من هم أصحاب قلوب أقسى من الحجارة؟
هل تعلم شيئاً عن قسوة القلب وعلاماتها؟ وماذا عن القلب الأقسى من الحجارة؟ قد يبدو غريباً ويُثار التساؤل: هل يمكن أن يكون شيء ما أشد قسوة من الحجر؟ نعم، هذا ممكن. فبعض القلوب تبلغ من الصلابة والانغلاق درجةً تُوصف بـ “قلوب أقسى وأشد من الحجارة”. دائماً ما تُشبَّه أشد الأشياء صلابة بالحجر، لذا، فعندما يُقال قلب أقسى من الحجر، يكون المقصود هو أوج الصلابة والقسوة في ذلك القلب. وقد تحدثنا سابقاً عن قسوة القلب كمرض روحي وقلبي وعن سبل علاجه، وهذا المبحث هو استمرار لذلك النقاش، ولكن هذه المرة ننظر إليه من منظور تقسيمات قرآنية.
ذكرنا أن القرآن الكريم يقسم الفاسقين بناءً على البنية الباطنية والبعد الغالب في وجودهم إلى عدة مجموعات، فالفئة الأولى أولئك الذين يهيمن البُعد الحيوانيّ على قلوبهم، والفئة الثانية من يغلب عليهم أثر الكمالات النباتية، والفئة الثالثة أولئك الذين استسلموا لجاذبية الكمالات الجمادية، أمّا الفئة الرابعة فهم الذين، نتيجةً لشدّة انحرافهم وذنوبهم، صار باطنهم شيطانيًّا. وبين هذه الفئات تبرز طائفةٌ وصفهم الله تعالى بأنّ قلوبهم أشدُّ قسوةً من الحجارة. وإنّ هذا القلب الذي هو أشدّ من الحجر يعادل في معناه قسوة القلب التي تحدّثنا عنها سابقًا، إلا أنّ القسوة هنا لا تعني مجرّد أن يصير القلب كالحجر، بل هي أعمق من ذلك بكثير وأشدّ.
لو كنت من محبّي التأمل في الطبيعة لرأيت حتمًا صخورًا تشقّقت وخرجت من بين شقوقها ينابيع وعيون وأنهار، وقد ذكر الله تعالى في الآية الرابعة والسبعين من سورة البقرة هذه الخصيصة الإيجابية في الحجارة، «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ…»
فقال إنّ الحجر، رغم شدّته وصلابته، قد ينشقّ أحيانًا فيتفجّر منه الماء، غير أنّ بعض القلوب البشرية لا تملك حتى هذه الدرجة من القابلية والنفاذ. فالحجارة، كما أخبرنا الله تعالى، تملك قدرًا من الإدراك والشعور يتناسب مع طبيعتها، وهي تسبّح الله وتحمده كما يليق بعقلها وإدراكها، وأولياء الله تعالى وأصحاب المكاشفات والكرامات قادرون على سماع تسبيح الحجارة والجمادات، وقد رُويت في هذا الشأن عنهم قصص كثيرة، ولهذا فإنّ للحجارة كمالاتٍ أيضًا، كما أنّ الله تعالى يقول في تتمّة الآية إنّ من الحجارة ما يهبط من خشية الله، ومع ذلك فإنّ بعض القلوب البشرية، مع سماعها لاسم الله، لا تتحرّك فيها ذرّة، ولا تهتزّ البتّة! هذه الآية الكريمة إنما تتحدّث عن قسوة قلوب بني إسرائيل الذين، على الرغم من مشاهدتهم للمعجزات والنِّعم الإلهية، أصرّوا على العناد واللجاج، وسلكوا طريق الجحود والمخالفة.
إنّ قسوة القلب قد تنشأ نتيجةَ تغلّب أيٍّ من الأبعاد الأربعة – الجماديّ أو النباتيّ أو الحيوانيّ أو العقليّ – على الجانب الإنسانيّ في باطن الإنسان. فمثلًا، من كان كلّ تفكيره وانشغاله منصبًّا على جمع المال وادّخار الثروات وشراء الفلل الفاخرة وتحديث سيارات فارهة وتكديس الجواهر، فإنّ البُعد الجماديّ هو الغالب عليه، فيقسو قلبه تبعًا لذلك. ومن كان أسير شهوة الجاه والرئاسة، يسعى وراء المنصب والعلوّ مهما كان الثمن، فإنّ البُعد الحيوانيّ هو الذي يهيمن عليه، فيغدو قلبه قاسيًا متحجّرًا. ومن كان مولعًا بكتب ومقالات ومؤتمرات ومناصب أكاديمية، لا حبًّا بالعلم لوجه الله، بل رغبةً في السمعة والشهرة والمكانة، فإنّه عندئذٍ خاضعٌ لغلبة البُعد العقليّ، فيقع في القسوة. بل إنّ الانشغال بالعبادة نفسها، وبأشكال ومظاهر مقدّسة منها، إذا شغل الإنسان عن الله وجعله غافلًا عن المقصود الحقيقيّ منها، كان بدوره من أسباب قسوة القلب.
