حرية إرادة الإنسان ومقام الخلافة الإلهية
هل يمكننا تحقيق الكمال الإنساني دون حرية الاختيار؟ و هل هناك علاقة بين إرادة الإنسان وبلوغ الخلافة الإلهية؟
لقد بيّنا في الدرس السابق أن الله تعالى خلق الإنسان بملكة الاختيار ليمتلك القدرة على اتخاذ القرارات في حياته. كل قرار يتخذه أو خيار يختاره في الحياة يحمل قيمة أو “قَدَراً” معيناً، ويترتب عليه “قضاء” أو نتيجة. هذا القانون، المعروف بـ “القضاء والقدر”، يسري في جميع جوانب وجودنا منها: الجمادي، والنباتي، والحيواني، والعقلي، و ماوراء العقلي (الإنساني).
فعلى سبيل المثال، من يتخذ خيارات صحيحة وعقلانية في استثماراته الاقتصادية، تكون النتيجة قضاءاً موفقاً يتمثل في ربح حلال طيّب. ومن يلتزم بنظام رياضي وغذائي متوازن، تكون ثمرة خياره صحةً ونشاطًا وحيوية. الأمر ذاته ينطبق على اختيار التخصص الدراسي، والمهنة، وشريك الحياة، ومكان السكن، وأسلوب تربية الأبناء، وجميع جوانب الحياة الأخرى. كل هذه الخيارات لا يمكن أن تتحقق دون وجود حرية الاختيار. بفضل اختيارنا الحر، نحن نختار باستمرار في حياتنا، وبذلك نحدد مسارها.
لكن الأهم من كل ذلك، هو ما يتعلّق باختياراتنا في بُعدنا الإنساني. ذلك البُعد الخالد فينا، والذي من أجله وُجدنا، وبه نبلغ مقام “خليفة الله في الأرض”. هذا المقام الرفيع، لا يُنال إلا بإرادة حرة، واختيار واعٍ لطريق الحياة التي تتوافق مع الغاية من خلقنا. لذلك، فإن مقام خليفة الله في الإنسان واختياره الحر لهما علاقة مباشرة وغير قابلة للانفصال. في ما تبقى من الدرس، سنتناول هذا الترابط العميق بين مقام الخلافة الإلهية، والحرية التي أودعها الله في الإنسان.
خلافة الله في ظلّ الاختيار
لنستوضح العلاقة بين مقام خليفة الله في الإنسان وحريته في الاختيار، ينبغي أولاً أن نُعرّف “خليفة الله“. هذا المقام يُمنح لمن يُفعِّل الأسماء والصفات الإلهية الكامنة في ذاته، ويكتسب الكمالات الإنسانية حتى يغدو شبيهًا بمحبوبه الحقيقي، أي الله، وبذلك يُحقق الغاية الأسمى من خلقه.
جميعنا نُولد بـروح نقية وإلهية، تحمل في طياتها الأسماء والصفات الإلهية بصورة كامنة. لكنّ تفعيل هذه الأسماء و تحويلها إلى واقع فعلي، رهين باختيارنا. فنحن أحرار في تحديد مسار حياتنا ونمط حركتنا في هذه الدنيا. في كل لحظة، نُشكّل أرواحنا وقلوبنا من خلال تفاعلاتنا، قراراتنا، أفكارنا، وسلوكياتنا. لقد منحنا الله نعمة الاختيار الحر، والتي بفضلها تتباين ردود أفعالنا تجاه نعم الحياة ومصاعبها. هذه الردود هي التي تُحدّد مسارنا؛ إما أن ترتقي بنا نحو الله والإنسانية، أو تُنزلنا إلى مستوى الطبيعة والحيوانية.
عندما نواجه الإساءة من أحد المقربين، سواء من أفراد العائلة، أو الأقارب، أو الزملاء، أو الجيران، أو الأصدقاء، تتجلى حريتنا في الاختيار. فليست ردود أفعالنا جميعها متشابهة. بعضنا يختار مسار العفو والصفح، فيُبقي قلبه وعقله نقيين من شوائب الغضب والضيق. في المقابل، يختار آخرون الاحتفاظ بالضغينة والغضب لأمد طويل، مُنغّصين بذلك على أنفسهم راحة البال بتكرار استذكار الموقف، وقد يصل الأمر بهم إلى التفكير في الانتقام. في الحالة الأولى، نحن نُفعّل اسم الله “الغفور” في أعماقنا، وبذلك نتقرب أكثر إلى سلامة القلب ونسمو نحو مقام خليفة الله. أما في الحالة الثانية، فإننا نبتعد عن نقاء القلب ومرتبة الخلافة الإلهية. ولا يقتصر الأمر على هذين الخيارين فقط. فثمة من يتجاوز مجرد العفو؛ فهم لا يغفرون للمسيء فحسب، بل يستغفرون له أيضاً، ويردون إساءته بالإحسان. هؤلاء يسارعون في طريق النمو الروحي والتقرّب من الله عز وجل.
إن جميع هذه الحالات والاختيارات، لا تكون ممكنة إلا بالإرادة الحرّة التي وهبنا الله إيّاها. وبعبارة أخرى، نحن مخيّرون في أن نسلك طريق اكتساب الأسماء الإلهية والكمالات الإنسانية، أو نبتعد عنها يومًا بعد يوم. كما أن لنا حرية التسابق في السير نحو الله والتشبّه به، أو الاكتفاء بخطى بطيئة متردّدة. ومن هنا، يتّضح أن العلاقة بين مقام خلافة الإنسان لله، وبين حرية اختياره، علاقة وثيقة ومباشرة، لا مجال للفصل بينهما، ومن دون هذه الإرادة والاختيار، لا سبيل لبلوغ ذلك المقام.
تناولنا في هذا الدرس العلاقة بين مقام خلافة الإنسان لله، واختياره الحر، وقلنا إننا وُلدنا لنصل إلى مقام الخلافة الإلهية، أي أن نتشبّه بمحبوبنا الله من خلال اكتساب أسمائه وصفاته، ونبلغ بذلك أقصى درجات السعادة والطمأنينة. هذا المقام لا يمكن تحصيله إلا في ظل التضاد القائم في الدنيا، وفي كنف حرية الاختيار. نحن، بدخولنا إلى الدنيا، ننخرط في مسيرة مليئة بالمنعطفات، ونُواجه فيها لحظةً بعد لحظة خياراتٍ حاسمة تحدّد مآلنا. وبواسطة هذه الخيارات، إما أن نقترب من مقام خلافة الله أو نبتعد عنه. لذا، فإن الارتباط بين مقام خليفة الله في الإنسان واختياره الحر هو ارتباط واضح ولا يمكن إنكاره.