ما هي أهم مبادئ وقواعد التفكّر البنّاء للإنسان؟
لا يولد أحدٌ سارقًا أو مجرمًا أو قاتلًا. كل الذنوب الكبيرة تبدأ بفكرة ملوّثة بسيطة قد تبدو غير ضارة في البداية، ولكن إذا نمت دون رادع وتحولت إلى فعل، فإنها قد تؤدي إلى أعمال تدمر ليس فقط حياة الفرد بل وأيضاً حياة من حوله. وكذلك فإن كل رحلة توبة تبدأ بفكرة نيرة بسيطة، قد تكون مجرد ومضة في البداية، ولكن إذا تم أخذها بجدية، فإنها تستطيع التكفير عن الماضي الأسود بالكامل وتمهد أمام الشخص طريقًا جديدًا مشرقاً. إن قوة أفكارنا هائلة، فهي تمتلك القدرة على البناء والهدم على حد سواء. إن أفكارنا تشكّل جوهرنا الداخلي، وإننا لا نُصبح في النهاية غير ما نفكر فيه.
نحن البشر في حالة تفكير دائم، ولا تخلو عقولنا من الأفكار ولو للحظة. لكن من المؤكد أن كثيرًا من هذه الأفكار إما أنها عديمة الجدوى ولا فائدة منها، أو أنها ضارة وخطيرة. فهي لا تضيع أوقاتنا فحسب، بل أنها قد تعرض صحتنا النفسية للخطر. لذلك، فإن من الطبيعي أن الأفكار ليست جميعها مفيدة وبناءة. الأفكار الوحيدة المفيدة هي تلك التي تساعدنا على تطوير ما وراء العقل وتنمي الجانب الإنساني، وتقرّبنا من محبوبنا الأساسي، وهو الله سبحانه وتعالى. هذه الأفكار هي التي تخلق فينا فرحًا وسكينة دائمتين وتضمن لنا السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة. التفكّر هو الخطوة الأولى قبل العمل، فإذا كان التفكّر خاطئًا، كانت الأعمال خاطئة أيضًا. لإصلاح أعمالنا، علينا أولاً أن نعمل على إصلاح أفكارنا.
في هذا الدرس سوف نتحدث عن مبادئ وقواعد التفكّر البنّاء للإنسان. بمعنى آخر، سنتحدث عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الأفكار لكي تساهم في تطورنا الإنساني. إن مبادئ وقواعد التفكير الإنساني هي أكثر بالتأكيد، ولكن ما سوف نقدمه هي الأهم.
وقت للتفكير
من أهم مبادئ وقواعد التفكّر البنّاء للإنسان هي توفير الظروف اللازمة لها. نحن لسنا معتادين بالعادة على تخصيص وقت منفصل للتفكير، لذلك فقد يبدو هذا الخيار غريبا بالنسبة لنا. ولكن الحقيقة هي أن النفكّر يتطلب الصمت والعزلة والتركيز، ومن المستحيل أن نفكّر بتركيز بالقضايا المهمة والتوصل إلى نتيجة وسط الانشغال.
إن الانخراط في التفكير يتطلب شجاعة يفتقر إليها الكثير منا. فنحن نميل إلى تفضيل العمل على التأمل والتفكّر، لأن عملية التفكير تجبرنا على مواجهة ذاتنا الحقيقية ــ وهي مهمة شاقة يتجنبها الكثير منا.
ونتيجة لهذا، فإننا كثيراً ما نغرق أنفسنا في الأعمال عملية، مثل أداء أعمال العبادة، بدلاً من خلق الظروف التي تجعلنا نفكر في أنفسنا. في حين أن التفكّر أكثر فعالية من العمل، ولهذا السبب يقولون؛ تفكّر ساعة خير من عبادة سنة.
التفكّر بناءً على الذات الحقيقية
أحد المبادئ والقواعد في التفكير هي مراعاة مصلحة الذات الحقيقية. في هذه الأيام، ازدادت الدعوات التي تحثنا على استخدام قوة التفكير، أكثر من أي وقت مضى. وامتلأت واجهات المكتبات، واللوحات الإعلانية في المدن والقنوات والصفحات الإلكترونية وغيرها، بالندوات والدروس والكتب التي تعلم الأفراد كيفية استخدام قوة التفكير والإيحاء لتسخير نظام الكون، أو حسب تعبيرهم، “الكائنات” لتحقيق المصالح المادية.
