هل ترتبط سلامة قلب الإنسان بقدرته على ضبط الخيال؟ وما سرّ هذه الضرورة؟

جدول المحتويات
كيف يقود ضبط الخيال إلى سلامة القلب؟ وكيف يمكننا السيطرة على خيالنا؟

كيف يقود ضبط الخيال إلى سلامة القلب؟ وكيف يمكننا السيطرة على خيالنا؟

كثير منّا يعيش مع خيالاته أكثر مما يعيش مع حقائق حياته. فالخيال عالم مدهش وخفيّ، يؤثر مباشرةً في صفاء قلوبنا ومسار حياتنا من حيث لا نشعر. إنّه قوّة باطنة لا متناهية، لا تخضع لقانون محدّد، وهي من أعظم قوى النفس؛ تفوق الحواس منزلةً، لكنّها دون الوهم والعقل مرتبةً. فالخيال ليس سوى إعادة تصوير ذهني لما أدركناه من قبل بالحواس؛ كطَعم طعام لذيذ تذوّقناه، أو رائحة عطر أحببناه، أو لحن موسيقي تطرب له الروح. وإن لم يكن بين أيدينا الآن، يكفينا أن نستدعيه بالإرادة، لنستعيد شعوره في داخلنا.

إلى هنا يبدو الأمر مجرّد تعريف عام لهذه القوّة، لكنّ السؤال الأعمق هو: ما علاقة الخيال بسلامة القلب وطهارة النفس؟ وكيف يمكن لأفكارٍ وصورٍ عابرة أن تحدّد سعادة القلب أو شقاؤه؟

لفهم ذلك، لا بدّ أن نتأمّل موقع الخيال بين سائر قوى النفس. فالحواسّ هي أبواب تدخل منها المؤثرات إلى قلب الإنسان. يأتي بعد ذلك الخيال ليأخذ هذه المدركات أو المحسوسات[1] ويعيد تشكيلها وفق صوره الخاصة. غير أنّ الخيال لا يكتفي بالتصوير فحسب؛ بل هو مطبخ النفس الحقيقي. فهو يخلط ما جمعه من مرئيات ومسموعات وتجارب، ليصنع أطباقاً ذهنية يتغذّى عليها العقل والوهم، بل وسائر القوى الرفيعة فينا.

ومن هنا ندرك أنّ نوعية ما ينتجه خيالنا هي التي تحدّد سلامة القلب أو علّته. فإذا كانت خيالاتنا فاسدة، فإن قلوبنا تصاب بالمرض والتسمم. وإذا كانت طاهرة نقية، تغذّت به النفس فاستقامت وسَلِمت. لهذا يصبح ضبط الخيال ضرورة مصيرية؛ إذ لا معنى لسلامة قلب بلا طهارة صورته الباطنة. والتحكم بالخيال ليس طريقاً سهلاً، لكنّه طريق مليء بالتحديات الجميلة، والثمار التي تثمر حياةً أصفى وقلباً أرقى.

منشأ ضبط الخيال

بما أن سلامة قلب الإنسان مرهونة بجودة خيالاته، فإن أي عاقل يحرص على السعادة والخير سيتجه نحو مجموعة من الإجراءات للتحكم في خياله. وإذا سُئلنا كيف ننظف نهرًا تلوث بمخلفات مدينة‌ما، فإن الإجابة المنطقية هي سد منابع التلوث أولاً، لكي يتطهر النهر تدريجيًا. فبدلاً من معالجة السطح، من الحكمة أن نبدأ بمعالجة الجذور والأساس. أمّا محاولات التنظيف السطحية والوقتية، فهي لا تعالج أصل الداء ولا تقطع جذوره. وهكذا هو القلب: من أدرك أهميّة الخيال في سلامته ومصيره، سيعلم أنّ الإصلاح لا يكون بتقليم الأغصان بل بمعالجة الجذور. والخيال كما قلنا هو مطبخ النفس، يصنع طعامها ويقدّمه لسائر قواها، ومن هنا فإنّ العناية بالخيال تبدأ من العناية بما يُلقى في هذا المطبخ من مواد أوّلية. وهذه المواد الأوّلية ليست سوى المحسوسات: ما تراه العين، وما تسمعه الأذن، وما يذوقه الفم. كلّ صورةٍ أو صوتٍ أو لقمة تدخل النفس تتحوّل إلى مادة خام يتغذّى بها الخيال. فإذا كانت هذه المدخلات طاهرة ونقيّة، كان الخيال نقياً، فينتج غذاءً سليماً يبني قلباً معافى، وعلى النقيض، فإن مرئيات ممنوعة (مثل الأفلام أو الصور غير اللائقة)، ومسموعات ممنوعة (مثل الغيبة أو بعض أنواع الموسيقى)، والمأكولات المحرمة، ترسل مواد فاسدة إلى مطبخ الخيال، مما يؤدي إلى مرض القلب. وكما يهتم الإنسان بتنظيم غذائه لصحة جسده، يجب أن يكون له برنامج لتنظيم غذاء قلبه. لتحكم في خيالك، يجب عليك التحكم في الأغذية الخيالية التي تدخل قلبك عبر بوابات العين والأذن واللسان. فلا تتجسس على كل مكان، ولا تستمع لكل حديث، ولا تنظر إلى كل شيء، ولا تتناول كل لقمة. في ظل هذه السيطرة، ستتطهر خيالاتك، وتسمو بقلبك إلى مقامات إنسانية وروحانية عليا. أما إذا لم يتم التحكم في الخيال، فإن الخيالات الملوثة تميت القلب وتخفض الإنسان إلى مستوى الحيوان أو النبات.

