ماهو المعنى الحقيقي لكلمة «إنسان»؟
“ما هو الإنسان؟” سؤال غريب ولا شك أن الإجابة عنه تعتمد على كيفية تعريفنا للإنسان. لقب الإنسان يطلق عادة على عشرات المليارات من الذين کانوا ولا یزالون یعیشون على شتى أنحاء الأرض. نعم، إذا عرّفنا الإنسان – بالتعريف – “كائن حي مستوى القامة وعريض الأظافر،” فسينضوي تحت هذا التعريف العديد من المخلوقات. بينما إذا قمنا بتغيير تعريف مفهوم الإنسان، فإن هذه الدائرة ستضيق بالتأكيد.
“أي نوع من المخلوقات هو الإنسان؟” قد أجاب الكثیر علی هذا السؤال عبر التاریخ و كان لكل منهم مؤیدین و معارضین. لكن مدى توافق هذه الإجابات مع حقيقة وجود الإنسان يحتاج إلى الدراسة والتحقيق. قد تسأل ما هذه الحقيقة ومن يحددها؟ ما هو معيار تحديد صحة الإجابات؟ هذا هو الموضوع الذي سوف نناقشه في هذه المقالة.
معركة الآراء حول ماهية الإنسان!
دعنا نتصور أننا نواجه ظاهرة لأول مرة باسم: “الإنسان” الذي لا نعرف عنه شيئًا ابداً. دعنا حتى نخرج من أجسادنا وننظر إلى أنفسنا والعالم من حولنا كمشاهد من الخارج. من هذا المنظر، نجد أن العالم يتكون من مجموعة من الظواهر المختلفة، أحدها هو الإنسان.
ما هي ردة فعلك عندما تواجه ظاهرة لأول مرة، ولا تعرف اسمها ولا وظيفتها؟ على سبيل المثال، إذا عاد بك الزمان إلى الثمانينيات حيث كشف الستار عن الجيل الأول من الهواتف المحمولة ذات المظهر الضخم والكبير، فماذا كانت التخمينات التي تتبادر إلى ذهنك حول ماهية هذه الأجهزة؟ مهما كانت إجابتك، كيف يمكنك التأكد من صحة فهمك لهذا الجهاز في النهاية؟
الشيء الأكثر منطقية وعقلانية عند مواجهتنا لظواهر لا نملك معرفة عن طبيعتها هو الرجوع إلى المتقدم فيها أو خالقها. هذا هو غالباً ما نقوم به، ما عدا القلیلون من الذين لا تهمهم موثوقية المعلومات التی یحصلون علیها.
بصورة مماثلة، فإن الإنسان ظاهرة أيضاً و هناك خبراء يتعمقون في دراسته مثل أي ظاهرة أخرى. ولكن مَن هُم الخبراء في علم الإنسان؟ هل هم علماء النفس؟ أو علماء الاجتماع؟ أو علماء الأثار؟ أو علماء الأحياء؟ أو الفلاسفة؟ أو السیاسيون؟ أم علماء الدين؟ أي منهم قادر على تقديم تعريف شامل لماهية الإنسان وطبيعته ومن أين يمكننا العثور على الإجابات الصحيحة لأسئلتنا؟
انتبه إلى العبارات التالية:
- الإنسان ذئب الإنسان
- الإنسان من نسل القرد.
- الإنسان حيوان مفكر.
- الإنسان حيوان ناطق.
- الإنسان حيوانٌ صانع للادوات.
- الإنسان حيوان صانع للرموز.
- الإنسان كائن أخلاقي و واع.
- الإنسان كائن مستوى القامة وعريض الأظافر.
- الإنسان هو حيوان ثديي ماش على قدميه مع دماغ كبير.
- الإنسان کائن صانع الحضارة والثقافة.
كل من التعريفات المذكورة للإنسان هو حصيلة الجهود الفكرية من قبل مجموعة مفكرين، منهم فلاسفة وعلماء اجتماع وحتى علماء الأحياء في أعصار مختلفة. في بعض الأحيان، ليس هناك اتفاق على ماهية الإنسان حتى بين المفكرين في مجال واحد.
