، وكسب المال، والصداقة، ممارسة الأعمال التجارية، والسلطة، واكتساب القوة والقيادة، كما أنه يؤثر على السياسات الخارجية و حتى علاقات أو العداء بين الدول.
ولكن، ما هي المعايير التي تحدد نموذجا لأسلوب الحياة الأمثل وما علاقة ذلك بمعرفة النفس؟
العلاقة بين أسلوب الحياة ومعرفة النفس
يسمح الشروع في رحلة اكتشاف النفس للفرد برؤية شخصيته الحقيقية وقيمته الفطرية، و هذا بدوره يحمي الفرد من الخضوع للرغبات والأهواء والإذعان لما يقدمه الآخرون له كأسلوب حياة ونموذج.
و السبب في ذلك هو ان أسلوب حياة كل فرد يتكون من مجموعة من المعايير والمبادئ التي يعتنقها. على هذا النحو، عندما ينظر المرء إلى أي اقتراح، يقوم بتقييمه وفقًا لهذا الإطار أولاً، ويقوم باختيار ما يتوافق و يؤيّد القيم و المعايير التي قبلها.
من الواضح أننا نصمم أسلوب حياتنا وسلوكنا الاجتماعي بعناية، ليس فقط للحفاظ على كرامتنا، ولكن أيضًا لتحقيق أقصى قدر من المزايا في جميع مجالات الحياة.
ولكن تحديد مفهوم كرامة الإنسان وإدراكه للمزايا والمصالح، وتعيينه لوسائل تحقيق النجاح في مختلف المجالات، منوطة بدرجة معرفة المرء بنفسه. هذه المعرفة هي التي تنير الطريق إلى قوتنا وتوجهنا نحو تحقيق العظمة في هذه المجالات.
إذا كان الإنسان لا يعرف من هو ومن أين أتى وإلى أين يتجه وماذا يريد من الحياة، إذا كان لا يعرف مواهبه وقدراته و فرصه وإمكانياته وأدواته للوصول إلى هدفه الحقيقي بشكل صحيح ودقيق، فإنه بالتأكيد لن يتذوق يوما طعم السعادة والسلام. إن إدراكنا للذات و اعتقادنا بها هو الذي یحدد في النهاية قيمتنا، و هذا ما يؤثر لاحقا على اختيار وتشكيل أسلوب حياة خاص لحياتنا.
إذا حصر المرء كرامته فقط في اطار كونه رجلًا أو امرأة، ما إذا كان متعلما و متزوجا، ذا مال ووظيفة وولد، ما إذا كان صاحب مكانة اجتماعية مرموقة كأستاذ أو رئيس، و يحسب حساب أنه سيموت في نهاية المطاف، فسوف يسعى جاهدا لتعديل أسلوب حياته لتحقيق هذه الأهداف فقط، و يحدد غايته في الوصول الى هذه الكماليات المنخفضة و يؤسس نظام حياته لتوفير هذه القيم و الكماليات معتقدا أنها هي الوحيدة التي يمكنها أن تزيد من قيمته. وإذا لم يتم تحقيق أي من هذه الأهداف يوما، فسيجد الحياة مظلمة ومريرة وفارغة.
لذا فإن الخطوة الأولى في تعيين وتشكيل أسلوب حياة مثالي هي أن تعرف “نفسك“.
هل نحن هادئون و سعداء؟!
مفتاح تحقيق حياة مليئة بالسعادة و الطمأنينة تكمن في اكتساب معرفة النفس. من يملك معرفة عميقة لنفسه بكل التفاصيل الدقيقة لرغباته واحتياجاته، يكن قادرا على اتخاذ قرارات حكيمة و ينتق أهدافه وطرق الوصول إليها بشكل صحيح.
الحزن والقلق هما من أكبر العقبات التي تعترض طريق الإنسان في الوصول إلى أهدافه في الحياة، و هما نتيجة اختياراتنا و علاقاتنا الخاطئة. هذه الخيارات الخاطئة التي نتخذها تكون نتيجة عدم معرفتنا لأنفسنا واحتياجاتنا الحقيقية. من خلال فهم قيمتنا و تنظيم أسلوب حياتنا وفقاً لذلك، يمكننا بثقة اتخاذ قرارات و تكوين علاقات بناءً على قيمتنا الحقيقية، و هذا ما يؤدي في النهاية الى الشعور بالرضا و التحرر من أي شعور بالندم أو عدم الارتياح.
هذا يؤدي بدوره الى أن نتخذ قرارا حازما ونختار دائما أسلوبا صحيحا لحياتنا. وبغضّ النظر عن نتيجة كل قرار ناتج عن الأسلوب الذي اخترناه لحياتنا، فانا سنظل نحترم هذه القرارات وندافع عنها.
لقراءة المزيد في هذا المجال، يمكنك الرجوع إلى مقالة “ كيف نعيش حياة سعيدة وهادئة بمعرفة النفس“