مفهوم الحصن الآمن في حديث سلسلة الذهب: لماذا ‘لا إله إلا الله’ هي حصن الله؟

جدول المحتويات
ما معنى الحصن الآمن وكيف يمكن الدخول إلى هذا المقام؟

ما معنى الحصن الآمن وكيف يمكن الدخول إلى هذا المقام؟

كلمة “حصن آمن” قد تكون مألوفة لأذن الكثيرين منا، فهي تعبر عن ملجأ يحمي من يلجأ إليه ويضمن له النجاة. نحن نعيش هذا المفهوم في حياتنا المادية اليومية، بل وقد نستخدمه لوصف أشخاص أو ذكريات أو أماكن لها مكانة خاصة في قلوبنا. ولكن هل تُركت قلوبنا وحقيقتنا الوجودية في هذا العالم دون حصن يحميها؟ هناك حديث مشهور يُعرف بـ”سلسلة الذهب“، وفيه يصف الله تعالى كلمة ‘لا إله إلا الله’  بأنها الحصن المنيع، أو الحصن الآمن. يقول الحديث: “لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي”.[1]هذه العبارة ليست مجرد كلمات تُردد، بل هي قلعة روحية تحمي من يؤمن بها ويجعلها أساس حياته. في الدروس السابقة، تطرقنا إلى معنى ‘لا إله إلا الله’ وعلاقتها بأنواع المحبوبات والمعشوقات في حياة الإنسان. نعلم أن هذه العبارة هي المفتاح الرئيسي لتنظيم نظام الحب والإيمان في قلب كل إنسان. فدرجة إنسانية الفرد تُقاس بمدى ارتباطه بهذه الحقيقة الفطرية وتطبيقها عمليًا في حياته الشخصية والاجتماعية.

بناءً على كلام الله تعالى وأقوال المعصومين (عليهم السلام)، فإن الوصول إلى مقام ‘لا إله إلا الله’  يتطلب شروطًا، من أبرزها قبول الولاية. وقد أشار الإمام الرضا (عليه السلام) إلى هذا الشرط في حديثسلسلة الذهب”.[2] وبالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين معرفة الله ومعرفة أهل البيت (عليهم السلام)، نسعى في هذا الدرس إلى فهم كيف أن قبول ولاية أهل البيت (عليهم السلام) يقودنا إلى معرفة الله وإلى مقام ‘لا إله إلا الله’، مما يضعنا في حصنٍ منيعٍ وآمن.

إن معرفة صفات وآثار ولاية المعصومين (عليهم السلام) هي المفتاح الذي يمكننا من خلاله الوصول إلى ملاذٍ آمن، نسير فيه بثقة دون خوف أو تردد، ونقطع الطريق المحدد أمامنا حتى نبلغ الغاية التي خُلقنا من أجلها.

أسباب ضرورة الوصول إلى مقام ‘لا إله إلا الله’

نجد معاني متعددة لكلمة “حصن” في كتب المعاجم، منها على سبيل المثال: “القلعة”، “الملاذ”، “السور”، “المأوى”، و”الموضع المتين الذي لا يمكن اختراقه”. وبالتالي، فإن “الحصن الآمن” يعني ذلك الملاذ الذي يوفر الحماية والأمان. 

للكشف عن العلاقة بين هذه الكلمة ومحبوبات الإنسان، يجب علينا أولًا أن نفهم لماذا من الضروري بلوغ مرتبة ‘لا إله إلا الله’. في الدروس السابقة، أشرنا إلى أن حقيقة الدين لا تكمن إلا في نفي أي محبوب سوى الله، وتفسير عبارة ‘لا إله إلا الله’. نحن كبشر مخلوقات تسعى إلى المطلق اللانهائي، لكننا انفصلنا عن أصلنا وأصبحنا محجوبين ومقيدين بقيود الدنيا. وفقًا للخطة الإلهية، علينا جميعًا أن نعود إلى أصلنا، وأن يصبح الله هو المحبوب الوحيد لقلوبنا.