قد نظر الفلاسفة على اختلافهم إلى الإنسان من منظوراتٍ متباينة في عصور مختلفة، فقد ناقشوا الإنسان وکتبوا العدید من الكتب في نقد آراء الآخرين ولکن دون جدوی، ولم يصلوا إلى أية نتيجة. و من الطّریف أنّ هذه العملية بقيت مستمرة، حيث أن فكرة ما بعد الحداثة التي هي الفكر الغالب في العصر الحالي، تقوم بتقديم تعريفات جديدة للإنسان وتعتقد أن إنسان ما بعد الحداثة والإنسان التقليدي لهما طبيعتان مختلفتان و لكل منهما تعريفه الخاص الذي تحدثنا عنه في المقالة “علم الإنسان في حركة الحداثة وما بعد الحداثة، مواقف و أضرار علم الإنسان الحديث؟”
إن السؤال الأساسي والمهم هنا هو: كيف يمكن أن تكون لحقيقة الإنسان الواحدة تعاريف مختلفة و متضادة لهذه الدرجة؟
كما قلنا سابقاً تبادر هذه التعريفات المختلفة لماهية الإنسان إلى الأذهان إحدى القصص الشهيرة للرومي المسماة “الفيل في الظلام” يمكنك قراءة الوصف الكامل لهذه القصة الجميلة هنا[1].
في هذه القصة، يواجه مجموعة من الأفراد مخلوقًا يعرف باسم الفيل لاول مرة في حجرة مظلمة. وبما أن رؤيته بالعين كانت غير ممكنة، لذا فإنهم لم يكونوا قادرين على فهم ماهيته ولم يلمس كل واحد منهم سوى جزء من جسد الفيل، وبالتالي أدت هذه المعرفة غير المكتملة إلى فهم غير مكتمل للفيل. اعتقد أحدهم أن الفيل مثل ميزاب، واعتبر الآخر أن الفيل مروحة یدویة، والثالث رآه عمودًا، والرابع قارنه بالسرير. ولو كانت في يد كل واحد منهم شمعة، لتمکنوا من حل التعارض و رؤية الحقيقة واضحة!
مشكلة “العلموية”
من برأيك له الأهلية لبيان الرأي حول الإنسان وماهيته؟ كم قرناً آخر يجب أن نبقى منتظرين لوحدة آراء العلماء في مختلف العلوم حتى يصلوا إلى إجماع واحد حول حقيقة ماهیة الإنسان؟ هل سيأتي ذلك اليوم حقاً؟حتی لو تحقق هذا ولن يتحقق، فما هو الضمان لتلائم هذه المعرفة مع الحقيقة؟
لم يكن من الأهمية أن تكون جميع النظريات المقدمة حول الإنسان مجرد رؤى شخصية أو نظريات اجتماعية مكتوبة في الكتب فقط. ولكن المشكلة تبدأ عندما لا تبقى هذه النظريات محصورة في عصرها الخاص، بل إنها ستظل أساسًا لاتخاذ القرارات والتشريعات والسلوكيات الفردية والاجتماعية في مختلف المجتمعات على مدى عقود متمادية ولما يعتبر العلماء من نخباء وخبراء المجتمع ، فإن آرائهم تحظى بقبول واسع من قبل معظم الناس بلا نقاش ويتبعهم الكثيرون علی العمیاء بذكر جملة “في رأي العلماء …” وأظهرت الدراسات …”.
کم من أبریاء سقطوا في بئر الضلال بحبل فاسد لنظرية خاطئة عبر التاريخ ولم يستطيعوا أن يجدوا طريق النجاة حتى نهاية حياتهم. منها نظريات الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل[2] وعالم النفس النمساوي سيغموند فرويد[3] فيما يتعلق بالرغبة الجنسية للإنسان، و أسوأ مثال على ذلك هو نظريات عالم الأحياء الأمريكي ألفريد كينز[4] ، التي امتد تأثيرها إلى جميع القيم الثقافية والاجتماعية في العالم.
