الشك في الطريق؛ كيف يُبطئ خُطانا عن بلوغ الغاية؟
من طبيعة الشكّ أن يُلبِس المشهدَ غبارًا كثيفًا، فيحجب الرؤية ويُربِك السير، حتى يغدو التقدّم بطيئًا أو يتوقّف تمامًا. غير أنّ أعظم مسيرٍ في حياة الإنسان هو المسير نحو الأبدية، ولذا وجب علينا أن نُميِّز كلّ ما يُعرقله أو يُهدِّده. ومن أخطر تلك العوائق: الشكّ في الطريق؛ إذ هو عقبةٌ تقطع سرعة السائرين وتُضعف سبْقهم في بلوغ دار الخلود. لكن السؤال المهم: ما العوامل التي تُنشئ الشكّ في الطريق؟ وهل كل شكٍّ كفيلٌ أن يصدّنا عن الأبدية؟
الإنسان إمّا أن يملك يقينًا ومعرفةً راسخة بمسيره وكيفية سلوكه، وإمّا أن يقع، لأسباب شتّى كإنكار الحقائق، في فروع من الشكّ والتردّد. وكلّ عاقل يُدرِك أنّ السبيل إلى الخروج من دائرة الشكّ هو التعقّل، أي أن نتفكّر في ما نملك من تجارب ومعطيات، ثم نجعل هذا التفكير أساسًا لتعقّل يقودنا إلى اليقين وطمأنينة القلب. غير أنّ الأمر متوقّف على همّتنا: فإلى أيّ حدٍّ نسمح لأنفسنا أن نمكث في محطّات الشك؟ وبأي سرعة نُسارِع لإزالة الشبهات التي تعترضنا؟ فقد يجرّ بنا الكسل إلى توقّفٍ طويل قد يمتدّ عُمرًا كاملًا، وربما يُفضي إلى التراجع، أو حتى السقوط عن الطريق المؤدّي إلى الأبدية.
من هنا تأتي الأهمية القصوى في أن نُدرِك ماهية الشكّ، وأن نُغذّي نفوسنا بما يُعينها على دفعه ومقاومته، لأنّ الشكّ لا يزول بلا حركةٍ وجهادٍ منّا، بل قد يتسع نطاقه حتى يتسرّب إلى ميادين أوسع في كياننا.
عوامل نشوء الشك
مع أنّ أسباب نشوء الشكّ تتنوّع باختلاف أنواعه، إلّا أنّ ثمة جملةً من العوامل الأساسيّة التي تُمهّد لظهوره في مسيرنا. فبقدر ما نتعلّق بالدنيا وننزلق إلى صفات رذيلة وأهواء النفس، نعرّض قلوبنا لمَهبّ الشكّ والوساوس. وكلّما ابتعد القلب عن أصله وحقيقته، أي عن الله جلّ وعلا، وازداد التصاقًا بالمادّة ودوافع شخصيّة، انقطع عن العلم والمعرفة ومصدر الثبات، وانفتح على بوّابات الشكّ والترديد. ومن هنا تصير أعمالنا وسلوكنا إمّا سُلّمًا نتسلّق به للخروج من الشكّ والوساوس، أو بابًا نغرق عبره فيهما. تمامًا كما أنّ الحقد أو الحسد، وإن كانا نتيجة انفعالات شخصيّة، إلا أنّهما قادران على أن يزرعا الفتور والفتنة في مسيرنا، أو يُثبِّطا عزيمتنا عن السير مع ركب الصالحين.
وظيفتنا الكبرى هي أن نسير نحو الأبدية، محافظين على سلامتنا في هذا الطريق، ثابتين على الصراط المستقيم. غير أنّ الشيطان لا يدّخر وسيلةً إلا ويستعملها، ومن أعظم أدواته الشكّ. فهو تارةً يعجز عن زلزلة القضايا الكبرى، فيلجأ إلى الشكوك الصغيرة والجزئيّة ليُحدث منها صدعًا، فإذا لم تُعالج، كبرت وتحوّلت إلى شكوك أعظم وأخطر تمسّ الأساسات.