نحن، كبشر، نولد بالفطرة محبين للكمال، ونجد أنفسنا دائمًا في سعي دؤوب نحو الأشياء والأشخاص الذين يجسدون هذا الكمال. فالإنسان، بطبعه، لا يقبل بالحدود أو النظرة الضيقة للحياة، بل ينشد ما هو أعلى وأسمى. حتى أعظم الطغاة في التاريخ، الذين طمحوا إلى السيطرة والامتلاك، كان دافعهم الأساسي هو البحث عن اللانهاية في الكمال، وإن كانوا قد ضلوا الطريق في تحقيق ذلك. الحقيقة المطلقة، المتعة الحقيقية، الحياة العليا، تحرير النفس من قيود المادة، والخلود – جميعها محركات أساسية تحرك كل إنسان على وجه الأرض. إنها غايات نبيلة تسكن أعماق قلوبنا، وتدفعنا إلى البحث عن معنى وجودنا. ولكن المشكلة تكمن في أن الكثيرين منا يضلون الطريق في هذا البحث، فينشغلون بمحبوبات فانية وزائلة في هذه الدنيا، بدلًا من أن يتوجهوا إلى المحبوب الحقيقي، الذي هو غير محدود ولا نهائي. فبدلًا من أن نوجه حبنا وإعجابنا نحو الكمال المطلق، نجد أنفسنا غارقين في تعلقات مؤقتة، تتركنا في النهاية نشعر بالفراغ والضياع.

ليس من المُغالاة القول إن ‘لا إله إلا الله’  هي عبارة فطرية؛ فجميع أنشطتنا ومساعينا واختياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا وأفكارنا تتجه، بشكلٍ لا واعٍ، نحو هذه الكلمة العظيمة، ساعيةً إلى تحرير وجودنا من القيود التي تكبله. لكنَّ اختيار المسار الخاطئ أو النموذج المنحرف قد يقودنا إلى الضياع والتيه. إذا ما وصلنا إلى حقيقة الدين، وهي ‘لا إله إلا الله’ ، وآمنا بها إيمانًا راسخًا، فسنُخطئ أقل في مراحل الاختيار، ونبني علاقاتٍ أكثر صحة، ونصوغ سلوكياتٍ وأفكارًا تتوافق مع فطرتنا. أما إذا فشلنا في فهم هذا المبدأ الجوهري، فإننا سنضع لأنفسنا أهدافًا وبرامجَ لا تتلاءم مع الغاية من خلقنا، مما يُبعدنا عن مسارنا الحقيقي. المهم في كل اختيارٍ نُقدم عليه، وكل علاقةٍ ننسجها، وكل سلوكٍ نتبناه، وكل ترتيبٍ فكريٍّ نعيشه، سواء أكان مقدسًا أم دنيويًا، هو مدى اقترابنا أو ابتعادنا عن الهدف الأسمى من خلقنا. فهل نصل من خلالها إلى تحقيق الغاية التي وُجدنا من أجلها، أم نضيع في متاهات الحياة بعيدًا عن حصن ‘لا إله إلا الله’ الذي يضمن لنا الأمان والسلام؟

في الواقع، يتوجب علينا أن نتأمل مدى ارتباطنا الحقيقي بعبارة ‘لا إله إلا الله’، ومدى قدرتنا على تفنيد الآلهة الزائفة التي قد تتسلل إلى حياتنا لكي نتعرف على أنفسنا ونعرف دورنا في الدنيا وندرك مدى نمونا وقربنا من السعادة. فكما يذكر القرآن الكريم: “ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ”.[3] فالله وحده هو الحق المطلق، وكل ما يُعبَد من دونه هو باطل زائل. إن مدى تجسيدنا لشعار ‘لا إله إلا الله’   في حياتنا اليومية هو انعكاس مباشر لدرجة إنسانيتنا وأصالتنا. فكلما اقتربنا من هذه الحقيقة الفطرية، وطبقناها في سلوكنا ومعاملاتنا، كلما ارتقينا في سلم الإنسانية وتحققنا بمعنى الوجود الحقيقي.

