العلاقة بين نسيان النفس ونسيان الرب
هل حدث لك أن تشتاق إلى نفسك؟ وهل شعرت يوما أنك غرقت في يوميات حياتك ولم تعد تعرف نفسك؟ أو هل أحسست بأنك فقدت قطعة من وجودك ولايمكن لأي شيء أن يعوّضك عنها؟
في بعض الأحيان، قد تجتاحنا أحاسيس كهذه و تحاصرنا لفترات طويلة، وتظهر في أعماق وجودنا على شكل حزن مرهق ومؤلم يمكن مقارنته بظواهر مختلفة. قد يعترينا هذا الألم بلا هوادة لدرجة أننا نتوق الهروب من أنفسنا، ولكن كلما ابتعدنا عن أنفسنا كلما أصبح هذا الإحساس أكثر وضوحا.
قد حدثت هذه الحالات للكثير منّا، خاصة حينما تتحقّق أحلامنا الجميلة الواحد تلو الآخر، ولكننا نشعر بعد فترة بأننا قد خُدعنا، إذ أنه يبدو لنا أن هذه الأحلام لم تكن ما أردناه حقًا بالضبط أو ما كنا نتوقعه. قد نشعر تدريجيًا بالإحباط ونتمنى أننا لم نكن على قيد الحياة، أو على الأقل نتمنى لو كنا قادرين على إغماض عيوننا مثل أصحاب الكهف والانغماس في نوم طويل!
تختلف كيفية مواجهة الأشخاص المختلفة مع مثل هذه الظروف؛ نرى أن البعض ضعيفا لدرجة أنه يقرر حذف المشكلة من خلال الانتحار، بينما يلجأ البعض الآخر إلى العقاقير العصبية والمخدرات والكحول لنسيان أنفسهم لبعض الوقت على الأقل. وهناك العديد من الأشخاص الذين يبنون هوية افتراضية لأنفسهم على مواقع التواصل الإجتماعي ويصنعون عالمًا من خلال متابعيهم، ليشعروا ببعض السعادة والسكينة فيه حتى ولو كان ذلك مزيفا!
إن نسيان النفس حالة اضطراب نفسي، يملأ وجود الإنسان بالحزن والقلق المزمن و له جذور متأصلة في نسيان احتياجات النفس الحقيقية. ومع ذلك، يتجاهل معظم الأشخاص قبول هذه الحقيقة ويفضلون تخفيف هذا الاضطراب من خلال الإنشغال بالاهتمام بالكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية وحتى العقلية.
فعلى سبيل المثال يظنون أن المزيد من المال والجمال والمؤهلات العلمية العالية أو شريك الحياة الأفضل، سوف يجلب لهم السعادة والسكينة، بينما هذا التفكير خاطئ تماما. لا يمكن لشرب الماء المالح أن يرفع العطش عن الإنسان، ولا يمكن لتشغيل المدفأة أن تبرّد البيئة، ولا يمكن أن تصل النفس إلى الإطمئنان عبر اكتساب الكمالات الحيوانية. فكما أشرنا سابقا لا يمكن لهذه الكمالات أن تجلب السكينة للنفس الحقيقية.
ما هي العلاقة بین نسيان النفس ومعرفَة النفس؟
لو تجولنا في العالم أجمع و أتينا بألف سبب وعلة للاضطرابات النفسیة، سنرجع في النهاية إلی السبب الأصلي وراء ها جميعا والذي يعود إلى معرفة النفس. إن جذور جميع اضطراباتنا ومشكلاتنا النفسية تعود حصريا إلى عدم معرفة النفس.
لکن ما هي العلاقة بین نسیان النفس ومعرفة النفس؟ في المقالات السابقة حول معرفة النفس، ذكرنا أن لنفس الإنسان مستويات مختلفة، ولكل من هذه المستويات معشوقه الخاص وإلهه الذي يتوافق معه ويجلب له السكينة. على سبيل المثال، تستمتع قوتنا الحسية بالتواصل مع المحسوسات وتستقر إليها، ويتمتع عقلنا بالتواصل مع المعقولات، إلّا أنّ نفسنا الحقیقية لا تتواصل أو تتزاوج مع أيٍّ من هذه المعشوقات لأنّها لیست من نفس الجوهر.
النقطة الأساسیّة هنا هي أنّ هذا التعارض لا يدركه سوى الذين يعرفون أبعاد وجودهم وحقّقوا معرفة النفس. بينما الآخرون الذين لم يدركوا ذلك، ليسوا قادرين على تمييز الفرق بین نفسهم الحقيقية والمزيفة، ولذا يخطون على الطریق الخاطئ محاولين تهدئة اضطرابات نفسهم الحقيقية عبر الكمالات الجمادیّة والنباتیة و الخیالیّة والحسیّة والوهمیة ولكن دون جدوى. وأحیاناً لا يدركون قط لماذا لم تعطي جهودهم أية نتيجة، وهذه هي أكبر معاناة الإنسان.