على سبيل المثال، يجب أن نكون حذرين في ما نستمع إليه، لأن الموسيقى مثل الغذاء، تؤثر مباشرة على حالة القلب ونقاء النفس. يجب أن تبعدنا عن الأفكار الخبيثة، لا أن تلوث الخيال. ويجب أن ندرك أن ليست كل الكتب والمجلات تستحق القراءة. فالقصص الخيالية مثل روايات رومانسية أو جنائية وأساطير تشغل الخيال وتخرجه عن مساره الصحيح. وكذلك تضييع ساعة في تصفح أخبار سلبية وشبكات التواصل الاجتماعي يعتبر دوامات تبتلع خيالاتنا ويجب الحذر منها.

حتى الأطعمة الماديّة لها أثر في نوعية الخيال. فاللقمة الحرام تولّد خيالاً ملوّثاً، وطبيعة الطعام نفسها تؤثّر في نشاط الخيال وصفائه. فالأطعمة ذات المزاج البارد مثلاً قد لا تعين على صفاء الخيال الراقي، وإن كان ذلك يختلف باختلاف الأمزجة والأبدان، فما يضرّ واحداً قد ينفع آخر. لكنّ الثابت أنّ ضبط الغذاء جزء لا ينفصل عن ضبط الخيال، ومن ثمّ عن سلامة القلب. ولهذا لا بدّ للإنسان من برنامج غذائي واعٍ، يُبنى بالمشورة مع أهل الخبرة.

آثار ضبط الخيال

يقود التحكم في الخيال مباشرة إلى تحقيق السكينة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وفيما يلي، نستعرض العلاقة بين التحكم في الخيال وجودة الحياة.:

ضبط الخيال وعلاقته بحال الدنيا

أحداث الدنيا لا تجري فقط من حولنا، بل تتجلّى أساساً في عقولنا وقلوبنا. فمزاجنا ـ سعادةً كان أم حزناً ـ إنما يتحدد بما نصنعه نحن من صورٍ في داخلنا لما يحدث خارجنا. قد يفقد أحدنا عزيزاً عليه، وهذه حادثة قاسية مؤلمة، لكنّه إذا استحضر في خياله مكاناً رفيعاً لذلك العزيز في جنان الخلد، خفّف عن نفسه وطأة الفقد، واستمدّ من خياله طمأنينةً وسكينة. أو قد يكون ابن أحدهم ضعيفاً في الرياضيات، لكن الوالدين بدلاً من الغضب والتحقير، يتخيّلانه مبدعاً في الفنون، فيفتحان له باب نجاح جديد، ويصونان أجواء البيت من التوتر والاحتقان.

وهكذا، كلّ من يدرب نفسه على ضبط خياله، ينجو من حرائق القلق والحزن والتوتر والاضطراب، ويحوّل جحيم حياته اليومية إلى جنّة وارفة بالطمأنينة. فالجنة دار أمن وسلام، لا مكان فيها للنار، وكذلك القلب لا يُبنى فيه جنان الرضا إلا إذا طُهّر من نيران الهموم والهواجس. وضبط الخيال هو المفتاح لهذه الطهارة. فالخيال إذا تُرك بلا قيود يشبه طائراً غاص في وحل، التصقت بجناحيه الأوساخ فلا يقوى على التحليق. ولا سبيل لطيرانه إلا بتنظيف جناحيه، وتغذيته بما ينفعه، حتى يستعيد قوته ويطير في فضاءات النور. كذلك الخيال: حين نطهّره ونغذّيه بالصالح، ينهض بنا إلى أعالي السعادة والصفاء.

من يضبط خياله تتبدّل حياته: يتذوّق حلاوة الطمأنينة، ينعم بنوم هانئ، يذوق لذّة الحضور في صلاته، ويعيش لحظة القرب من الله عزّ وجل. وحين يتطهّر القلب من الخيال المريض والخواطر الملوّثة، يتجلّى فيه نور الله، فيغدو جنّةً عامرةً بحضوره.

صلة ضبط الخيال بحسن حال الأبدية

قلنا إنّ حال القلب في الدنيا هو صورة حاله في القبر والآخرة. فالقلب الذي لم يَسلَم في حياته الدنيوية، سيولد إلى البرزخ مريضاً معلولاً، ويعيش في ذلك العالم وما بعده في القيامة والأبدية غارقاً في آلام ونقائص وعذاب. بل إنّ صاحبه في الدنيا أيضاً لا يهنأ براحة، يظلّ أسير الهموم والقلق والأفراح الزائلة. لذلك، فإنّ ضبط الخيال من أعظم مسؤوليات تقع على عاتق الإنسان إن أراد الفوز بسعادة نفسه. إنّ ولادة الإنسان ولادةً سليمة إلى البرزخ ليست صدفة، بل هي ثمرة سلسلة مترابطة من المراحل الدقيقة، أشبه بمعادلات كيميائية متكاملة: البداية من غذاء طاهر وسليم، فيثمر خيالاً نقياً، والخيال النقي يبني قلباً سليماً، والقلب السليم ينتج عملاً صالحاً، والعمل الصالح يقود إلى ولادة طاهرة إلى البرزخ والأبدية.

فمن هنا ندرك أنّ ضبط الخيال ليس شأناً عابراً، بل هو الطريق الذي يصوغ مصيرنا الأبدي، ويفتح لنا أبواب السعادة التي لا تنقطع.

[1] المحسوسات هي كلّ ما تدركه الحواس الخمس: البصر والسمع والشمّ والذوق واللمس. فكلّ ما نراه بأعيننا، أو نسمعه بآذاننا، أو نشمّه بأنوفنا، أو نتذوّقه بألسنتنا، أو نلمسه بأيدينا، يُعَدّ من دائرة المحسوسات.

اكتب رأيك