ما هو أسلوب الحياة الإنسانية وما هي خصائصه؟

جدول المحتويات
ما هو أسلوب الحياة الإنسانية وما هي خصائصه؟

هل هناك سبب أو ميزة خاصة لاختيار أسلوب الحياة الإنسانية؟

أسلوب الحياة أو “لايف ستايل” هو أحد المفاهيم التي تمتد عبر مختلف المجالات، بدءًا من علم النفس وعلم الاجتماع إلى السياسة والطب والرياضة وحتى الروحانية. ببساطة، أسلوب الحياة يمثل مجموعة العادات والسلوكيات والاختيارات والعلاقات والأفكار التي تشكّل طريقتنا في عيش الحياة.

تتعدد تصنيفات نمط الحياة بناءً على السياق الذي يتم دراسته فيه، فنجد أنماطًا مثل: الريفي، البدوي، الحضري، الشرقي، الغربي، الإيراني، الإسلامي، الصحي، غير الصحي، الفردي، الاجتماعي، والديني.

في الدروس السابقة، تطرّقنا إلى الإنسان وأبعاده الخمسة(تعریف أبعاد الوجود الإنساني؛ هل لدى الإنسان بعدًا آخر غیر البعد الجسدي؟): الجسدية، النباتية، الحيوانية، العقلية، والإنسانية. بناءً على هذه الأبعاد، يمكن تصنيف أنماط الحياة إلى خمسة أنواع: الجمادي، والنباتي، والحيواني، والعقلي، والإنساني. وبما أن الجانب الحقيقي من وجودنا هو الجانب ما وراء العقلي أو الإنساني، فإن نمط الحياة المرتبط به، أي أسلوب الحياة الإنسانية، هو الأكثر صحة وحقيقة، وهو الخيار الأمثل الذي يمكن أن نسعى إليه.

خلقنا الله بهدف سامٍ: أن نتشبّه بصفاته العُليا. وإذا كان نمط حياتنا لا يقودنا نحو هذا الهدف، فإن علينا أن نعيد النظر في خياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا وحتى طريقة تفكيرنا. أعظم خطوة نحو أسلوب الحياة السليمة والإنسانية هي أن ندرك أن الله هو المربي والمرشد، وأن نستسلم لإرادته وخياراته بطمأنينة ورضا.

يتطلب اختيار أسلوب الحياة الأنسب فهمًا لخصائص كل نمط، حيث يتميز كل منها بسمات ومتطلبات خاصة. ما يجعل نمط الحياة الإنساني فريدًا هو أنه، نظرًا لاتساع أبعاد وجود الإنسان، فإنه يحتوي على عناصر متعددة. في هذا الدرس، سنلقي نظرة مختصرة على بعض خصائص هذا النمط، لنساعدك على تقييم نمط حياتك ووضع حجر الأساس لحياة أكثر اتزانًا وقربًا من الكمال الإنساني.

التوازن: انعكاس أسلوب الحياة الإلهية

إحدى أهم خصائص أسلوب الحياة الإنسانية هي تحقيق التوازن والتغذية المناسبة للأبعاد الوجودية. يكون الإنسان في حالة توازن عندما تكون إدارة ورئاسة وحكم الجوانب الدنيا من وجوده تحت سيطرة الجانب ما وراء العقلى. هذا التوازن الداخلي ينعكس خارجيًا في سلوكياتنا وأفعالنا وأفكارنا وعلاقاتنا واختياراتنا، وباختصار، في نمط حياتنا ككل.

في الدروس السابقة، عند الحديث عن خصائص الإنسان الطبيعي والمتوازن، ذكرنا أن ثلاثة محبوبات تحتل القمة في حياة مثل هذا الإنسان: الله، وأهل البيت، والجهاد. يتجلى ظهور هذه الخصائص في الواقع عندما نتمكن في اللحظات الحاسمة من تفضيل رغبات الجانب ماوراء العقلي على طلبات الجوانب الدنيا من وجودنا. على سبيل المثال، خلال فترة الحرب بين إيران والعراق، رفض العديد من طلاب العلم المشاركة في الحرب بحجة الدراسة واكتساب المعرفة، والتي تُعتبر كمالاً عقلياً. بينما في تلك الظروف، كان الواجب الأساسي للجميع هو الجهاد، وليس تقديم الدراسة على هذا الواجب الأعلى.