إنّ نسيان النفس هو نتيجة مباشرة لنسيان الله، لأن نفسنا الحقيقية هي من الله، ومن ينسى الله فقد نسي نفسه. تعتبر هذه النقطة من أهم قوانين رياضيات الخلق.
نسیان النفس متساو بين المتدينين وغير المتدينين
إنّ الايمان الحقیقي بقول “لا إله إلا الله” والیقین بأنّ الإنسان ليس له إلهٌ ومعشوق إلّا الله، يخلق ثلاثة نتائج واضحة وملموسة في حیاة الإنسان: السرور والسکینة والحب.
وبالطبع، أن تكون مسرورًا لا يعنی اللعب المهرج عبثاً بل يعنی أنّ الشخص یتمتع ببهجة داخلية مستدامة ولا يشعر بالحزن سريعا، ولا يكون حسّاسا وعصبياً ومُشاکِساً وحاقِداً وحاسداً وأنانیّاً. باختصار: لاینزَعِج ولایُزعِج. الأشخاص الذين بعد سنوات من العبادة لا يزالون مكتئبين، وحزينين، ومضطربين، وعصبيين، وحساسين، وكارهين، ومغرورين، وحسودين وأنانيين، هم مصابون بنسيان النفس، حتى لو كانوا ظاهريًا متدينين جدًا.
لذا فإن الاعتقاد بأن النسيان الذاتي هو فقط خاصية أولئك الذين ليس لديهم إيمان بالله ودينه هو خطأ. فالذي بعد سنوات من الإرتباط بالله لا يستطيع الحفاظ على سروره وسكينته، فإنه في الواقع لم يستفد من هذه العلاقة.
لأنه في كل تلك السنوات، قد صلّى بجانبه الجمادي والنباتي والحيواني، وليس بنفسه الحقيقية. وکلّما دعا إلی الله فقد طلب الکمالات الجمادیة والنباتیّة والحیوانیّة والعقلیّة فقط وقد بقیت نفسه الحقیقیة فقیرة وجائعة. لهذا فإن هذا الإنسان لا يكون مقدّسا، بل هو في أفضل الحالات نبات أو حيوان مقدس.
الرجوع إلی النفس
أي مرض جسدي أو روحي إذا وصل إلى مراحل حادة ومتقدمة، فإنه لا يعود قابلًا للعلاج. نسيان النفس هو أيضًا مرض ينتج عن عمل غير صحيح لقوة ماوراء العقل في الإنسان، وإذا لم نشخّصه في الوقت المناسب ولا نعالجه فسوف يؤدي إلى قسوة القلب. والأشخاص الذين يعانون من قسوة القلب بدرجات شديدة، تصبح قلوبهم صلبة مثل الحجر، ولا يمكن لأي عبادة أو نصيحة أو كلام حق أن يخترق هذا الحاجز القاسي ليغوص في عمق القلب. قد يصدق هؤلاء الأشخاص العديد من الحقائق بعقولهم، ولكن مادام أن القلب لا يقبل هذه الحقائق، فلن يحدث أي تغيير مبارك في النفس الإنسانية.
یعتبر القلبُ هو ألطف عضوٍ في وجود الإنسان ویتوقف حفظُ لطافته ونضارته فقط على بناء علاقة صحيحة ومستمرة ودائمة مع الله سبحانه وتعالی. لقد تحدّثنا آنِفاً عن طرق تمییز نسیان النفس. للوقاية والعلاج من هذا المرض، يجب علينا بناء علاقة صحيحة ومحبة مع الله، وهذه المهارة تتطلب مثل أي مهارة أخرى التدريب والتلقين والتكرار. للتخلص من نسيان النفس والعودة إلى النفس الحقيقية، يجب علينا عبر التدريب والتلقين والتكرار أن ندخل المعنى الحقيقي ل: “لا إله إلا الله” إلى أعماق قلوبنا، حتى يتشكل هذا الإيمان في داخلنا بشكل تدريجي: أنه لا محبوب أو معشوق لنا سوى الله سبحانه و تعالى.”
لقد تعرّفنا في هذا المقال علی معنی نسیان النفس وجذوره وطرق الوقایة منه وعلاجه. وبما أنّ مقالات معرفة النفس تعتبر أُسُس جميع المقالات الأخرى، فإننا نوصي بقرائتها بالتأكيد.