العلاقة بين الدنيا والآخرة: علاقة غامضة لا نُقدّر قيمتها

جدول المحتويات
إن علاقة رّحم الأمّ مع الدّنيا هي كعلاقة الدّنيا مع الآخرة تمامًا.

ما هي العلاقة بين الدنيا والآخرة وكيف تكون الدنيا مظهرًا للآخرة؟

الدنيا الفانية أم الآخرة الباقية؟

الدنيا الدنيئة أم الآخرة العظيمة؟

الدنيا المحدودة أم الآخرة التي لا نهاية لها؟؟

غالباً ما نُدرك الدنيا والآخرة كمفهومين متضادين، وهو ما نتوقعه. ولكن قد يغفل الكثيرون منّا عن العلاقة بين الدنيا والآخرة والدور الذي تلعبه الدنيا كمظهر للآخرة. فكما أن الآخرة تحيط بالدنيا، فإنّ الدنيا تُعرّف داخل الآخرة.[1] وأوضح مثالٍ يُمكن أن يُوضّح ذلك هو رحم الأم في الدنيا. فكما أننا لا نستطيع إنكار ارتباط رحم الأم بالدنيا، فإننا لا نستطيع أيضاً تجاهل العلاقة بين الدنيا والآخرة.

على الرغم من أننا، كأجنةٍ داخل رحم الأم، نعيش ظروفًا بيولوجيةً مختلفةً، ونحصل على غذاءٍ مغايرٍ، ونستمتع بلذاتٍ تختلف عن تلك التي خارج الرحم، ونملك قدرةً محدودةً على التأثير على العالم الخارجي، إلا أن حياتنا مرتبطة بوجود هذا العالم ارتباطا وثيقا. فلو لم تكنْ الدنيا موجودًة، لما وُجد جنين أيضًا. في الحقيقة، يمكن القولُ بأن الجنين موجود في الدنيا، لكنْه في بيئةٍ مختلفةٍ تمامًا. ويعيش أدنى درجات الحياة المادية في رحم الأم. يتغذّى على الدم، ويعيش في بيئةٍ ضيقةٍ ومظلمةٍ. ويستمتع بلذاتٍ محدودةٍ، ويشعر بحبّ الأم وعاطفتها، وغضبها وقلقها، لكنْ بشكلٍ محدودٍ للغاية. إنه  في الواقع لا يعمل في هذه البيئة شيئا سوى الاستعداد للحياة في العالم الخارجيّ، الذي سيذهب إليه بعد اكتمال نموه، عندها سوف يتسنى له الاستفادة من نعمات الدنيا بما حملها معه من إمكانياتٍ.

الدنيا: ملخصٌ للحياة الآخرة

إن علاقة رّحم الأمّ مع الدّنيا هي كعلاقة الدّنيا مع الآخرة تمامًا. ما نملكه ونختبره في الدّنيا هو في الواقع خلاصة وجوهر ما موجودٌ في الآخرة. وبالتالي، فإنّ علاقةَ الدّنيا مع الآخرة أعمق بكثيرٍ ممّا كنا نفكر فيه.

العلم، والحبّ، والسعادة، والألفة، والولاء، والسرور، واللّذة، كلّها حقائق مستمدّة من أصلها في الآخرة، وقد تنزّلتْ لتناسب الحياة الدنيوية. فالحياة الدنيويةُ، هي أدنى وأحط من الحياة السامية في الآخرة، كما أن الظروف البيولوجية في الرّحم أدنى مقارنة بالدّنيا.

إذن فإنّ الدّنيا هي التجلّى الأدنى للآخرة. وبما أنّ الجنة والنار هما تجسيدٌ للآخرة، فإنّ الدّنيا هي التجلّى الأدنى للجنّة والنار. لكن ماذا تعني هذه الجملةُ بالضبط؟

الحقيقة أنّ طريقة تعاملنا مع الدّنيا تخبرنا عن أحوالنا في الآخرة. لا يمكننا أن ننعم بأصل الجنة إلاّ بشرط أن نكون قد استمتعنا من قبل بفرعها في الدّنيا. وبالطبع، هذا لا يعني أنّه إذا حرمنا في الدّنيا من أيّ نوعٍ من اللّذة أو النعمة، فإنّنا سنحرم منها في الآخرة أيضًا. بل نريد القول إنّه لا يمكننا الوصول إلى الجنة إلاّ إذا كنّا في الدّنيا أيضًا أهل سلامٍ وعشنا حياةً طيبة سماوية.

