ما هو أصل الصفات الحيوانية في شخصية الإنسان؟
دعنا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل الدنیا بدون إنسان. إنه شعور غريب! عندما يحذف الإنسان من خريطة العالم يبدو أن كل شيء يفقد معناه الأصلي. لذلك، فليس من العبث أن نقول بأن العالم لا معنى له بدون الإنسان.
نحن البشر نواجه العديد من الأسئلة والغموض التي تتحدى عقولنا، و لأننا نجهل حقيقة أنفسنا فإننا لا نجد إجابات مقنعة لها في الحياة. على سبيل المثال، يعتبر البعض أن الدين هو مجموعة من الأوامر والنواهي غير المنطقية، والتي تحول دون حريتنا في التصرفات وتسلب راحتنا. بالإضافة إلى ذلك فإننا نعتبر المشاكل والإخفاقات نوعًا من الظلم والارغام و نسأل أنفسنا دوما: لم على الإنسان تحمل الضغوط والمعاناة في حياته؟
فترانا نشعر بالنقص إذا كنا مصابين بإعاقة جسدية، أو كنا عازبين، أو غير متعلمين، أو نفتقر إلى مكانة اجتماعية جيدة، فنقوم دوما بمقارنة أنفسنا مع الآخرين ونحسبهم متفوقين علينا اذا امتلكوا الكمالات التي نفقدها. قد نظن أن هذه الأسئلة والشكوك تنبت من أنفسنا، غافلين أن هذه النفس التعيسة و غير الراضية التي ننسبها إلى أنفسنا، هي ليست نفسنا الحقيقية، إنما هي النفس الحيوانية أو الجزء الحيواني من وجودنا.
ولكن، ما هي النفس الحيوانیة و من أين تنبع؟ و ما هي ميزاتها ودورها في حياتنا؟ سوف تقربنا الإجابة على هذه الأسئلة خطوة أخرى من معرفة النفس.
التعرف على البعد الحيواني للإنسان
تعرفنا في المقالة “ما هو البعد النباتي للإنسان، مكانة الإنسان في البعد النباتي“، على جوهرٍ غير مادي يسمى ب”الروح”، والتي هي من تبعث الحياة في الكائنات الحية. ثم تحدثنا عن مراتب النفس وأصنافها وأدرجنا كل مرتبة منها على أنها مصدرٌ للآثار الوجودية والكمالات في الكائنات الحية، وأشرنا من بين هذه المستويات إلى “النفس الحيوانية“، والتي سوف نقوم بشرحها في هذا المقال.
بعد استقرار النطفة في رحم الأم (المرحلة الجمادية) تبدأ النفس النباتية بالقيام بوظيفتها، وبعد عدة مراحل من النمو والانقسام الخلوي، يتشكّل الجنين وتُنفخ الروح فيه فی الشهر الرابع من الحمل تقریباً، و خلال هذه المرحلة تدخل النفس إلی مرتبة الحياة الحيوانیة و ترتفع عن رتبة النبات.
عندما يولد الطفل ليس لديه علم عن العالم الخارجي، و من خلال نمو قواه الحسية وتفعيلها، يتم تنشيط أبعاده المختلفة الوجودية تدريجيا. يمكننا القول بأن الإنسان فی وقت الولادة هو حيوان بالحق، لكن الفارق الكبير بينه وبين الحيوانات في أن الحيوان سيحقق كماله النهائي، بالوصول إلى الكمالات الحيوانية، بينما الأمر ليس كذلك بالنسبة للإنسان، فهو بالإضافة إلى الخصائص الحيوانية، يمتلك العقل، و يظهر فيه بعدٌ آخر أسمى یُطلق عليه “البعد الإنساني”. للأسف، فإن معظم الناس يظلون في المرتبة الحيوانية ولا يصلون إلى الكمال الإنساني طيلة حیاتهم أبدًا.
و لكن، ما هو الكمال الحيواني وما هي السمات المشتركة بين الإنسان والحيوان؟ الإجابة على هذا السؤال مهم جدًا، لأن معظم الناس في أغلب الأحيان لا يرون الكمال إلا في ما يتعلق بالكمالات الحيوانية، و العجيبُ بالأمر أنهم يتباهون بالأمور التي لا علاقة لها بالإنسانية. و على الرغم من كونها محترمة و تستوعب الحسن و القدسية، إلا أنها لا تُتعبر غير خصال حيوانية.
