ما الذي يحول دون امتلاك أغلب سكّان الدنيا قُدرة إدراك الآخرة؟

جدول المحتويات
هل يمكن امتلاك قُدرة إدراك الآخرة دون معاينتها؟

هل يمكن امتلاك قُدرة إدراك الآخرة دون معاينتها؟

يُعَدّ عالم الآخرة من أعظم المجهولات في ذهن الإنسان، فهو قضية محيّرة لا نعرف حتى كيف نفكر فيها! نحن لا نعرف أنفسنا إلا من خلال هذا الجسد المادي، ولا ندرك العالم من حولنا إلا في نطاق المحسوسات. فكيف يمكننا، بعد أن نترك هذا الجسد، أن نواجه عالماً آخر لا يخضع لهذه الحواس؟ وكيف لعالمٍ واسعٍ وعظيمٍ أن يكون حاضرًا حولنا، ومع ذلك لا نملك القدرة على إدراكه؟ هل يمكننا أن نتصور النعيم في الجنة أو العذاب في جهنم بنفس الصور التي اختبرناها في الدنيا؟ إذا كانت الآخرة ليست مجرد نسخة محسّنة من هذا العالم المادي، فلماذا وردت أوصافها في كثير من آيات القرآن بأمثلة دنيوية حسية؟ وإذا كنا سنتحرر في الآخرة من أسر المادة، فكيف سنملك حينها القدرة على فهم الآخرة وإدراكها؟

في هذا الدرس، سننطلق معًا في رحلة بحث عن إجابات لهذه الأسئلة.

القدرة على إدراك الآخرة في الدنيا

إن “إدراك أي حقيقة” هو مفهوم أعمق بكثير من مجرد استيعابه في الذهن؛ إنه يعني الوصول إلى جوهره. وعندما نتحدث عن “قُدْرَةِ فَهْمِ حَقِيقَةِ الْآخِرَةِ” ونحن في هذه الدنيا، يمكننا أن نتناول هذا الموضوع من جوانب مختلفة:

إدراك الآخرة من خلال قانون النسبة

كما قلنا، إنّ العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه تمامًا العلاقة بين رحم الأم وهذه الدنيا التي نعيشها. فمثلما أن الدنيا أكبر بكثير وأكثر تطورًا من رحم الأم، فإن الآخرة ستكون أكبر وأكثر تطورًا من هذه الدنيا. فالجنين الذي لم يأتِ إلى هذه الحياة بعد، لا يستطيع أن يفهم أو يتخيل هذه الدنيا الواسعة، المليئة بالخيرات والنعم المتنوعة والأكثر بكثير من تلك الموجودة في رحم الأم. وخير مثال على ذلك، الجنين الذي يتغذى فقط على الدم وهو في رحم أمه، من المستحيل عليه أن يتذوق أو يفهم طعم مختلف الأطعمة والفواكه والمشروبات الموجودة في عالمنا هذا. وبنفس المنطق، فإننا في هذه الدنيا لا نملك القدرة على إدراك الآخرة، لأنها عالم لا نهائي في سَعته وجماله وتقدّمه. نحن نعيش هنا ضمن لذائذ محدودة، ولذلك لا يمكننا أن نتصور اللذائذ اللامحدودة التي تنتظرنا في الآخرة. ولا يقتصر الأمر على النعيم، بل إن العذاب والخسارات والضغوط الأخروية، لا تُقارن أيضاً بما نختبره في هذه الحياة، وحقيقتها لا تزال خفية عن وعينا.

معلوماتنا المحدودة عن الآخرة

نحن في الدنيا محصورون في نطاق الزمان والمكان، في حين أن عالم الآخرة يتجاوز هذه القيود تمامًا، ولهذا فإن إدراكنا لها مستحيل ضمن أدواتنا المادية.كل ما نعرفه عن الآخرة لا يتعدى معلومات جزئية ومحدودة تستوعبها أذهاننا المحصورة في إطار المادة. ومع ذلك، يمكننا بفضل العقل، ومن خلال ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، أن نفهم أصل بعض الحقائق المتعلقة بالبرزخ، والقيامة، والجنة، والنار.