إنّ السعادة في الدنيا ليست غاية بحدّ ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق السعادة الأبدية في الجنة. فكما لا تستطيع المعدة هضم طعامٍ كثيرٍ إذا لم تكن قادرة على هضم كميةٍ قليلةٍ منه، كذلك لا يستطيع الإنسان أنْ ينعم بسعادة الجنة الكاملة إذا لم يكنْ قادرًا على الشعور بالسعادةِ في الدنيا. تُعدّ الدنيا تجلّيًا من تجلّيات الجنة، فهي تحتوي على بعض مظاهر السعادة والجمال التي نجدها في الجنة. إنّ السعادة في الدنيا هي مفتاح دخول الجنة. فإذا استطعنا أنْ نعيش حياةً سعيدةً في الدنيا، ونُقيم علاقة قويةً مع الله تعالى، فسوف نكون مُستعدّين للتمتّع بسعادة الجنة الأبدية.

تجليات الآخرة في الدنيا

لقد سبق وناقشنا العلاقة بين الدنيا والآخرة، حيث بيّنا أنّ الدنيا ليست سوى تجلٍّ من تجلّيات الجنة أو جهنم. فإذا عوّدنا أنفسنا على مظاهر جهنم في الدنيا، كالكآبة والغضب والعصبية والخوف والكراهية والحسد، ونحوها، فإنّنا سنكون بعيدين كل البعد عن الجنة ولن نستطيع الاستمتاع بها. بل وسنكون قد جعلنا أنفسنا أهلًا للنار، وبما أنّنا عانينا من الضيق والشدّة في الدنيا، فإننا سنعاني منها في الآخرة أيضًا.

لذا، فإنّ نظرتنا إلى الدنيا وتعريفنا لها لهما أهميةٌ كبيرةٌ، لأنّهما يُحدّدان نوع حياتنا في الآخرة. من الواضح أنّ تعاملنا مع الدنيا يتطلّبُ منّا معرفةَ كيفية مواجهتها، وإلاّ فإننا لن نتمكّن من الاستفادة منها بشكلٍ أمثل، بل وقد نُصيبُ أنفسنا بالأذى.

إن رحلتنا لا تنتهي عند حدود الدنيا، بل سوف ننتقل بعدها إلى عالمٍ رحيبٍ وثريٍّ يتجاوز تخيّلنا، ويفوق مستوى الحياة فيه ما نعرفه في الدنيا بلا قياسٍ. هذا يعني أنّ احتياجاتنا في الآخرة ستكون أكبر بكثيرٍ، لا ويتم اكتساب هذه الثروة إلا من خلال العمل الصالح وتكراره. فتماما كما أنّ رحم الأمّ يمنح الجنين فرصة فريدةً للنموّ والتطور، كذلك تتيح لنا الدنيا فرصة مثالية لتكرار الأعمال الصالحة وتحويلها إلى صفاتٍ أخلاقيةٍ لكي تصبح ثروةً لنا في الآخرة. تمكّننا هذه الثروة من الاستمتاع بشكلٍ أكبر بجنةٍ عشنا بعض تجلّياتها في الدنيا. ومن جهة أخرى، تتيح لنا الدنيا أيضاً فرصة ذهبية لتصحيح أخطائنا وتغيير صفاتنا السيئة التي ثبتت في أنفسنا من خلال التكرار، وإذا لم ننتهزْ هذه الفرصةَ، فقد نعاني من عواقب تلك الأخطاء المتبقية معنا في الآخرة، ومن يدري إلى أي مدى ستُقيّدنا؟!

نظرنا في هذا المقال، إلى العلاقة بين الدنيا والآخرة من منظورٍ مختلفٍ، وبيّنا أنّ الدنيا هي تجلٍّ من تجلّيات الآخرة، وأنّ كيفيةَ تعاملنا معها تعكس أوضاعنا في الآخرة. فمنْ أراد أنْ يكون من أهل الجنة، فعليه أنْ يسعى إلى السعادة في الدنيا التي هي تجلٍّ صغير من الجنة. ومنْ أراد أنْ يبتعد عنْ جهنّم، فعليه أنْ يتجنّب مظاهر جهنّم في الدنيا، مثل: الغضب والكراهية والحسد. كما شرحنا أيضاً أنّ الدنيا، بفضل قدرتها العالية على التكوين والبناء، هي أفضل مكانٍ لاكتساب ما نحتاجه من ثرواتٍ في الآخرة، وللتخلّص منْ العادات السيئة التي قد نكون تعلّقنا بها.

[1] . الامام علي (عليه السلام): الدنيا في الاخرة والاخرة محيطة بالدنيا، مجمع البحرین: ج 1 ص 270 .

اكتب رأيك