علامات قسوة القلب
في الحالة الطبيعية، كلُّ جانبٍ من جوانب وجودنا يعشق نظيره ويجد لذّةً في وصاله والأنس به؛ فالميول إلى المال والثروة تنتمي إلى الجانب الجماديّ فينا، والميل إلى الجمال من خصائص الجانب النباتيّ، والرغبة في الجنس الآخر تابعةٌ للبعد الحيوانيّ، أمّا الشغف بالعلم والمعرفة فهو من صفات الجانب العقليّ. وبناءً على ذلك، فإنّ القلب السليم ينبغي أن يجد لذّته الكبرى في الخلوة والوصال بمعشوقه الحقيقيّ، أي بالله سبحانه وتعالى. فإذا لم يكن القلب يجد سرورًا في الأنس بالله، فذلك دليلٌ على أنّه قد أُصيب بدرجاتٍ من القسوة، وإنْ لم يُبادَر إلى علاجها سريعًا وتُركت حتّى تتقدّم، فقد تبلغ مرحلةً يصعب فيها الشفاء.
جميع الأمراض تبدأ عادةً بإنذارٍ أوّليّ وفي مرض قسوة القلب تعدّ اللامبالاة بذكر الله وبالأسرة السماوية هو الإنذار الأوّليّ. فمَن يجد في احتساء فنجان شاي، أو مشاهدة مباراة كرة قدم، أو حضور جلسةٍ مع الأصدقاء، أو قراءة كتابٍ علميّ، أو مشاهدة فيلمٍ سينمائيّ، متعةً تفوق ما يجده في خلوته ومناجاته مع الله، فليعلم أنّ قلبه مريض، وأنّه خرج عن حال التوازن.
إنّ قسوة القلب تعمل على نحوٍ يشبه أمراض المناعة الذاتية؛ ففي الحالة السليمة، يفرّق الجسم بين خلايا ذاتية وعوامل غريبة، فلا يهاجم إلاّ أجسام دخيلة كمُمْرِضات وفيروسات ونحوها، أمّا في أمراض المناعة الذاتية، فإنّ الجسم يختلّ في التمييز بين النافع والضار، فيهاجم خلاياه الخاصة بدلًا من أجسام غريبة. وهكذا تمامًا تعمل قسوة القلب.
فمن ابتُلي بقسوة القلب، يضيع عليه التمييز بين الحقّ والباطل، ويعجز عن إدراك ما يصلح له، فيغدو نظره محدودًا بهذه الحياة الدنيا القريبة، بدل أن يتوجّه إلى أبديّته ونجاته هناك. فتراه يلهث ليلًا ونهارًا ليتقدّم على غيره، بأيّ ثمنٍ كان، باحثًا عن الشهرة، أو المال، أو المنصب، حتى ولو أدّى ذلك إلى سحق حقوق الآخرين والتجاوز عليهم. غير مدرك أنّه بهذه الأفعال يدمّر مصيره الأبديّ، ويجرّ على نفسه عذابًا شديدًا. من قسي قلبه، بدل أن يسعى إلى رضا الله تعالى، يبيع نفسه للناس، فيتسوّل عاطفتهم واهتمامهم، ويرضى بأن يضع كرامته وعزّته تحت الأقدام، في مقابل لمحة إعجابٍ أو كلمة ثناءٍ من هذا أو ذاك.
وللأسف، حين تبلغ قسوة القلب مراحلها المتقدّمة، يصبح العلاج شبه مستحيل، إذ إنّ القلب الذي صار أقسى من الحجر لا يتقبّل أيّ موعظةٍ أو نصيحةٍ بعد ذلك، ولا يتأثّر بآيةٍ ولا بكلمة حقٍّ مهما كانت بليغة.
فما رأيكم أنتم؟ برأيكم، ما العلامات الأخرى لقسوة القلب؟
نحن بشوقٍ لسماع آرائكم القيّمة.