ما هو العقل؟ العقل ليس دائما مبدأ تفوّق الإنسان.

جدول المحتويات
"هل العقل هو نفس الدماغ ؟ أم هو شيءٌ آخر موجودٌ داخل الدماغ؟"

هل يكون العقل مبدأ تفوّق الإنسان على الحيوانات؟

إذا سئلتم عن عرض تعريفٍ شاملٍ و دقيقٍ عن العقل، فماذا سيكون ردكم؟ ما هو العقل و ماذا يفعل؟

نکاد نعرف جمیعا مفهوم العقل ونميّز بين العمل العقلاني واللاعقلاني في ميدان العمل، إلا أنه قد يصعب عرض تعريف علمي دقيق عن العقل. نحن نستخدم العقل غير عارفين بمنبته ومدى قوّته!

  • هل العقل هو نفس الدماغ كما يظنّه البعض؟ أم هو شيءٌ آخر موجودٌ داخل الدماغ؟
  • هل تختصّ هذه القوّة بنا البشر فقط أم تمتلكها الکائنات الأخرى أيضا؟
  • هل يمكن للعقل أن يخطأ؟ أم أنه يتّخذ القرار الصحيح دائماً؟

تساعدنا الإجابة عن هذه الأسئلة علی التعرّف على أحد من أقوى أبعادنا الوجودية، وهو البُعد العقلي. إنّ العقل قوّة استثنائية تساعدنا في نمو بُعدنا الإنساني بشرط أن نعرف آفاتها و نقوم بإدارتها.

ما هو العقل؟

أين يقع العقل في جسمكم؟ وهل أنتم قادرون على رؤيته أو لمسه؟ يظنّ البعض أنّ العقل هو نفس الدماغ  أو داخل فيه، بينما هناك فروق واضحة بينهما. فالدماغ جزء مادّي، له وزنٌ و حجمٌ ولون وهو مركز التفاعلات الفيزيائيةٌ والكيميائيةٌ. علی خلاف ذلك، فالعقل ليس من المادة و لايمكن قياس حجمه و لا تحدث فيه أيّة تفاعلات. لو كان العقل في الدماغ، ما كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان على وجه التحديد، بينما يمتاز الإنسان عن الحيوان بالعقل ولا بالدماغ. فما هو العقل و من أين يأتي؟

كما سبق وقلنا فإن للإنسان بعدا غير مادي الى جانبه المادي أو الجسدي والذي يمثل فيما نسميه “النفس” وأنها قوة تعتمد الحياة عليه ویستمد الجسم وجوده منها، فما دامت النفس موصولة بالبدن يبقى الجسم حياً وإذا انقطع، وقع الموت. إن “العقل“، باعتباره قوة من قوى النفس فهو جوهر غير مادي لا يرتبط بالجسم بيد أنه يستخدم الدماغ كأداةٍ للإدراك و التحليل. توجد قوة العقل في الجنين منذ نفخ الروح في جسده إلا أنها كامنة وغير نشطة و مع نمو الإنسان و من خلال اجتيازه من المراحل النباتية والحيوانية للنفس، تصبح أكثر نشاطاً شيئاً فشيئاً.

ماذا يفعل العقل؟

يعتبر العقل وسيلة للوعي و الإدراك كقوى النفس الأخرى. نحن على دراية جميعًا بالمفاهيم العامة مثل الحب، والجمال، والقسوة، والخوف، وما إلى ذلك، والتي يتم فهمها من خلال قوة العقل. إن العقل هو الذي يميز بين الجيد و السَّيِّىء، والقبح والحسن، والخير والشر، والحق والباطل. غير أن هاهنا سؤالا هاما: هل يمكن للعقل أن يخطأ في التمييز بين الحق والباطل؟

من المستبعد أن نتوقع أن كل ما يصل له العقل یکون صحيحا وخالیا من الأخطاء والزلل، على اعتبار أنّ بعض معلوماته الواردة ومدخلاته، کحواسنا الخمس التي تنقل معلومات العالم المحيط إلى الدماغ من خلال قوى البصر والسمع واللمس والشم والتذوق، ليست صحيحة تماماً. هذه المعلومات يتم تحليلها و يصدر عندها العقل حكما نهائيا لا يخلو من بعض الزلّات نظرًا لوجود الأخطاء في معلوماته المدخلة، مثل ما یحدث في الألعاب المرئية وأخطاء الرؤية: نری ما هو غير موجود في الواقع و نقبله!

هناك حالةٌ اخرى مضافةً إلى المعلومات الخاطئة، وهي عندما لم يرتكب العقل خطأ، إلا أنه ليس بإمكانه اعلان القرار الصحيح و إشعاره. على سبيل المثال عندما يتضخم الجانب الحيواني للإنسان من جراء فرط الاهتمام به يمكنه السيطرة على قوة العقل. وهكذا رغم قدرة العقل علی التمييز بين الصّواب والخطأ احیانا، إلا أن الإنسان لايزال يستمر في القيام بعمله الخاطئ. لذلك، لو كان من الممكن استخدام العقل بشكل مستقل عن العوامل الأخرى وبغضّ النظر عن رغبات سائر القوى، فسنكون متأكدين بنسبة 100٪ من صحة أحكام العقل.