من له الأهلية؟
دعنا نعود إلى السؤال: “من لدیه الأهلية لتقديم الرأي حول ماهية الإنسان؟” الحقيقة أن البعض یقدّر غسالة منزله أكثر من نفسه! عندما نشتري غسالة جديدة فإننا نتأكد من قراءة التعليمات المرفقة قبل استخدامها لتجنب حدوث أي عطل و خوفا من دون قراءة الدليل خوفا من ضياع المال الذي صرفناه لشرائها.
إننا نعتقد أن هذه الغسالة لم تظهر عن طريق الصدفة، بل صنعها صانع ماهر لديه المعرفة الكاملة عن جميع أبعادها. لذا فإننا و بدون أن نشك للحظة، سوف نعتبر التصرف الأكثر حكمة و عقلانية أن نوجه استفساراتنا نحو صانعها، ونتعجب لو كان الأمر غير كذلك. و لكن للأسف فإننا لا نملك هذه النظرة العقلية عن أنفسنا ونقبل أقوال أي شخص يدعي أنه محقق أو باحث أو عالم.
إن تفاصيل الموضوع الذي سنذکره تاليا، بحاجة إلى مقدمات لیست في موضوع هذا المقال بالنسبة لمن لا يؤمنون بوجود الله، و قد نتحدث عنها في مقالات أخرى لاحقا. ولكن بالنسبة للمؤمنين الذين يؤمنون بأن الله هو خالق الإنسان، فنستخدم نفس الاستدلال السالف الذكر:
إن صانع الشيء لديه الموثوقية الأكثر للتعليق و لاظهار بيان حوله. و بالمثل فإن الله هو المرجع الوحيد الافضل للتعليق على الطبیعة الحقيقية للإنسان. إن أي شخص آخر غیر الله و خلفائه علی الأرض، سواء کان عالما أم لا، ستكون آراؤه ممزوجة بالأخطاء الكثيرة أو أنها تشير إلى جانب ضئيل من حقیقة الإنسان، وبهذه المعرفة الجزئية من الحقيقة، لا يمكنه إعطاء تعلیمات لكائن أبدي يُدعى الإنسان، لأن کلٌ ينظر من زاويته الخاصة ويحاول تعزيز وتعظيم بعد واحد من وجود الإنسان و هكذا يسفر عن عدم التوازن الروحي له، وکأن رأسه يبدو أكبر من جسمه، أو أن إحدى يديه أطول من الأخرى!
من ينظر إلى التاريخ يجد أن معظم المدارس الفكرية البشرية التي يزعم أتباعها أن عقولهم كافية لمعرفة الإنسان، قد عرفوا الإنسان بتعريفات أحادية البعد في مجموعة فرعية من الحيوانات، مع الفرق الوحيد أنه أكثر ذكاء منها. بما أن هذه المدارس لا تأخذ صانع الإنسان بعين الاعتبار، فإن جميع تعريفاتها في هذا المجال تكون خاطئة أو غير كاملة. إن الله بصفته الخالق، هو الوحيد القادر على شرح كتاب وجود الإنسان وتفسيره على الحقيقة. سوف نتطرق في المقالات القادمة أكثر في مختلف أبعاد وجود الإنسان من منظور خالقه. ولكن قبل ذلك، نود أن لا تنسوا مشاركة آرائكم وملاحظاتكم حول المحتوى الذي ذكرناه في هذه المقالة.
[1] كتاب المثنوي 3 تأليف جلال الدين الرومي: ص 123
[2] . برتراند راسل.. أرستقراطي الفلسفة التحليلية ومؤسس حملة نزع السلاح النووي | الموسوعة | الجزيرة نت
[3] . سيغموند فرويد.. عالم النفس النمساوي | الموسوعة | الجزيرة نت