ما هي مواصفات الموجود اللامتناهي و غير المحدود؟
كما تم شرحه سابقًا، فإنّ الإنسان موجود راغب في اللانهاية بطبيعة ذاته ويطمح أن يصل إلى حدٍّ لامتناهٍ في جميع جوانب الحياة، سواء كان ذلك علم لامتناهٍ، أو ثروة اللانهائية، أو جمال لانهائي، أو قدرة لانهائية، أو حياة خالدة الخ. وأدركنا أنّه لن يأتي وقتٌ على الإنسان تتراجع فيه رغبته في اكتساب الكمالات اللانهائية. و من هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى التأكد من وجود موجودٍ يدعى باللامتناهي في العالم الخارجي لكي الذي يتّجه الإنسان نحوه؟ ما هي مواصفات هذا الموجود اللامحدود الذي ينجذب الإنسان نحوه و يسعى إليه بالفطرة؟
الوجوه المختلفة من مفهوم “الموجود اللامتناهي”
إنّ الموجود اللّامتناهي له وجهان:
- موجود لامتناه بالقوّة(غیرحقیقی): هو موجود لديه القوة والموهبة والقدرة على أن يصير لانهائيًا، إلا أنه محدود حاليًا. على سبيل المثال، إنّ الأرقام محدودة ولكن لديها القابليّة و الموهبة للتّقدّم نحو اللّانهاية ولم تحدث لانهائيتها حتى الآن في الواقع الخارجي، إلّا أنّها تتحقّق امکانية حدوثها و موهبتها في الذهن فقط.[1] کما أن بذرة التفاح لديها القدرة والموهبة لتصبح شجرة تفاح أو حديقة مليئة بالتفاحات، وكذلك آلاف البذور والأشجار الأخرى، ولكن لم تتحقق هذه القدرة في العالم الخارجي بعد، وإنّما هي إمكانيّة کامنة داخل بذرة التفاح فقط. إذن بما أنّ هذه الموجودات لم تنجح بتحرير تلك الطاقة الكامنة بعد، فإنها لايمكن تسميتها ب: “اللّامتناهية“.
- موجود لامتناه بالفعل(حقيقيّ): هو موجودٌ مطلق وحائز علی الکمالات كلّها والذي هو لامتناه حاليًا دون أيّ حدٍّ و قيدٍ. هذه اللانهاية ليست مجرد مفهوم، بل هي حقيقة ملموسة قد تجلى في كل جانب من جوانبه في العالم الخارجي، بشكل واضح لا لبس فيه.
خصائص الموجود اللّامتناهي الحقيقيّ:
- لا بد من وجوده.
نظرا إلى ما شرحناه في المقالات المختصة بقوانين الأمنيات، فإن طلب أي شيء أو تمنيه يقودنا إلى خمس نتائج عامة وعالمية، فكل ما نطلبه لابد و أن
- يكون موجودا
- نعرفه من قبل
- يكون متوافقا معنا
- تكون لدينا السعة لقبوله
- تكون لدينا تجربة لاستخدامه من قبل.
مضافاً إلى ذلك، لقد أثبتنا أنّه من المستحيل أن یکون العدم موجودا. من وضع هذه المسندات كلّها بجانب رغبة الإنسان في اللّانهاية، سنصل إلى هذه النتيجة بأنّ الموجود اللّامتناهي الكامل و الحقيقي له سمات:
- له وجود.
- نحن نعرفه.
- يتجانس وجودنا معه.
- توجد السعة لقبوله في وجودنا.
- و لقد جرّبناه سابقاً.
- ليس محدوداً على الإطلاق.
إضافة إلى ما سبق، يلزم أن يكون الموجود اللّامتناهي غير محدود، لأنّه إذا كان محدودا فإنه لم يعد لا متناهياً. يختلف الكائن اللامتناهي عن الكائن المحدود من حيث الخصائص، فمثلاً الكائن اللامتناهي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ولا يتأثر بحدود أو قيود مادية أو أي عوامل أخرى تفرض قيودا. وبما أنه أزلي وأبدي، فهو يظل غير مقيد بأية فترة زمنية محدودة. هذا بالإضافة إلى أنّ كل الكمالات اللانهاية يجب أن تكون موجودة في هذا الموجود في آنٍ واحد؛ ولا يصحّ أن توصف كلٌ من هذه الكمالات، بصفتها اللانهائية بصورة مستقلّة عن غيرها، مثلاً: علم لّامتناهي، قدرة لّامتناهية و غيرها من الأمثلة؛ لأنّ الموجود اللّامتناهي واحدٌ فقط ولا يقبل التعدد لأنّ تعدُّد اللامتناهي يستلزم أن يحدد كلّ منهم آخر و هذا لا يجلب غير المحدودية لهم.
- إنه واحدٌ فقط.