الارتباط بين مقام ‘لا إله إلا الله’ والحصن الآمن

أشرنا في بداية حديثنا، إلى أن مقام ‘لا إله إلا الله’ يُعتبر حصنًا آمنًا. ولكي نثبت هذه الحقيقة ونؤمن بها إيمانًا راسخًا، لا بد أن نكون على وعي تام بأبعاد هذا المقام العظيم. عندما نذكر مصطلح “حصن آمن” أو “ملجأ”، فإن ما يتبادر إلى الذهن هو مكان أو حالة نجد فيها أنفسنا في مأمن من أي أذى أو خطر. وإذا اعتبرنا مقام ‘لا إله إلا الله’ حصنًا آمنًا، وبالنظر إلى الطبيعة متعددة الأبعاد للإنسان، يبرز سؤالٌ مهم: هل سيحظى جميع أبعاد وجود الإنسان بالأمان عند بلوغ هذا المقام، أم أن جزءًا محددًا فقط هو الذي سيتمتع بهذه الحماية؟ للإجابة على هذا التساؤل، سنتناول بعض الخصائص الجوهرية لمقام ‘لا إله إلا الله’.

إن حقيقة ‘لا إله إلا الله’  هي نفيٍ لكل معبودٍ سوى الله. بيد أن قبول هذا التوحيد الذي هو لبّ الإسلام، لا يستلزم إنكار وجود محبوبات الإنسان الأخرى في أبعاده الوجودية الدنيا. فهذه المحبوبات، إنما تؤدي دورًا مساعدًا في رحلة الإنسان وجانبه الإنساني نحو تحقيقِ غايتهِ القصوى.

إذا أدخلنا حقيقة ‘لا إله إلا الله’ إلى قلوبنا، وتقبّلناها بكل وجودنا، فسيكون الله هو المعبود الأصيل في قلوبنا، ولن تستطيع معبوداتٌ أخرى أن تشغلنا بأنفسها، وهذا ما سيحمينا من أضرار اختيار الدنيا وكمالاتها المحدودة.

لنأخذ مثالاً من سنوات المراهقة. المراهقة هي بداية البلوغ العاطفي والجنسي، وزمن تدفق المشاعر وانفجارها. إذا كنتَ قد اختبرتَ طعم الحب للجنس الآخر في هذه المرحلة العمرية، فستتذكر جيدًا تلك العلاقة الصافية والعاشقة التي لم تستطع أي قيود أو مشاكل أن تُنقص منها، بل زادت من شدة الشوق والميل لدى الطرفين. في هذا الوقت، يسعى كلا الطرفين فقط إلى إيجاد مكان للاختلاء ببعضهما البعض، وينغمسان في بعضهما البعض لدرجة أنهما ينسيان احتياجات مثل النوم والطعام، ولا يستطيع الجوع وقلة النوم، اللذين قد يسببان متاعب في الحالة الطبيعية، أن يفرضا قيودًا على خلوتهما.

إنّ هذا العشق، وما يُضرم في القلب من لظى الشوق، لمثالٌ جليٌّ يعيننا على إدراك حصن آمن الذي توفره كلمةُ التوحيد ‘لا إله إلا الله’. ففي هذا المثال، لم ننكرْ وجود الحاجات والكمالات الدنيا، بل أوضحنا أنّ سلطةَ العشق تحول دون أن تُعيق هذه الحاجات مسار العلاقة الوجدانية القائمة، أو تلحق بها ضررًا. وهكذا، فإنّ الإقرار بشهادة ‘لا إله إلا الله’ يعني، عملًا، أنّ أيًّا من جوانب الوجود الأربعة أو المحبوبات الدنيوية لا تشارك في سلطة القلب وهيمنته، وأنّ قلوبنا لا تعترفُ بمحبوب أو سلطان إلا الله وحده.

من استقرّتْ حقيقةُ ‘لا إله إلا الله’  في قلبه، وهيمنت على فكره، لم ينشغل بمعشوقٍ سواه، ولم يطلب غيره. فجميع علاقاته، وخياراته، وأفكاره، وسلوكه، تنصبّ في مسار الوصول إلى هذا المعبود الأوحد. ولن تكون طبيعة كمالات الدنيا الفانية معيارًا لتقييمه. فعندما يكون الله هو محور اهتماماتنا ومركز تركيزنا، لن تستطيع صعوبات وتحديات الحياة أن تُعيق مسيرنا، وهذا هو الفهم الحقيقيّ لمعنى ‘لا إله إلا الله’ ؛ فهي حصنٌ آمنٌ للوجود الإنسانيّ، ومقامٌ رفيعٌ لا يستطيع فيه أيّ معشوقٍ دنيويٍّ أن يزعزع حبَّنا وارتباطنا بالله.

