علامات الغفلة عن الأبدية؛ هل يمكن اعتبار الغفلة عن الأبدية أمرًا بسيطًا؟
هل يمكن للإنسان أن يكون غافلاً عن الأبدية، كغايته القصوى، و داره الخالدة؟ وما عواقب تترتّب على هذه الغفلة؟ إنّ خطورة الغفلة عن أمرٍ ما تُقاس عادةً بأهمية ذلك الأمر نفسه؛ فكلّما كان الموضوع أعظم شأنًا، كانت الغفلة عنه أخطر وأفدح. ومن البديهي أنّ الإهمال في شؤون محافظةٍ بأكملها لا يُقاس بالإهمال في أمر حيّ صغير! وعلى هذا، فالغفلة عن الأبدية ليست مجرد سهوٍ عابر أو إهمالٍ سطحي؛ بل هي انقطاعٌ عن أساس يتوقّف عليه مصير حياتنا الخالدة، ومن المستحيل أن يُرجى لمن غفل عنها أن يبلغ السعادة الأبدية.
نحن عادةً نفسّر الغفلة بأنها غياب الانتباه عن هدف ينتصب أمامنا، وهو التشبّه بصفات الله تعالى، هدفٌ لا يتحقّق إلا في طريق الحياة الأبدية والخلود في الآخرة. فهل يُعقل أن يبلغ الإنسان هذه الغاية دون أن يضع نصب عينيه نهايته وغايته بوصفه كائنًا مخلّدًا؟
إنّ الغفلة عن الأبدية تعني أن يقطع الإنسان طريق الحياة دون أن يلتفت إلى مقصده، مع أنّنا في حياتنا اليومية لا نُقدم على رحلة طويلة دون أن نعرف وجهتها. فأيّ عقلٍ راجحٍ يقبل أن نسلك طريقًا لا نعرف منتهاه؟ فكما أنّ إعداد طعامٍ ما دون معرفة نوعه أمرٌ غير ممكن، والنجاح في امتحانٍ دون العلم بموضوعه أمرٌ مستحيل، فكذلك لا يمكن بلوغ هدف الخلق، ولا الفوز بولادةٍ آخرةٍ سليمة، ما دمنا غافلين عن الأبدية التي خُلقنا من أجلها.
لماذا نغفل عن الأبدية؟
إنّ أكثر أخطائنا وقراراتنا الخاطئة في الحياة تنبع من نظرتنا المغلوطة إلى ذواتنا ومن جهلنا بذواتنا الأصيلة. فمن الطبيعي أن الإنسان الذي يرى في نفسه مجرّد هذا الجسد المادي لا يستطيع أن يتصوّر لحياته امتدادًا يتجاوز الولادة والموت، ولا يمكن أن يُنتظر منه أن يسعى أو يتحرّك بدوافع تتناسب مع أفق الحياة الأبدية في الآخرة. إذن، أول شرطٍ للنظر إلى الأبدية هو أن نمتلك رؤيةً صحيحةً لأنفسنا؛ رؤيةً تُدرك أنّنا لسنا مخلوقاتٍ صغيرةً محدودة، بل كائناتٍ خُلقت للخلود والدوام. ومن الطبيعي أن الكائن الذي يحمل سمة الأبدية لا يمكن أن يُحصر في حياةٍ قصيرةٍ زائلة كحياة الدنيا، لأنّ هذه الدنيا عاجزةٌ عن تلبية حاجات الإنسان الحقيقية!
فالحق أنّ الدنيا ليست إلا رحمًا يُهيّئنا للانتقال إلى الدار الأصلية، إلى الموطن الذي هو مقصدنا النهائي. لكن تبدأ الغفلة حين ننسى أنّ هذه الدنيا ليست سوى رحمٍ مؤقّت، فنحسبها دارنا الأبدية وغايتنا القصوى. عندها ننسب ممتلكاتنا إليها، ونوجّه كلّ همّنا وجهدنا نحو نيل كمالاتها الزائلة، فنُسقِط أنفسنا من مقام الكائن الأبدي ذي الهدف اللامحدود إلى مرتبة المخلوق المادي الضيّق ذي الرغبات التافهة الدنيوية. إنّ حال من يغفل عن الأبدية يشبه حال جنينٍ ينسى أنّ وراء رحم أمّه حياةً أوسع وأجمل وأكمل، فينشغل بتزيين رحمٍ لن يلبث أن يُغادره بعد تسعة أشهر!