هناك أمثلة متعددة من غلبة الأبعاد الوجودية السفلى (منها البعد الجمادي، البعد النباتي و البعد الحيواني حيث نسمّيها من الآن فصاعدا “البعد الحيواني” بالاختصار) على البعد العقلي. مثال بسيط جدًّا هو عندما نخرج إلى السوق لشراء سلعة ضرورية، ولكن عائدين إلى المنزل فارغي الجيوب بعد قضاء ساعة من التّسوق والتّجول في الشوارع مع كومة من بضائع غير ضرورية! غالبًا نقوم بشراء كثير من سلع غير ضرورية وعالمين بأننا لسنا بحاجة إليها، ولكنها متعة الشراء التي تجعلنا نتوق إليها ولا يمكننا التغلب عليها. قدنتناول الطعام عندما نرى بعض الأطعمة الشهية دون أن نكون جائعين! وعلى الرغم من أن معظم المدخِنين يدركون أن التدخين مُضرّ، إلا أنّهم یستمرون فیه!

کانت هذه أمثلة بسيطة عن غلبة البعد الحيواني على العقل والتي غالباًما يلحق بها الانسان الضرر بنفسه وهناك الذين يعرضون ملايين من الناس للخطر بطبعهم الحيواني و يمكنكم بالتأكيد إعطاء أمثلة عنهم أفضل منا..

هل منح الله العقل للإنسان فقط؟

العقل لايخص الانسان فقط، بل يتجاوزه إلى الملائكة الذين خلق الله لهم عقولا مجردة، غير أنّهم كائنات غير مادية في بُعد واحد وليست لهم أبعاد جمادية ونباتية وحيوانية. فهم الآمنون من آفات هذه الأبعاد و عقولهم معصومة من الخطأ وبتعبير أدق هم العقول المحضة ولا يعصون الله ولا يخطئون. كما ذکرنا سابقا، فإن للملائكة عقلا دون شهوة، وللحيوانات شهوة بلا عقل، بینما نحن البشر نملك كلتا القوتين العقل والشهوة. إذا طغت الكمالات الحيوانية عند البشر فانّه سوف يساويهم بالحيوانات، بینما تضعهم الكمالات العقلية في صف الملائكة!

يظنّ البعض أنّ العقل هو الذي يجعل الإنسان متفوقاً على المخلوقات الأخرى، بينما الأمر ليس كذلك. لا يوجد فرق شاسع في وجود العقل بين الإنسان والملائكة وما يجعل الإنسان متفوقًا على الملائكة لا ينبغي البحث عنه إلا في البعد الإنساني لوجوده والذي هو في أعلى مرتبة من العقل، و لا يوجد في أيّ موجودٍ غیر الإنسان.

غلبة الكمالات الحيوانية على الكمالات العقلية

الإنسان كائن مركب من العقل والشهوة مع وجود صراع داخلي دائمي بينهما، يتغلب العقل على الشهوة تارةً، وتتغلّب الشهوة على العقل تارةً أخرى. لا يمكن حصر غلبة الشهوة في الرغبات الجمادية مثل الشراء أو الرغبات الحيوانية مثل الأكل فحسب وإنما تستغرق الشهوة كافة المجالات، حتى الكمالات العقلية. ما يأتي يعتبر من الكمالات العقلية کالدراسة والأمور العلمية، کون الإنسان طبیبًا ومهندسا ومجتهدًا ومخترعًا وعالما وأستاذًا، و على العموم كل ما يتعلق بمجال العلم والمعرفة والفكر. البعض لايهتمّون كثيراً للمسکن أو السيارة أو الثوب أو الطعام، لكنّهم بدلاً عن ذلك لديهم شهوة العلم و الدراسة ویعشقون البحث و التحقيق، أو طباعة الكتب و المقالات. على الرغم من أن الكمالات العقلية أكثر قيمة من الكمالات الأخرى، إلا أنه يمكنها أن تصيب الإنسان بالآفات المذكورة أعلاه، أي تجعله مشغولاً لدرجة أنه ينسى البعد الإنساني لوجوده بشكل عام.

يعد اكتساب العلم والمعرفة من الأمور المقدّسة والنّورانية، و العلماء و المفكّرون محترمون عند كل الأمم. لكن من المهم أن نذكر أنّ التعلّم ليس كمالاً إنسانيّا بل هو من الكمالات العقلية والتي لابد أن توفّر المجال للنضج الإنساني إلی ماوراء العقل و إن لم تفعل ذلك فانها تتحول بنفسها إلى آفة وضرر، و ما أکثرالمتعلمين وحتى علماء الدين الذين قد حالت شهواتهم العلمية دون الوصول إلى الكمال الإنساني.

يعتبر البعد العقلي من الجوانب الاساسية لوجود الإنسان وكمالاته المرتبطة به، ولها قداسة اكثر مقارنة بالكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية. من جهة فإن قوة العقل تعتبر الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان، وهي الوجه المشترك بينه وبين الملائكة من جهة أخرى. نحن كالملائكة في امتلاكنا للعقل، إلا أن هذا العقل نفسه إذا وضع تحت سيطرة القوى الحيوانية، سينحرف من مساره الأصلي و سيتحوّل إلى أداةٍ لاستجابة ميول قوى النفس الحيوانية. إذن حيازة العقل وحدها لا تجعل الإنسان متفوقًا على الملائكة. هذا التفوق كامن أو بالقوة، ولا يتحقق إلا عندما يحكم البعد الإنساني أو ماوراء العقل على جميع أبعاد وجودنا. وإلا فإنّنا سنسقط خطوة بخطوة حتى نجد أنفسنا في مستوى الحيوانات وحتى أسفل منها.

اكتب رأيك