كيف تكون العلاقة بين الظاهر والباطن؟ وكيف تشكل اكتساباتنا باطننا؟

جدول المحتويات
" كيف تكون العلاقة بين الظاهر والباطن؟ وكيف تشكل اكتساباتنا باطننا؟ "

كيفية تشكيل العلاقة بين الظاهر والباطن و العوامل المؤثرة فيها

ربما حدث لك أثناء فترة دراستك أنك شاركت في امتحان لم تقم بالتحضير الكافي له و واجهت صعوبة في الإجابة عن الأسئلة، و رغم ذلك تمنيت في أعماق قلبك أنك تحقق درجة كاملة. هذه الأمنية تكاد تكون مستحيلة، لأن ما نُظهره في جلسة الامتحان يعكس حجم المعلومات التي اكتسبتها.

حتى ولو كانت لدينا معلومات واسعة مسبقا ولكنها بالتأكيد ليست متطابقة مع موضوع الامتحان، و لذلك يصبح من الصعب تحقيق حلم الحصول على درجة عالية. في هذا المثال البسيط، والذي يمثل تجربة مريرة ومليئة بالتحديات لنا جميعا، يتجلى درس كبير يستطيع أن يغير مسار حياتنا. إنه درس يُظهر أن الحياة تتبع نفس القاعدة: تماما كما أن تحقيق حلم النجاح في الامتحان لا يمكن أن يتحقق بدون الالتزام بالتعلم، فإن تحقيق النتائج المرغوبة في الحياة يستلزم بالمثل بذل الجهد والالتزام والاستمرار في العمل.

يمثل هذا المبدأ المعروف بالعلاقة بين الظاهر والباطن حقيقة أساسية، وهي أنّ: “كلّ نفس بما كسبت رهينة”، أو بعبارة أخرى، يتأثر كل فرد بما اكتسبه. في سياق الامتحان المدرسي، يُلخص هذا الاكتساب في فهم محتوى الكتب الدراسية، وفي الحياة فإن كل ما نكتسبه من خلال حواسنا الخمسة، منه الترددات الصوتية، وطيف الضوء، والروائح، واللمسات، والمأكولات، يُشكل جملة الغذاء لأجسامنا وعقولنا.

بناءً على العلاقة بين الظاهر والباطن، فإن مجموع هذه التغذية والمكتسبات جنباً إلى جنب تشكل في الحقيقة ما نحن عليه. تعتبر جميعها اللبنات الأساسية لاختياراتنا وسلوكنا وأفكارنا وأعمالنا، والتي في النهاية تُكوّن ثروة روحنا، و تظهر في النهاية على شكل سلوك أو صفات في شخصيتنا.

مم ينبع سلوكنا؟

نحن جميعًا رهائن ماضينا. لقد كانت لدينا جميعا أفكار و سلوك و أعمال و سلوكيات و علاقات طوال حياتنا،  مما أدّت إلى تكوين ملامح عقائدنا. كما أن هذه المجموعة تتأثر بدورها بالمحيط الذي نشأنا فيه و بنوعية تفاعلنا معه. إننا ببساطة مقيدون بهذا المحيط ولا يمكننا القيام بعمل خارج نطاق ما تلقيناه.

إن العلاقة بين الظاهر والباطن بهذا الشكل أيضا، حيث أن مظهرنا هو بمثابة واجهتنا الخارجية التي تعكس ما يحدث في داخلنا. في الواقع، يتم تكوين أي سلوك سواء كان جيدًا أو سيئًا، نتيجة لتراكم اكتساباتنا وتشكيلاتنا الباطنية. إذا كنا نحب ميزة جيدة، فإن حبها لا يكفي لضمان ظهورها بل يجب علينا من خلال اكتساب مزايا إيجابية، أن نقوم ببناء أساس وفرص لنظهر سلوكيات إيجابية، تماما كما أننا نبني أساسًا لظهور سلوكيات سلبية عندما نكتسب مزايا سلبية.

بالإضافة إلى ذلك، يتم تحديد سقف تطلعاتنا في كل جانب من وجودنا من خلال نوع وكمية الغذاء الذي نتناوله في ذلك الجانب. على سبيل المثال، تعتمد الدرجة التي نحصل عليها في الامتحان على مقدار انتباهنا وجهدنا في الدراسة، ولا يمكننا النجاح بصورة أخرى، تمامًا كما هو الحال في العلاقة بين صحتنا البدنية واختيارنا لتناول الطعام الصحي أو غير الصحي.

كل ما نشاهده ونسمعه ونشمه ونقرأه ونكتسبه، ولو كان صغيرًا جدًا، يترك تأثيرا خاصا على وجودنا مثل الطعام الذي نتناوله، وقد يقربنا خطوة نحو الصحة أو المرض. إن التغذية المناسبة للجانب الإنساني من وجودنا له دور ايجابي لروحنا، ولكن إذا كان غير مناسبا أو كميّته قليلة، فلن يمكننا تعديل تأثير الاكتسابات السلبية على بقية جوانب وجودنا، وتظهر هذه الانعكاسات السلبية في النهاية في تصرفاتنا. وبالتالي قد نجد أنفسنا مضطربين ومستاءين في اللحظات التي نتوقع فيها أن نكون هادئين وصبورين، وقد نظهر شيئا من البخل في المواقف التي لا نتوقعها.