فعندما نسمع عن الجنان، والأنهار، والقصور، والأشجار، والزهور، والعطور، والألحان، والفواكه، والأطعمة، والمشروبات، الحور، الخدم، أو الجلسات الهادئة في الجنة، نبدأ بتخيّل أنفسنا هناك، ونستمتع بتلك كالصور الذهنية. وعندما نسمع عن نار جهنم، والماء الحار والمتعفّن، والمعادن المُنصهرة، والثعابين والتنانين، أو الألبسة والمأكولات الجهنمية، ينتابنا الخوف والرهبة. لكن، رغم كل هذا التصوّر والتخيل، تبقى حقيقة هذه الأمور الأخروية وجوهرها مجهولة تمامًا لنا. والسبب الأكبر في ذلك هو أننا نحاول فهم عالم غير مادي بأدوات مادية، وبعقل محصور في عالم محسوس، وهذا يجعل قدرتنا على إدراك الحقائق الغيبية ضعيفة للغاية.

الجهل بالعديد من حقائق الآخرة

من أبرز الأسباب التي تُفسّر ضعف قدرتنا على إدراك عالم الآخرة، هو أننا ببساطة نجهل معظم حقائقه. فكل ما ورد عنها في آيات القرآن الكريم وأحاديث المعصومين(عليهم السلام) ليس إلا لمحة بسيطة، وإشارة خاطفة إلى شيء أعظم وأعمق بكثير مما يمكن للعقل البشري أن يتصوره. فما ورد في الآيات والروايات عن الآخرة ليس سوى لمحة يسيرة مما هي عليه في الواقع. وبعبارة أخرى، فإن ما ذُكر في أوصاف الجنة أو النار هو فقط تلك الجوانب التي يمكن لنا فهمها، وإلا فإن نظام الآخرة يختلف اختلافًا جوهريًا عن نظام الدنيا، والحقيقة أبعد وأسمى بكثير. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة عدة مرات؛ فعلى سبيل المثال يقول:

«وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ؟»[1]

« وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ»[2]

«وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ؟»[3]

«وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ؟»[4]

«وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ؟»[5]

إن تكرار عبارة “وما أدراك…” في هذه الآيات وغيرها يشير بوضوح إلى أن تلك الحقائق الأخروية فوق طاقة إدراكنا، ولا يمكن معرفتها إلا عبر رموز لغوية تقرّب المعنى دون أن تلامس حقيقته.

لذلك، عند دخولنا إلى عالم الآخرة، سنصطدم بحقائق تفوق خيالنا وتصوراتنا الأرضية. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».[6] ومثل هذا الأمر ورد في الروايات أيضًا؛ على سبيل المثال، يقول أمير المؤمنين علي(عليه السلام): « مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فِي رَجَبٍ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.»[7] وهذا كله يؤكد أن القدرة على إدراك حقيقة الآخرة بشكل كامل ودقيق غير متاحة لنا في هذه الدنيا.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن قلة من الناس قد يصلون إلى شذرات من هذه الحقائق، وذلك من خلال تزكية النفس والسير في طريق العرفان والسلوك الروحي. بل إن بعضهم قد يُلهم خلال النوم أو في الرؤى (لمحات) من تلك العوالم المجرّدة، فيدركون شيئًا من صورها المثالية التي تفوق حدود المادة.

في هذا الدرس تحدثنا عن عجز الإنسان في هذه الدنيا عن إدراك حقيقة الآخرة. فكما أن الدنيا أوسع وأكثر تطورًا بكثير من رحم الأم، والجنين قبل ولادته يعجز عن فهم حقيقة الوجود في هذا العالم، فإننا كذلك، قبل أن نفارق هذه الدنيا، لا نمتلك القدرة على فهم الآخرة التي هي أعظم بما لا يُقاس وتحوي نعمًا أكثر تنوعًا من دنيانا. نحن محاطون بعالم مادي يقيّد إدراكنا، ولا نستطيع في حالتنا العادية أن نصل إلى عوالم أعلى. صحيح أننا تلقينا عبر كتاب الله وروايات المعصومين (عليهم السلام) بعض الأخبار والمعلومات عن البرزخ، والقيامة، والجنة، والنار، وما فيها من نعم عذاب، وقد نحاول فهمها بعقولنا، لكن إدراك حقيقتها الكاملة في هذه الحياة مستحيل. فضلاً عن أن معرفتنا لا تتعدى جزءًا صغيرًا جدًا من حقائق الآخرة، والكثير منها يبقى مجهولًا بالنسبة لنا؛ ولهذا، فإن القدرة على إدراك الآخرة بشكل كامل ودقيق لن تكون متاحة لنا قبل مغادرة هذه الدنيا.


[1] سورة المدثر، الآية 27.

[2] سورة الهمزة، الآية 5.

[3] سورة الانفطار، الآية 17.

[4] سورة المطففين، الآية 19.

[5] سورة القارعة، الآية 3.

[6] سورة السجدة، الآية 17.

[7] ابن بابويه، محمد بن علي، الأمالي، ص 542.

اكتب رأيك