مدى مطابقة هذه الطرق للواقع، ومدى أخلاقيتها وإنسانيتها أو أهدافها، ليس هو موضوع نقاشنا الآن، بل إن المسألة الأساسية هي مدى توافق هذا النوع من التفكير مع مصالح الذات الحقيقية. السؤال هنا هو: هل تقربنا هذه الأفكار من ذواتنا أم تبعدنا عنها؟ هل تؤدي إلى نضوج الجانب الإنساني فينا أم أنها تحولنا فقط إلى حيوانات ذكية ثرية وقوية؟
من الطبيعي أن التفكّر الإسلامي لا يعارض الأفكار التي تنتج الثروة والقوة والنجاح والعلم؛ بل ويشجع عليها، مع شرط أساسي وهو أن التفكير في أي موضوع يجب أن يتطابق مع الذات الحقيقية، ومنبثقًا منها وفي طريق تكاملها، وإذا لم يكن الأمر كذلك فإنه مجرد خسارة، حتى لو بدا أنه يحقق النجاح ظاهريًا. هذا المبدأ لا ينطبق فقط على قوانين النجاح، بل يشمل جميع اختياراتنا وعلاقاتنا و تصرفاتنا وأفكارنا.
إن تشخيص الأفكار التي تحقق مصلحة الذات الحقيقية ليس له طريق سوى معرفة النفس. إذا لم نكتسب معرفة كافية بجميع أبعاد وجودنا، ونستطيع التمييز بين الأبعاد الطبيعية والإنسانية، لن نتمكن من فهم ما هو في مصلحتنا وما هو ضدها. صحيح أننا خُلقنا أحراراً ولنا حرية اختيار الطريقة التي نفكر بها، ولكن هل يحق لنا ذلك حقاً؟ بالطبع لا. فأمامنا حياة أبدية مستمرة ولابد لنا أن نكتسب أدوات تلك الحياة من هذه الدنيا ونأخذها معنا. هناك العديد من الأفكار التي تتعارض مع إنسانيتنا، وتُحط من قدرنا إلى مستوى الحجر أو الخشب أو النبات أو الحيوان. إذا تركنا العنان لأذهاننا، كقافلة على الطريق ونستقبل جميع أنواع الأفكار، فسوف نصبح عبيداً لأفكارنا، وبالتالي ستقوم هي بامساك زمام أمورنا وتوجهنا إلى أي اتجاه تريده.
إزاحة حجاب العادة
من المبادئ والقواعد الأخرى للتفكير البنّاء، هو إزاحة ذلك الستار الثقيل المعروف باسم “حجاب العادة”، والذي يحجب ادراكنا و يمنعنا من رؤية حقيقة الأشياء كما هي، ويعيقنا عن الوصول إلى باطنها وفهم الغاية من خلقها. تُكتسب العادات نتيجة تكرار مشاهدة الظواهر بشكل مستمر، مما يجعل أكثر جوانب الخلق روعة واستثنائية تبدو عادية لنا. ولكن إذا كان التفكير قائماً على أسس صحيحة ومبنيًا على معرفة النفس، فإن ذلك يزيل حجاب العادة مع مرور الوقت من أمام أعيننا ويكشف لنا عن باطن العالم.
عندما ننظر في المرآة، لا نرى إلا انعكاس الأشياء، فالمرآة ليس لها شيء من ذاتها، بل هي إنها مجرد أداة عاكسة. الكون هو كذلك أيضاً، و كل ظاهرة ليست هي إلا مرآة تعكس صورة خالقها، ويُظهر كل منها جانبًا من جماله. إذا لم ندرك هذا الأمر، سوف ننشغل بالظواهر بحد ذاتها؛ وعندها يفقد تفكيرنا قدرته الإبداعية، ونصبح عالقين في دوامة الأفكار التافهة والسطحية.
إن تمزيق حجاب العادة ليس بالأمر السهل في البداية بالتأكيد، ولكن إذا بدأنا وصمدنا في هذا الطريق، سوف يتغير منظورنا تدريجياً، ونرى بين طيات الأحداث البسيطة والمتكررة في الحياة أموراً لم نكن نتخيلها من قبل. يمكننا أن نبدأ بأجسادنا؛ نغلق أعيننا لفترة من الوقت ونحاول أن نقوم بأعمالنا ونحن مغمضي العينين، ونتخيل الحياة إذا لم يكن هناك نور أو لم تكن لدينا أعين.
ما هي الأفكار التي تخطر على بالك في هذا الصدد؟ نرجو مشاركتها معنا.