من الناحية العقلانية والعلمية، فإنه يوجد كائن واحد فقط لديه قدرة لانهائية على الوجود ويستحيل أن يكون متعدداً، حيث أنه لو فرضنا أن هناك موجودان اثنان لامتناهيان، لكان كلاهما محدودين، وبناءً على فرض وجود اللانهائي الثاني، يجب أن نحدد حدًا وحدودًا للأول، وهذا لا يتفق أبدًا مع معنى كلمة “لانهائي”. إن الموجود المطلق واللّامتناهي لم يترك مكانًا لوجود الثاني لأنه قد ملأ كل شيء بالفعل. لا يمكن لأي علم أو قانون اثبات وجود اثنين من اللانهائي المطلق، لأن فرضية هذه المسألة خاطئة من الأساس، ووجود اللانهائي الثاني يؤدي إلى إزالة مطلقية اللانهاية الأولى.
إذا فرضنا أنه كان هناك موجودان لامتناهيان، فإنهما سوف يصبحان ثلاثة تلقائيا، حيث أنّه سيوجد بينهما شيء آخر بالتأكيد وهكذا سيزداد العدد إلى الخمسة و التسعة وسيستمر هذا السير مع هذا التبرير إلى اللانهاية![2] يمكننا معرفة الوجود المطلق بالسَّير الشهودي والباطني والمعرفي. لا يمكن للوجود أن يتجزأ إلى أجزاء إلّا أنّ ظهوره و تجلياته تكون بأشكالٍ مختلفة.
على سبيل المثال، يعتبر الإنسان و المنضدة، مظهران مختلفان من مظاهر الوجود؛ وإذا يجلس شخص خلف المنضدة، يتواجد مظهر آخر من الوجود باسم “الهواء” بينهما. في هذا المثال، إنّ الوجود واحد و إنّما يتم ظهوره بمختلف الأشكال فقط (الإنسان، المنضدة و الهواء)
- الوجود اللامتناهي هو السّببُ لوجود الظواهر كلّها.
يجب أن يكون الكائن اللانهائي الحقيقي بالضرورة هو السبب والمُحدث لجميع الظواهر الأخرى. وإلا، فإنه في حالة غير ذلك، سيكون بحاجة بالتأكيد إلى وجودٍ آخر قد أنشأه، وهو في حد ذاته يفرض قيودًا عليه ويكون في تناقض مع فكرة لانهائيته.
لا ينشأ الوجود من العدم أيضاً، لأن العدم غير موجود إطلاقاً، فبالتّالي فإن الوجود كان دائمًا ولا يزال موجودًا لا نهائيًا ومطلقًا.
ما هو اسم الموجود اللّامتناهي ؟
الوجود اللامتناهي الحقيقي لا يقبل التعدد من منظور العقل، لأن فرض تعدد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كل واحد منهم متناهيًا من بعض الجهات، حتى يصح لنا أن نقول هذا غير ذلك. إذن يصبح كل منهم محدودا بحد ولم يعد لامتناه حقيقي. وبالطبع وبغض النظر عما يكون اسم هذا الكائن اللامحدود الحقيقي، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن اللامحدودية لهذا المصداق لابد أن تكون امراً بالفعل ولا محتملا أو كامنًا، لأنّ القوة الکامنة المحتملة تشير إلى أنّ هذا كائن محدود يسير سيرا نحو الكمال، وهذه هي عين “المحدودية” و “التناهي”. بینما ليس الأمر كذلك، وإنما هو كائن لامتناه حقا من كل الجهات، لم تتحكم فيه الحدود ولديه كلّ الكمالات. وهو واحد لا يقبل التعدد و خالق الموجودات الأخرى كلها.
مهما كان اسم هذا الوجود المطلق، الأهم أنّنا بصفتنا راغبين في الوجود اللامحدود، لا يمكن أن يكون وجودنا مقيدا بالحدود. الحقيقة أنّ الوجود اللامحدود، لا يعرف الحدود والقيود والشيء الوحيد الذي يمكن أن يقيده هو العدم أو الفناء، والذي هو أمر ائتماني خارج من دائرة الوجود. ببساطة فلا يوجد شيء في العالم يستطيع تقييد الوجود المطلق اللامحدود.
ولكن ما هو سبب إهتمامنا بالموجود اللّامتناهي اللامحدود؟
ماذا يُسمّى هذا الوجود المطلق اللّامتناهي؟
[1] . مجموعة آثار مرتضى المطهري، ج7، ص568
[2] . الکافی ،ج 1 ،ص81: قال الصادق عليه السلام: « … ثُمَّ یَلْزَمُکَ إِنِ ادَّعَیْتَ اثْنَیْنِ فُرْجَةٌ مَا بَیْنَهُمَا حَتَّى یَکُونَا اثْنَیْنِ فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثاً بَیْنَهُمَا قَدِیماً مَعَهُمَا فَیَلْزَمُکَ ثَلَاثَةٌ فَإِنِ ادَّعَیْتَ ثَلَاثَةً لَزِمَکَ مَا قُلْتَ فِی الِاثْنَیْنِ حَتَّى تَکُونَ بَیْنَهُمْ فُرْجَةٌ فَیَکُونُوا خَمْسَةً ثُمَّ یَتَنَاهَى فِی الْعَدَدِ إِلَى مَا لَا نِهَایَةَ لَهُ فِی الْکَثْرَة.