ولا ينبغي أن نغفل عن أثر الجهل وقلّة الاطّلاع؛ فإنّ غياب المعرفة الكافية عن موضوعٍ ما يُسهِّل استيلاء الوساوس علينا ويُضعف قدرتنا على الثبات في وجه الآراء والظروف المناقضة. يشبه ذلك مَن يُريد دخول غرفةٍ مظلمة: فمجرد جهله بما في داخلها يُربكه ويزرع في قلبه التردّد، فيفقد الثبات والطمأنينة. وكذلك شأننا في الطريق إلى الله؛ تماما كما أننا لا نُعرّض أنفسنا طوعًا لفيروس أو عِلّة تُنهك أجسادنا، فكذلك يجب أن نتجنّب كلّ ما يُعرّضنا لأجواء توليد الشكّ والتردّد في مسيرنا الروحي. فالشكّ في حقيقته عاملُ فوضى واضطراب في أعماقنا، وما إن نتغلّب عليه ونُزيله عن موضعه، حتى يُثمر يقينًا وطمأنينةً وسكينة.
هل كل شكٍّ يشكّل خطرًا علينا؟
ليس كل شكٍّ ضارًّا بالضرورة! بل هناك شكٌّ يُعدّ مدخلاً للوصول إلى اليقين، وهو الشكّ البنّاء. ففي حياتنا نواجه مواقف عديدة لم تكن واضحة لنا منذ البداية، لكنها مع مرور الوقت واكتساب المعرفة والوعي تصبح واضحة وتفضي بنا إلى اليقين والاطمئنان. مثل قرارات لم نكن حازمين على اتخاذها منذ البداية، أو اختيارات كانت أبعادها غامضة بالنسبة لنا، ولكن الدراسة والتفكّر والصبر جعلتنا نصل إلى يقين راسخ.
وبما أنّنا درسنا أبعاد الموضوع المختلفة، فإن اليقين الذي نصل إليه يكون أعمق وأكثر ثباتًا، وهكذا يصبح الشكّ جسرًا للعبور نحو اليقين، لكنه في الوقت نفسه ليس موضعًا للتوقف، وقد يتحوّل إن أسرفنا فيه إلى سبب لتعطّلنا أو سقوطنا عن الطريق المؤدّي إلى الأبدية. حتى في مسيرنا نحو الأبدية، لا بدّ أن نواجه تردّدات وشكوكًا؛ خصوصًا في مرحلة النضج، حين نرسّخ أسس اعتقاداتنا، أو عندما نصادف قرارات عظيمة وابتلاءات صعبة، فتأخذ هذه الشكوك جدّية أكبر. ومع ذلك، إذا نجحنا في معالجتها وإزالتها، فإنها تتحوّل إلى منصة للارتقاء وركيزة خلاصنا، بدلًا من أن تكون عائقًا يعرقل تقدمنا.
أهمية إزالة الشكّ المدمر
إذا كنّا على وعي بالغرض والغاية من خلقنا كبشر، وأدركنا أنّنا كائنات تسير نحو موطننا الأساسي، فإننا بطبيعة الحال ننسّق مختلف جوانب حياتنا مع هذا البيت السامي، أي مع الأبدية. فالحياة المتكاملة في فضاء الأبدية تتطلّب قلبًا سليمًا، تبدأ تهيئته في الدنيا، ونحن كبشر، كوننا الفاعل الأساسي في هذه المسرحية، بحاجة إلى بناء هذا التأهيل والإعداد لمواجهة متطلبات الحياة الدنيوية.
لكنّ أحد أخطر آثار الشكّ هو منعه لنا من إحداث هذا البناء في ذواتنا. فالتشييد الداخلي يحدث فقط حين نُقبِل على شيءٍ ما بكل كياننا، بينما يقف الشكّ في النقطة المعاكسة تمامًا لهذا القبول. لذلك، لا يقتصر أثره على إبطاء تقدمنا أو إيقافه، بل يتعدّى ذلك ليخلق فجوة بيننا وبين الولادة الحقيقية التي نحتاجها للحياة الأبدية.
في هذا المقال، تناولنا عواقب الشكّ الخطيرة على مسيرتنا نحو الأبدية. وبيّنا أنّ الشكّ الذي يمهّد الطريق للوصول إلى اليقين يعزّز ثبات اعتقاداتنا، أما الشكّ المدمر الذي يعيق بناء الذات، فيمكن أن يُبطئ تقدمنا أو يوقف مسيرتنا نحو الأبدية.