لقد قدّم الله لنا العديد من النماذج كمرشدين يمكننا من خلال الاقتداء بهم أن نميز واجبنا في مختلف الظروف. تُعد واقعة عاشوراء مثالًا كاملًا على ورشة عمل عملية لفهم نمط الحياة الحقيقي والإنساني. في هذه الواقعة، تمكن الأفراد من التضحية برغباتهم الدنيوية الدنيا في سبيل المحبوبات الثلاثة الرئيسية. لم يمنع العطش، الجوع، الجروح، حب الأبناء، الأسرة، المال، المنصب، وغيرها من الأمور أولئك الأفراد من تقديم أرواحهم بكل حب وعشق لمعشوقهم الأعلى.

إن فرص الاختيار متاحة أمام الجميع في كل وقت، حيث يواجه كل فرد منا مواقف تتطلب منه اتخاذ قرارات بين خيارات متعددة. هذه القرارات تتأثر بشكل كبير بطبيعة وجودنا وأسلوب حياتنا. ومع الأسف، نجد أن الكثير من الناس يضحون بجزءهم الإلهي الأصيل من أجل الحفاظ على الجوانب وجودهم الأدنى، سواء كانت جمادية، نباتية، حيوانية، أو حتى عقلية.

لابد لنا أن نسطر خطط حياتنا العلمية والدينية والترفيهية والاقتصادية، بطريقة تجعلنا نتصرف بثقة وحزم عند اتخاذ القرارات، بعيدًا عن التردد والتذبذب. ولن يتأتى لنا ذلك إلا بتغذية جميع جوانب وجودنا تغذية متوازنة، بحيث لا تثقل علينا أية جانب عند الحاجة إليه. فكل ما نستهلكه من معارف وأفكار يجب أن يساهم في تقريبنا من هدفنا الأسمى و وتنسيق نمط حياتنا مع معشوقنا الرئيسي.

إذا أهملنا العناية بالأبعاد الأدنى من وجودنا و تغذيتها، مثل الترفيه، والصحة الجسدية، واكتساب العلم، أو تجاوزنا حدود الاعتدال فيها، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى إضعاف تغذية الجانب الإنساني وماوراء العقلي. وعندها، قد تهيمن الأبعاد الأدنى على وجودنا مما يجعلها تتحكم في اختياراتنا وأفعالنا. في مثل هذه الحالة، حتى الأنشطة العلمية والثقافية، قد تتحول إلى عقبات تمنعنا من الوصول إلى هدفنا النهائي.

المحبة: روح أسلوب الحياة الإلهية

المحبة هي أحد الركائز الأساسية التي تكشف لنا ملامح أسلوب حياتنا. في نمط الحياة السليمة والإنسانية، يكون الحب واللطف هما الجوهر، حيث ينمو الحب ويتعمق مع تطور الإنسان ونضجه. هذا النمط من الحياة يفرض علينا التعبير عن الحب والاهتمام العاطفي بأفراد أسرتنا، فلا يمكننا التهرب من هذا الواجب تحت ذرائع مثل الانشغال بالدراسة أو الالتزامات الاجتماعية والسياسية.

عندما نختار الله كمعشوقنا الأول والأسمى، فإن حبنا تجاه الآخرين يصبح أكثر عمقًا ونقاءً في ظلال هذا الحب الإلهي. على سبيل المثال، الحياة الزوجية المبنية على حب الله تختلف جذريًا عن تلك التي تعتمد فقط على حب الزوج أو الزوجة، لأن حب الله يمدنا بالقوة، ويمنحنا طاقة روحية تعزز مشاعر الحب وتضفي نشاطًا على حياتنا بأكملها.