الإنسان حيوانٌ مع أنّه ليس بحیوانٍ
سوف نقوم بمراجعة الكمالات الحيوانية التي شرحناها في مقالة “ما هو الكمال أو الميزة الذاتية؟ وما معنى اكتساب الكمال؟” للتذكير. قلنا مسبقاً إنّ للحیوانات قوّة الشهوة والغضب إضافةً إلى الكمالات الجمادية والنباتية. إلی جانب ذلك هناك أيضا خصائص أخرى للحيوانات مثل: الزواج، الإحساس بالمسؤولية تجاه الأسرة، والعمل و الجهد للبقاء على قيد الحياة، والإهتمام بالحياة الإجتماعية، والإرتقاء الإجتماعي في قطيع الحيوانات. بالإضافة إلى سلوكات إيثارية وعاطفية مثل الوفاء والحياء والتواضع والحنان و خدمة الآخرين، سواء کانوا من نفس النوع أم لا. تستمد كل هذه الأمور من القوى الحيوانية للنفس، منها قوة الشهوة وقوة الغضب والحواس الخمس و إلخ. على الرغم من أن كل هذه القوى موجودة في البشر أيضا، إلا أنّ لبعضها مثل الشهوة والغضب، درجة أعلى من التطور والتعقيد لدى الإنسان. ولكن ما يجدر الإشارة إليه هنا هو أن هذا التعقيد والتقدّم لا يؤدّي إلى ارتقاء الإنسان من مرتبة الحيوان إلى مستوى أعلى. نتيجة هذه المقارنة تبدو واضحة، وهي أن العديد من الكمالات التي يعتبرها الإنسان كمالًا لنفسه ويعاني من قلّتها أو يتفاخر بها أمام الناس ليست سوى كمال حيواني.
إن الزواج هو كمال حيواني، فإذا عاش الإنسان حياة عزوبية إلى آخر يوم من عمره، فإنه لم يظهر واحد من كمالاته الحيوانية فقط، ولا تضرر إنسانیّته ابداً. يُعتبر كل من الجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية من الكمالات الحيوانية، ومن ينال الرئاسة والإدارة والوزارة لا يعني هذا على أنه إنسان أسمى، بل أنه حيوان أقوى. حتى خدمة الآخرين لا تعتبر كمالا إنسانيا، حيث أن الحيوانات أيضا قد تقوم بمساعدة حيوانات أخرى من نوعها أو غيرها، بل وتتفوق بعض الحیوانات على العديد من البشر في هذا المجال، لأنها قد تساعد وتقوم بالخدمة دون أیّ توقع.
إن مساعدة الآخرين أمر قيّم، إلا أنها لا تُعتبر من القيم الإنسانية. ان الذي يقوم بأفعال إنسانية دون أي انتباه لبعده الإنساني من وجوده، مثلا يدعم حقوق الحيوانات والبيئة، فهو إذا احسنّا الظن، حيوان جيد فقط، ولم يدخل إلى الوادي الإنساني بعد. إن إنسانية الإنسان ترتبط على بنفسه الحقيقية، والتي سنشرحها بالتفصيل في المقالات التالية.
يمكننا الآن الإجابة على الأسئلة التي تقدمت سابقا بطريقة أفضل وأسهل؛
إنّ من يخاطب به الله في الأوامر والنواهي الدينية، هو النّفس الحقيقية للإنسان، ليست نفسه الحيوانية و الجمادية والنباتية، كما أنّ هذه المخاطبة تجري في مختلف الأصول الدينية، منها التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد والأحكام الشرعية، منها الواجب والمستحب والمكروه والمباح والخ، لأن الدّین لا يشرع الأوامر و النواهی للجمادات والنباتات والحيوانات!
أنت لاتقول ابداً للحيوان: أقم الصلاة أو صُم أو قم بمجاهدة نفسك، لأنّ النفس الحيوانية تعجز من تلقي هذه الأوامر و الرسالات. بينما الإنسان فيختلف الأمر معه، لأنّ النّفس الإنسانية مفطورة على التکامل و مزوّدة بقابليتها لذلك. وعلى الإنسان أن یخطو فقط في طريق الكمال، و لن يحدث هذا إلا بمعرفة نفسه الحقيقية.
من لا يعرف ماهيته و غرض خلقه ولا يعرف محبوبه الحقيقي، فإنه يهدر كل مواهبه الإنسانية في التمتع بالكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية. تماما مثل الطفل العبقري الذي لا يعرف شيئًا عن عبقريته، فيمضي كلّ أيامه الدراسية و فرصه المتاحة في اللعب و اللهو، و جراء هذا الجهل تضیع مواهبه التي کان یمکن أن یهز بها العالم كله.
الأمر الآخر الذي يجب ذكره، هو أن ظهور الكمالات الإنسانية في الإنسان يعتمد على كبح النفس الحیوانیة وضبطها، فإذا كانت نفسنا الحيوانية مفترسة، و نقوم بتلبية طلباتها أكثر مما تحتاج، فسوف يؤدّي هذا إلى طغيانها وتدمير النّفس الحقيقية. وهكذا ينبغي للإنسان العاقل أن يلجم الحيوان المفترس الموجود بداخله بلجامه ولا يتركه.
لهذا السبب، فإن جميع القيود الأخلاقية والدينية قد شُرّعت لكبح جماح النفس الحيوانية في وجودنا وليس النفس الانسانية.
توجد هناك بعض الأسئلة الأساسية التي يمكن طرحها الآن:
- هل من المذموم إمتلاک الكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية؟
- هل يجوز الإعراض عن هذه الكمالات؟
- إذاكانتهذه الكمالات لا تحقق أي فائدة، فلماذا يجب أن تُمنح للإنسان؟
قد تجد الإجابة على هذه الأسئلة بنفسك، ولكن للحصول على كامل التفاصيل من الموضوع يُرجى الرجوع إلى مقالاتنا القادمة.