استتار الملكوت، خطوة في فهم ماهية الملكوت

جدول المحتويات
يؤدي استتار الملكوت بالنسبة للجنين إلى غفلته عن ملكوته الأصلي أي أمه

أين ملكوت الجنين وماذا يعني استتار ملكوت الجنين؟

لقد رصدنا جميعاً سباحة سمكة صغيرة في بركة ماء أو حوض صغير تسبح في أي اتجاه تشاء. لو كنا قادرين على فهم لغة هذا المخلوق وسألناه عن وجوده وحياته، لكان لديه الكثير ليرويه عن إتساع عالمه المحصور في هذه البيئة الضيقة. ما لا يشاهده هو عالم ليس له حدود يمتد حوله ويعتبر سبب استمرار حياته. إن هذا العالم الفسيح هو ملكوته، واستتار الملكوت هو من أحد سماتها المميزة.

يمثل وضع الجنين العائم في رحم الأم حالة مشابهة لتلك السمكة الصغيرة. يؤدي استتار الملكوت بالنسبة للجنين إلى غفلته عن ملكوته الأصلي أي أمه التي يعتمد كل وجوده عليها في كل لحظة. وإذا اطلعنا بتأمل عميق في وسعة الكون، سندرك أن الدنيا هي مدار واسع وساحر تحمل في طياتها أكوان صغيرة أخرى تُعرف بالرحم أو البيضة، لنشأة سائر الكائنات وتطورها. هذه الكائنات النامية، كالبذرة المخفية داخل قشر بذر صلب، أو حتى جنين الحيوان المحصور في فضاء البيضة، كل هذه الكائنات لا تملك إدراكًا لعظمة ملكوتها والعالم المحيط بها، رغم أنه ليس هناك مسافة بين الجنين وملكوته، إلا أنه غارق في ملكوته ولا يشعر بما يحيط به.

ما الذي يحرم الجنين من فهمه؟

عندما نقول إن الجنين محروم من فهم ملكوته ماذا نقصد بذلك بالضبط؟ ما هي الحقائق التي لا يمكن للجنين أن يدركها؟ لنعود ونلقي نظرة على بداية النص. ذكرنا أن الأم هي ملكوت الجنين، وعند توسيع الرؤية، تعتبر الدنيا ملكوت الجنين، وكما أشرنا في مقال “رؤية ملكوت الأشياء“، فإن قوة الملكوت وسيطرته تتدفق في جميع عناصر ومكونات العالم المادي. وبعبارة أدق، فإن الملكوت يعتبر مديرًا للعالم الفيزيائي.

الملكوت أو الميتافيزيقيا أو ما وراء ذلك هو حقيقة مخفية، وبالتالي، فإن الجنين مادام أنه يستمر بحياته في بيئة الرحم المحدودة، فهو محروم من فهم وجود الأم و حظنها الملئ بالحب والراحة والتربية، ويظل مقيدًا في فهمه المحدود لوجودها، ويكتفي بالتواصل المحدود من خلال الحبل السري معها مكملا مسيرة نموه في هذا الفضاء المحدود.

كل ما يوجد في هذا العالم تم خلقه للجنين، بينما هو غافل عنه. جمال الخلق، وعجائب السماء والأرض، وقوانين الحياة الاجتماعية وتعقيداتها، ومختلف المشروبات والأطعمة… لا يحمل أي منها أي معنى بالنسبة له. يبدو أن عدم الوعي بملكوت رحم الأم يحرم الجنين من فهم الكثير من اللذات وتجربة الكثير من المجالات والرقي فيها. يكفي فقط أن يخرج الجنين من عالم الرحم المحدود والمؤقت ليكتشف ما ينتظره من جمال وعجائب.

استتار الملكوت ليس عائقًا أمام رؤيته

تم وضع الدنيا في قلب عالم الغيب، حيث تستمد كل طاقتها وحركتها من الغيب. دعا الله الإنسان مرارًا إلى التأمل في عالم الغيب، وحثه على رؤية وفهم وجوده وتأثيره بوضوح. يسأل الله الكافرين في القرآن الكريم: “أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟”[1] إن استتار الملكوت ليس عائقًا أمام رؤيته، ولكن الصعوبة تكمن في رؤيته من قبلنا، تمامًا كما هو الحال مع الأسماك!

في يوم من الأيام سمعت سمكة صغيرة في البحر قول الطيور: “نشكرك يا رب على أنك خلقت الماء لنشرب منه.” لم تعرف السمكة الصغيرة ما هو الماء، لذلك طرحت هذا السؤال على والديها اللذین لم يعرفا بدورهما الجواب و استفسرا ذلك من الأسماك الكبيرة. لم يكن أحد في مدينة الأسماك يعرف ما هو الماء. امتلأ البحر تدريجيا بحديث الأسماك عن الماء، و بدأوا بجمع المعلومات عنه بفضول كلما ذُكر اسمه. سمعوا من لغة الحيوانات أن الماء هو من أهم العناصر الحيوية وأن حياة الكائنات الحية تعتمد عليه. فهموا أن الماء حلو وعذب وبارد ولطيف، ومليء بنعم لا حصر لها.