كل إناء بما فيه ينضَح

نستنتج بأن تصرفاتنا في كل جوانب حياتنا تتناغم مع الغذاء الذي قد تناولناه في ذاك الجانب ومع الأفكار الداخلية التي قد بنيناها. تُشير هذه القاعدة إلى العلاقة بين الظاهر والباطن، والتي يُعبَّر عنها في الأدب الديني بالقول: “الظاهر عنوان الباطن”، أو بعبارة أخرى، كل إناء بما فيه ينضَح.

بالواقع، نحن نُظهِرُ التصرُّفات التي خلقنا لها البيئة الملائمة، وبالتالي قد يكون حالنا النموذجي والمثالي الذي نتصوّره عن أنفسنا مختلفًا عن الواقع الداخلي لنا. إن نقاء قلوبنا يعتمد على الغذاء الإيجابي الذي نقدمه لأنفسنا، سواء كان ذلك غذاء حسيّ أو وهميّ أو تخيلي، بالإضافة إلى التغذية السلبية التي نتجنبها. العلاقة بين الظاهر والباطن هي علاقة مباشرة، أي أننا لا نستطيع خلق أساس اكتساب سلبي لأنفسنا كأن نقوم بأعمال غير أخلاقية، وننتهك حقوق الآخرين، ونعوّد أنفسنا على رؤية أو سماع أي شيء كان، ثم في النهاية ندعي أن لنا قلب نقي.

في الواقع، يُشكل باطننا مجموعة من التصرفات والاكتسابات، حيث تتأصل جذور كل تصرف منا إلى باطن أنفسنا ولا يصدر عنا أي تصرف بدون أن يكون له أصل في باطننا. على سبيل المثال، عندما تظهر عند الأطفال عادة مثل مضغ الأظافر، يُعتبر ذلك ظهورًا للاضطراب والتوتر الداخلي للطفل، ولا يؤثر التعامل المباشر عليه كثيراً، بل يجب أن نتعامل مع باطن هذا الظهور والتوتر الداخلي الذي يكمن في جذور تلك العادة وأن نتعامل مع السبب الحقيقي الذي يؤدي إلى ظهورها.

العلاقة بين قبول الحق والباطن لوجودنا

تكوّن علاقتنا بالحق وظواهرها بشكل كبير على نقاء مراتب وجودنا ومستوياته. إذا امتلكنا قلوبا نقية، فإننا عندما نبلغ فهمًا كاملاً للحق نشعر بالرغبة في استقباله وقبوله في أنفسنا.  ونظرًا لأن القدرات والممتلكات التي بنيناها لأنفسنا لا تتعارض مع الحق بل وتتناغم معه تمامًا، فإننا نقبل الحق بسهولة. هذا يعني أن القلب السليم، يقبل الحقّ بلا إكراه بعد أن يصل إلى فهم كامل له. بما أنّ كل نفس بما كسبت رهينة، لا يمكن للبعض قبول الحق بسهولة. قد يتصرف الإنسان بالطبع كتلميذ يقدم إجابات خاطئة على الرغم من علمه بكل الإجابات الصحيحة، لأنه يتعامل مع معلّمه بتمرد. عندما يمتلئ القلب بالمفاهيم الضارة الخاطئة، فإن فهم الحق وحده لا يؤدي إلى قبوله. في هذه الحالة، يرفض الفرد الحق بحرية لأنه لا يشعر فقط بعدم الرغبة في قبوله، بل ويكرهه أيضًا. إن اكتساباتنا السلبية تقوم بأسر روحنا وتحرمنا من حرية اتخاذ القرارات الصحيحة. هذه هي أسوأ نتيجة يمكن أن نحصل عليها من ما اكتسبناه عن  طريق حواسنا، بما في ذلك الرؤية، والسمع، والتذوق، إلخ.

استعرضنا في هذا المقال، كيف يعيش كل فرد في إطار مكتسباته الشخصية أي “كل نفس بما كسبت رهينة”. تتجلى العلاقة بين الظاهر والباطن كعلاقة مباشرة، حيث تظهر تصرفاتنا كنتيجة لجوهر وجودنا وحقيقته. إن مكتسباتنا تشكل باطن وجودنا، حيث تؤثر المكتسبات الإيجابية في تشكيل سلوكيات إيجابية، بينما تكون المكتسبات السلبية أساسًا للسلوكيات السلبية. في الواقع، تتجلى علاقة الظاهر والباطن لدينا ضمن هذا السياق. وفي الختام، أشرنا إلى أن وجود قلب نقي يعزز بالتأكيد رغبتنا في استقبال وقبول الحق.

اكتب رأيك