كيف يمكننا الاستفادة القصوى من فرصة العمر في الدنيا؟

جدول المحتويات
لابد استغلال فرصة العمر في رحم الدنيا للحياة الأبدية الأخروية

كل لحظة من فرصة عمرنا تعادل آلاف سنين في الآخرة

يُعتبر قصر عمر المخلوقات في عالم المادة أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. على سبيل المثال، يكون عمر النباتات والكثير من الحيوانات أقل بكثير من عمر الإنسان. أو هناك أنواع تعيش لفترات طويلة جدًا مقارنة بالبشر. ومع ذلك، بغض النظر عن عدد الأشهر أو السنوات أو حتى القرون، يأتي يوم تنتهي فيه حياة جميع المخلوقات. حتى نور الشمس وحرارتها سينتهي به يوما بالبرودة والظلام. للإنسان أيضًا عمر محدود في هذا العالم، ويصل في النهاية يومًا ما إلى نهاية سجلّ عمره.

يمر الوقت والعمر والزمان! امور تمر بنا في كل لحظة نعيشها وتستمر في المضي قدماً. إنها ثروات لا يمكن تعويضها إذا فقدناها. في تعريف بسيط، يشير الوقت إلى ساعة ودقيقة وثوان من الحياة. بينما الزمان يعني مرور هذه الثواني واللحظات. إن مرور فرصة العمر سريع للغاية، حتى أننا عادةً لا ندرك الانتهاء السريع لهذه الثروة. من الصعب تصديق أنه مع كل ليلة نقضيها، فإن هذه الثروة الثمينة تنقص بمقدار يوم واحد، وتقترب أكثر من نهايتها. إن عمرنا فرصة تأتي لنا مرة واحدة فقط و بشكل محدود. في هذا السياق، فإن أعظم فن في الحياة هو اغتنام الفرص الفريدة التي نملكها. إنها كيمياء السعادة التي تمسّك بها الناجحون والمنتصرون وعظماء التاريخ.

قد نسمع تعابير كثيرة حول نهاية حياة الإنسان وموته، ولكن أحد أشمل التعابير هي أن أنفاس الإنسان تقوده نحو نهاية عمره. لذا، فإن الاستفادة الصحيحة من فرصة العمر التي تعتبر نعمة لا تتكرر، يمكن أن تقود حياتنا الدنيوية إلى قمة السلام وتجعل حياتنا الآخرة مأوى هادئًا لنا.

نعتزم في هذا المقال استكشاف فرصة حياة الجنين في رحم الأم. دعونا نفهم كيف يمكننا أن نكون مثل الجنين الذي يستفيد من فرصة التسعة أشهر إلى أقصى حد داخل رحم الأم، ونستخلص العبر من نسبة عمر الجنين في رحم الأم إلى حياتنا في الدنيا، حيث يتوقف ذلك على النسبة بين مدة حياتنا في رحم الدنيا والآخرة. لذا إذا كنت قلقًا بشأن لحظات حياتك وتتطلع إلى الاستفادة القصوى من فرصة عمرك في الدنيا والآخرة، فتابعونا في هذا المقال.

فرصة قصيرة لعمر الجنين

ما نملك من معرفة هو أن فرصة العمر للجنين في رحم الأم قصيرة، حيث لا يستغرق الأمر أكثر من تسعة أشهر منذ تشكيل النطفة حتى ولادة الطفل. يلزم على الجنين أن يكون قد تطور بشكل كافٍ خلال هذه الفترة، وحاز على جميع الأدوات والأعضاء الضرورية للحياة في الدنيا بهدف تجنب المشاكل والنقصان فيها. لذا، فإن حياة الجنين تبدأ في الاستعداد والتجهيز لحياته في الدنيا منذ اللحظة التي يتم فيها وضعه في رحم الأم كقرار مكين. قد يؤدي إهمال الأم، مثل نقص المواد الغذائية، وعدم احترام مبادئ الحركة، والإصابة بالأمراض القابلة للانتقال، واستهلاك مواد غذائية ضارة، إلى ضياع فرصة الجنين في بناء نفسه أو اكتساب ثروة، وهي فرصة لا يمكن تعويضها أو استرجاعها.

من جهة أخرى، وفقًا لرياضيات الخلق، فإن كل شيء قد خُلق بحساب وقانون، وله قدر[1] وقوانين. يقوم الجنين خلال تسعة أشهر ببناء وتشكيل الأعضاء والأجزاء، ويتطور في رحم الأم ليصبح جاهزًا للحياة في الدنيا لمدة تتراوح بين 70  أو80 عامًا.

على الرغم من أن انتقال الجنين من رحم الأم إلى العالم لا يستغرق أكثر من بضع ثوان، وأن الانتقال إلى الحياة لا يعني أي تغيير مكاني، إلا أن الظروف البيئية للجنين تتغير تمامًا مع الولادة. يجب عليه استخدام كل ما جلبه معه من رحم الأم إلى الدنيا، لكي يضمن لنفسه حياة مرغوبة وسعيدة. ورغم أنّ خروج الجنين من رحم الأم والانتقال إلى الدنيا، تعتبر لحظة حلوة للأشخاص المحيطين به، إلا أنه يعد نهاية للفرصة بالنسبة للجنين. يمكن أن تكون الولادة والانتقال إلى الدنيا، بالنسبة للجنين الذي لم يكتسب التحضير اللازم للحياة في هذا العالم المتطور والمعقد، أمرًا خطيرًا للغاية، ويحمل مصاعب مصاحبة من الألم والحسرة الاستثنائية.