شعرت الأسماك بالإحباط والحرمان من هذه النعمة ظنا أنهم لم يروا الماء من قبل، وقرروا الانتقال إلى اليابسة بحثًا عن الماء. قررت أشجع الأسماك رمي نفسها نحو الشاطئ بقفزة عالية و هبطت بقوة على الرمال الساخنة، و لكنها أدركت فجأة أنه ليس بإمكانها التنفس و أن أجسادها تجف تحت أشعة الشمس، حينها وفي تلك اللحظة فقط، ادركت أن حياتها كانت دائمًا في الماء، و اضطرت أن تستخدم أنفاسها الأخيرة للعودة إلى الماء.

تماما كما أن الدنيا محيطة برحم الأم، فإن عالم الغيب محيط بالدنيا ويشمله. وكما أنه لا يوجد هناك مسافة فاصلة بين الدنيا والرحم، فإن العلاقة بين الآخرة والدنيا بالشكل ذاته. تفتقر عيوننا إلى القوة لرؤية البرزخ، لأننا لا نزال في رحم الدنيا ولم نُمنح القدرة اللازمة لرؤية البرزخ الذي له خصائص مختلفة عن الدنيا. إن عدم رؤية الملكوت وإدراكه بشكل منفصل عن الدنيا يشبه استتار الدنيا عن الرحم بالضبط.

ما هي الرسالة في استتار الملكوت بالنسبة لنا؟

إن عالم الکون يهمس لنا بأسراره وإذا أصغينا إليه بقلوبنا سنكتشف كنوزًا من الحقائق. على سبيل المثال، ندرك أن العالم المادي ليس سوى قطرة صغيرة في بحر الوجود اللانهائي، وأن الكثير منه يستتر خلف حدود حواسنا وإدراكنا. و أن وجودنا العابر في هذا الكوكب لا يشكل نهاية لمسيرتنا، بل إننا محاطون بملكوت لا نهائي. ومع ذلك، فإننا نبقى عاجزين عن فهم روعة وقرب هذه العظمة بسبب غبار العادة والغفلة التي تكتنفنا.

تختبئ رسالة الأخرى خلف ستار الملكوت بالنسبة لنا كبشر هي دعوتنا إلى التفكير في العظمة والمجد المحيطين بدخولنا إلى هذه الدنيا والخروج منها. يشبه هذا تمامًا فترة الجنين في رحم الأم، حيث يستخدم كل فرصة متاحة له لبناء وتطوير حياة أكثر اكتمالًا. يجب علينا أن نعد أنفسنا في فترة الحياة المحدودة في الدنيا، قبل أن ندخل ملكوت الآخرة المتقدمة.

لسماع رسائل الملكوت الملهمة، يكفي أن نحرر قلوبنا من قيود الأفكار المحدودة والعادات الخاطئة، تمامًا مثل الجنين الذي يغادر العالم المحدود في رحم الأم ويولد لكي يشعر بتلك اللمسات الروحانية من أعماق روحه ويتمكن من الاستمتاع بنعومة الملكوت في هذا العالم المادي.

إن لإدراك عجائب الحياة الأبدية جانب آخر قد يكون مخيفا، و هو عندما نكتشف أننا لم نستغل فرصة الحياة الدنيوية لإعداد أنفسنا للحياة في الآخرة. سنتطرق إلى هذا الجانب في الدروس اللاحقة.

استعرضنا في هذا المقال تفاصيل استتار الملكوت، حيث أننا  ألقينا الضوء على أنّ الجنين يمتلك حياة مؤقتة في رحم الأم، ولا يوجد فارق فاصل بين عالم الرحم وملكوته أو أمه. ورغم أن استمرار حياة الجنين يعتمد على وجود الأم، غير أنه لا يستطيع فهم أو تذوق جمال هذا الملكوت بسبب القيود والحواجز التي تحيط به إلّا بعد الولادة. أشرنا أيضًا إلى أن العديد من البشر يجد نفسه غارقا في عدم الفهم والانقطاع عن الملكوت بسبب إهماله لتطهير روحه. ولاريب أنّ هناك سبل عديدة لتصفية قلوبنا وفهم جوانب الملكوت، وسوف نستكشف هذه المواضيع بتأنٍ في المقالات القادمة.

ندعوكم للمشاركة والتعبير عن وجهات نظركم حول هذه القضايا.

[1] . الاعراف/185.

اكتب رأيك