الارتباط بين قبول الولاية والوصول إلى مقام ‘لا إله إلا الله’

لا ريب أن بلوغ أي منزلة أو مقام يستلزم ابتداءً معرفة كنهه، والشروطَ اللازمة لبلوغه، والكشف عن أفضل وأنجع السُّبل الموصلة إليه. وبلوغ مقام ‘لا إله إلا الله’ يستلزم شرطين أساسيين هما: التوحيد (الإخلاص) والولاية. والعلاقة بين هذين الشرطين هي أن الولاية هي السبيل إلى التوحيد. فالتوحيد والولاية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، حتى إنّ معرفة صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف) تُعتبر مساوية للتوحيد والمعرفة. [4] لذا، فإنّ سبيل معرفة الله وبلوغ مقام ‘لا إله إلا الله’  يمُرّ عبر الولاية ومعرفة الإمام المعصوم، وهذا يعني أننا، لتحقيق الغاية من خلقنا، بحاجةٍ إلى إقامة علاقةٍ وجوديةٍ مع الولاية.

إنّ الارتباط الوثيق بأهل البيت(عليهم السلام) واتباع نهجهم، يُعدّ من أجلّ السبل التي تُعين المرء على بلوغ مقام ‘لا إله إلا الله’ الحقّ. ذلك أنّ العلاقة الوجودية بهؤلاء الأعلام، تُساهم في إعادة صياغة نظام حياة الفرد وتقديراته وفقًا لمنظومة المحبة الإلهية. من يقتدي بسيرة أولياء الله، يَسْمُ بنفسه عن مفاتن الدنيا وزخارفها، إذْ أنّ استيعاب نظام المحبة الإلهية والإقرار بشهادة ‘لا إله إلا الله’، يُقلّل من شأن المحبوبات الدنيوية في قلبه. وإنّ جُلّ المصاعب التي تواجهنا في هذه الحياة، إنّما مردّها إلى المبالغة في تقدير أهمية الجوانب الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية في وجودنا، وكذلك المحبوبات المتعلّقة بهذه الأجزاء. هذا التقدير المفرط هو الذي يُكبّلنا ويحول بيننا وبين التحصّن بحصن الله الآمن.

إن اختيار نمط حياةٍ قائمٍ على الولاية، وتنظيم نظام المحبةِ وفقًا لما أراده الله، كفيلٌ بحمايتنا من آفات أبعاد وجودنا الطبيعية، فلا يستطيع أيُّ أذىً في أجزاءنا الدنيا أن يكدِّر صفونا؛ تمامًا كشخصٍ يمتلكُ المليارات، لا يكترث لفقدان بضعة أوراقٍ نقديّةٍ زهيدة القيمة. أما إذا كانتْ حياتنا منفصلة عن الولاية، ولم نتمكن من مواءمة ترتيبنا الفكري ونظامنا السلوكي مع نمط حياة الهداة المعصومين، فإننا نكون كبذرةٍ لم تُغرس جذورها في الأرض، فلا قرار لها ولا ثبات،[5] أو كجنينٍ لم يستقرّ في موضعه المناسب داخل رحم أُمّه، فإمّا أن يُسقَط، وإمّا أن يولد ولادة متعثّرة محفوفة بالمخاطر.

أهمية وضرورة قبول الولاية في الوصول إلى الحصن الآمن

لتحقيق التوحيد الخالص، لا بد لنا من التواصل مع أسمى وأجلّ مظاهر الحق تعالى، وهم المعصومون عليهم السلام. ذلك أن هؤلاء الأكابر، صلوات الله عليهم أجمعين، يحتلون المقام الأرفع بين سائر المخلوقات قاطبة، بينما لا تعدو الكائنات الأخرى كونها تجليات محدودة للذات الإلهية. ومن البديهي أن التجلي المحدود لا يمكن أن يرتقي بنا إلى مقام الألوهية المطلقة. فالله، جلّ وعلا، الذي خلقنا في هيئة لا متناهية، قد تجلى لنا أيضًا بأكمل تجلياته، وجعلهم لنا قدوة وأنموذجًا، لكي نتمكن، بواسطتهم، من إشباع نزوعنا الفطري نحو اللانهائية.