فرصة العمر القصيرة هي للتحضير واكتساب الثروات

بتأثير كل ما نعلمه، تحيط بوجودنا مجموعة من الإمكانيات والقدرات الكامنة التي يجب علينا تحويلها من القوة إلى الفعل خلال فترة حياتنا في الدنيا. لا يوجد ظرف آخر أن يكون أفضل من رحم الدنيا لإظهار هذه القدرات وتنميتها. تُمنح لنا هذه الفرصة على مدار العمر،  لنكون قادرين على تطوير إمكاناتنا والاستفادة من نعم الله، بفضل معرفتنا الصحيحة لأنفسنا. لذا، يجب علينا استغلال كل طاقاتنا في السنوات القليلة من العمر في الدنيا، لاكتساب وبناء أدوات ذات فائدة في عالم الآخرة اللانهائي. لا ينبغي للأخطاء، والكسل، والتراخي، وعدم وجود هدف، والتفكير في أحلام عقيمة أن تجعلنا ننسى الهدف النهائي لخلقنا ونحول هذه الفترة القصيرة في الدنيا إلى لعبة عابرة.

إذا كانت اختياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا سليمة، فإننا نعرف قيمتنا الحقيقية بشكل أفضل ولن نبيع أنفسنا بثمن رخيص في سوق الدنيا. وبالتالي، فإننا سنستخدم فرص عمرنا بشكل صحيح ولن نصبح غارقين في ندم الماضي. لابد أن نأخذ بعين الإعتبار مرور الوقت وسرعة اللحظات، وحقيقة أن كل ما انقضى لن يعود. جميع هؤلاء النقاط مهمة يجب أن نتذكرها دائماً. إذا كنا ندرك أن رأس المال المتاح والثروة القيمة للحياة هي هذه اللحظات الحاسمة الثمينة غير المتكررة التي بين أيدينا، فإننا سوف نحاول استخدامها بشكل لائق لأغراض آخرتنا.

و كما لا يفهم الجنين مدى وسعة الدنيا وماهيتها قبل مغادرة رحم الأم، نحن أيضاً لا نستوعب وسعة الحياة الأبدية بالطبع إلا بمغادرة الدنيا والموت. في الحقيقة، فإننا لا ندرك أن مدة حياة الدنيا كلها لا تتجاوز لحظة مقارنة بالآخرة. ولذلك يجب أن نحصل على السمات والأدوات المناسبة للحياة في البرزخ والملكوت والقيامة، بناءً على ما اكتسبناه في الدنيا.

الحياة الأبدية والعمر اللانهائي فيها

إن رحيلنا عن هذه الدنيا مصحوب بدخولنا إلى النظام الأخروي مباشرة، و بما أن الآخرة عالم لا نهائي، ويتميز بجمال لا يضاهى، وكمال لا مثيل له، وروعة لا تنتهي، وتعقيد يتعدى الوصف، فلذلك يتبين لنا بوضوح أننا بحاجة ملحة إلى تجهيزات ضخمة يتعين علينا تأسيسها هنا في رحم الدنيا. وإلا فإننا سندخل الحياة الآخرة بولادة ضعيفة أو غير كاملة، تمامًا كما يفعل الجنين الذي لم يُعدّ نفسه بشكل صحيح لحياة جديدة في الدنيا. وكذلك يكون تعويض هذا النقص أمرًا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

الفرصة التي وُضعت بين أيدينا في الدنيا هي فرصة عمر تُشبِهُ حقلًا يمكن زراعته وجني ثماره في الآخرة. إذا قضينا عمرنا في سبيل الخير والسعادة، سنحصد حقلًا خصبًا ووافرًا يوم القيامة. نحن لا نملك فهمًا دقيقًا لتلك التسعة أشهر التي قضيناها في رحم الأم، بل نعلم فقط أننا قضينا مدة معينة هناك. كما نعلم أننا سوف نقضي وقتًا قصيرًا في الدنيا قبل الانتقال إلى الآخرة، لأن طول عمرنا الدنيوي محدود جدًا مقارنةً بالأبدية ولا يعني شيئًا.

تناول هذا المقال فرصة العمر لاكتساب المعدات في رحم الأم. وقد أدركنا أنه بالنظر إلى نسبة عمر الجنين في رحم الأم مقارنةً بفترة حياة الإنسان في الدنيا، يمكننا القول بأن الفترة التي نقضيها في هذه الدنيا قصيرة ومؤقتة مقارنةً بالآخرة.

فكيف تستفيدون من فرصتكم في الحياة؟ نحن بانتظار آرائكم الثمينة حول هذا الموضوع.

[1]. القمر:49:   إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

اكتب رأيك