نتيجة عدم الإيمان بالأبدية
بغضّ النظر عن طبيعة شخصياتنا ومدى نشاطنا، فإنّنا بطبيعتنا نُفضّل حياة مفعمة بالحيوية والحركة على حياةٍ خاملةٍ باهتةٍ خاليةٍ من النشاط. غير أنّ هذا الحماس والدافع للحياة ينبع عادةً من هدف نرسمه لأنفسنا، ومن شعورنا بأنّنا نسير نحوه. فمن الواضح أنّ رياضيا يستعد لنيل بطولةٍ محليّة لا يمتلك القدر نفسه من الحافز والجهد الذي يبذله من يسعى إلى إحراز ميداليةٍ أولمبية.
فالطريق إلى الميدالية الأولمبية يتطلّب تدريبًا متواصلًا وعزيمةً على مستوى عالمي، وفي هذا المسار تكون أصغر غفلةٍ سببًا في فقدان اللياقة المطلوبة، أو الخروج عن الوزن المثالي، أو العجز عن بلوغ الهدف. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الفتور والكسل في مثل هذا الموضع لا يعنيان سوى الاستهانة بالهدف وعدم أخذه على محمل الجد، إذ إنّ الوصول إلى هذا المقصد العظيم لا يتحقّق إلا بجهدٍ منظمٍ متواصلٍ لا يعرف الانقطاع.
وهكذا الحال تمامًا في علاقتنا بالآخرة؛ فكلّ تهاونٍ أو كسلٍ في الاستعداد لها وللحياة الخالدة فيها ليس إلا علامةً على ضعف الإيمان بالأبدية وعدم تصديقنا بحقيقة الخلود. فالحق أنّ الغفلة عن الآخرة تشبه غفلة الجنين في رحم أمّه عن الحركة والنمو؛ فكما أنّ توقفه عن النشاط يُفضي إلى ضعفٍ وعدم تأهّلٍ لحياة الدنيا، كذلك غفلتنا نحن عن الآخرة، ونحن في طريقنا نحوها في مسيرةٍ دائمةٍ من التكوين والتكامل، تُورِثنا خسارةً أبدية لا تُعوَّض.
علامات الغفلة عن الأبدية
من الطبيعي أنّ الإيمان بهدف عظيم وخالد، أي الأبدية، يقودنا إلى الاستعداد لهذا الهدف والعمل على بلوغه. لكن كيف ندرك أنّنا في مسار حياتنا وأهدافنا قد أغفلنا عن ذلك الهدف السامي؟ فيما يلي بعض العلامات التي تدل على غفلةٍ قد تحرمنا من ولادةٍ صالحةٍ إلى الآخرة:
- إذا كنّا غافلين عن الأبدية، نفقد القدرة على مواجهة النقصات والمصاعب في حياة الدنيا، ولأنّنا نعدّ الدنيا مصدر كل آمالنا وطموحاتنا، نصبح أسرى الحزن والقلق والتشويش.
- نفقد أولوياتنا في السعي إلى الكمال، لأن تعريفنا لذواتنا يصبح محدودًا، ولا نأخذ الحياة الأبدية في الحسبان، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا نسعى للكمالات الدنيوية الدنيا، التي لا ترتقي إلى مستوى روحنا الأبدية.
- فقداننا لمعايير صحيحة يجعلنا نندم على أشياء لا تستحق الحزن عليها، ونسعى وراء أشياء لا تناسب أبديتنا ولا تلعب أي دور في حياتنا الخالدة.
إلى جانب علامات الغفلة، هناك معاييرٌ تساعدنا على تحديد ما إذا كنا غافلين عن الأبدية أم لا. ومن أهم طرق التحقق من ذلك النظر إلى أحبابنا واهتماماتنا العليا؛ فإذا كان الله تعالى، وأهل البيت عليهم السلام، والجهاد في سبيل الله، في صدارة أولوياتنا واختياراتنا وعلاقاتنا، يمكننا عندها أن نطمئن إلى أنّنا لم نغفل عن الأبدية.
كما أنّ أحوالنا النفسية وسلوكياتنا اليومية تكشف نوعية سيرنا في الحياة، والمراجعة المستمرة لنفسنا تمنحنا الوعي اللازم لمعرفة ما إذا كنا نتقدم يومًا بعد يوم نحو الهدف الذي خُلقنا من أجله أم لا.