إذا كان حب الله يجري في قلوب أفراد عائلتنا وكان نمط حياتنا إنسانياً، فلن نشعر بالتكرار في علاقتنا مع بعضنا البعض. كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ إِيمَاناً ازْدَادَ حُبّاً لِلنِّسَاءِ.[1] بالطبع، كلمة “النساء” في حديثه تشمل الرجال والأبناء والآباء والأمهات والأصدقاء والناس جميعاً. لذا فإن إيماننا ونمط حياتنا السليمة يوجهاننا نحو مزيد من الحب والعطاء. كلما زاد إيماننا، زاد مقدار الحب والاهتمام الذي نشعر به تجاه شريك حياتنا، وأفراد أسرتنا، وحتى الحيوانات والنباتات وسائر مخلوقات العالم.

الولاية: ثمرة أسلوب الحياة الإلهية

من أبرز خصائص أسلوب الحياة الكاملة والإنسانية هو محورية الولاية. في هذا النمط، تُبنى المعايير والموازين التربوية بحيث يكون الهدف من كل اختيار أو علاقة أو سلوك أو فكر هو تحقيق رضا الولي والإمام. هذا المفهوم يضفي بُعدًا خاصًا على جميع قراراتنا في الحياة، مثل اختيار التخصص الدراسي، الوظيفة، شريك الحياة، مكان الإقامة، الأصدقاء، وغير ذلك من الخيارات اليومية.

وفقًا لتعريف أسلوب الحياة القائم على محورية الولاية، فإن عمق علاقتنا بإمام زماننا (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وحرصنا على إزالة العقبات التي تعيق ظهوره يصبحان عاملين أساسيين في حياتنا.

إذا كنا نبحث حقًا عن نمط حياة صحي وإنساني، فيجب أن يكون الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) محور حياتنا. هذا يعني أن نسأل أنفسنا باستمرار: أين نحن من جيش الإمام؟ ماذا قدّمنا للتخفيف من أعبائه؟ وما الذي فعلناه لإزالة العقبات التي تعيق ظهوره؟ وكيف ترتبط حياتنا الشخصية بمشروعه العالمي.

إن السبيل الوحيد للنجاة في عصر آخر الزمان هو أن يسعى كل واحد منا، حسب قدراته واستعداداته، لإزالة العقبات التي تعيق ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). عندما ننظم نمط حياتنا بما يتماشى مع إمام زماننا ونقترب منه، تُعالج جميع نقصوصنا وتُعوّض كل احتياجاتنا.

إذا اختار جميع الناس أسلوب حياة صحيًا وإنسانيًا قائمًا على نظام المحبة الإلهي، فلن تكون هناك حروب أو خلافات على الإطلاق. هذا المجتمع المثالي والمتقدم سيظهر تجليًا واقعيًا عند ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه). فأينما وُجدت صراعات أو نزاعات، يكون السبب الأساسي هو الأنانية. أما ما سيقوم به الإمام فهو تنظيم نظام المحبة بين البشر، حيث تُزال الأنا ويُفسح المجال لله ليكون محور حياتنا.

تناولنا في هذا الدرس بإيجاز ثلاث خصائص أساسية لأسلوب الحياة الإنسانية: التوازن، والمحبة، والاهتمام بنصرة الإمام. فعندما تتحقق سيادة الجزء ماوراء العقلي في كيان الإنسان، تنسجم القوى الداخلية ويصل الإنسان إلى حالة من التوازن. هذا التوازن يوجّهنا في حياتنا نحو أفضل الاختيارات والعلاقات والسلوكيات والأفكار. أما المحبة واللطف فهما من أبرز علامات نمو الإنسان ونضجه. فكلما ازداد تطورنا الروحي، ازدادت محبتنا للآخرين من حولنا. وإذا كان أسلوب حياتنا حقيقيًا وإنسانيًا، فلا بد أن يكون لدينا اهتمام عميق بنصرة إمامنا. هذا الاهتمام يدفعنا إلى التفكير في نصرة الإمام عند كل اختيار نقوم به أو علاقة نكوّنها، واختيار الطريق الذي يساعد في إزالة العقبات أمام ظهوره.

يمتلك أسلوب الحياة الإنسانية العديد من الخصائص والميزات، وقد أشرنا فقط إلى بعض منها. ماذا تعرفون أنتم عن هذا النمط من الحياة؟ يسعدنا أن تشاركونا آراءكم وتجاربكم!


[1] مغربی، قاضی نعمان، دعائم الإسلام، ج ‏2، ص 192.

اكتب رأيك