في أيّ مجال نختار الخوض فيه، لا بدّ لنا من نموذجٍ يُقتدى به ومُربٍّ يُستعان به. فالأستاذ في أيّ علمٍ يضطلع بمهمة تعليم فنون ذلك العلم ومهاراته. وبدورنا نحن البشر، وبغضّ النظر عن المجالات التي نختارها في أبعادنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، وسعينا الدؤوب لتحقيق الكمالات في تلك المجالات، فإنّ غايتنا القصوى هي التشبّه بخالقنا، والوصول إلى العلم المطلق والقدرة المطلقة والجمال المطلق والحياة المطلقة. ولبلوغ هذه الغاية، لا مناص لنا من مُربٍّ خاصٍّ، ولا يجوز لنا أن نتتلمذ على يد أيّ كان. فالذين يضطلعون بمهمة هدايتنا وتعليمنا في هذا الطريق، يجب أن يكونوا هم أنفسهم قد بلغوا من الكمال فيه مبلغا عظيما. وأهل البيت(عليهم السلام) هم النموذج الأمثل والكامل الذي يمكن أن يعيننا على الاقتراب من أصلنا، أي الله سبحانه وتعالى، ويساعدنا على أن نأوي إلى حصنه الآمن، وأن نبلغ الهدفَ الأسمى من خلْقنا.

إنّ اختيار أيّ معبودٍ أو محبوبٍ سوى الله – عزّ وجلّ – يضفي على المرء ذلّة وضعفا. بيد أنّ أهل البيت – عليهم السلام – يعينوننا على تنظيم أسلوب حياتنا على نحوٍ يُقوّض بنا نحو ‘لا إله إلا الله’  ، فبانتخاب الله – تعالى – معبودًا أوحد، نحظى بعزّةٍ وقيمةٍ دائمتين.

في حقيقة الأمر، إن قبول ولاية أهل البيت (عليهم السلام) هو وعي لمقامنا الحقيقي. هذه المعرفة تجعلنا لا نبيع أنفسنا بثمنٍ أقلَّ من قيمة الإنسان الكامل. فمن عرف قدر نفسه الحقيقي، كان دومًا سعيدًا، هادئًا، ومُتفائلاً، ولا يرضى أبدًا بالذلّ أمام الدنيا، ولا يحزن على أمورها، ولا يستطيع أيٌّ من مشاقّ الأجزاء الدنيا من وجوده أن يُزعزع بُعده الحقيقيّ أو يُلحق الضرر به، أي الجزء الإنسانيّ من وجوده. أمّا عدم معرفة مقام المعصومين(عليهم السلام)، الذي هو في الواقع مقامنا نحن البشر، فيجعلنا صغارًا وضعفاء، ويُمكّن لضغوط الدنيا ومشاكل الحياة أن تُذلَّنا وتُحزننا.

إنّ مَن يتذوق طعم الغمّ والاضطراب واليأس والشعور بالضعف والفراغ والضياع والشقاء وظلمة الدنيا، فإنّه لم يستطع أن يضع الله في قمة محبوباته ولم يهتد إلى حصن الله الآمن.

يكمن الفرق بين مَن قبل ولاية المعصوم وأقام معه علاقة وجودية وبين مَن لم يقبل هذا الأصل قطّ، في أن الفرد الأول حتى لو تورط في الإثم والمعصية يبقى مستقرًّا في السفينة وسينال جزاء ذنوبه واخطائه في السفينة نفسها أو عند الوصول إلى الشاطئ. لكن النقطة المهمة هي أنّ هذا الشخص سيصل في النهاية إلى شاطئ النجاة. أمّا من لم يقبل الولاية فهو لم يصعد السفينة أصلا فلا يمكنه الوصول إلى شاطئ النجاة بواسطتها. ومثل هذا الشخص لن ينفعه أي قدر من العبادة ولن ينجو. فالولاية هي الحصن الآمن والسفينة التي توصل الإنسان إلى شاطئ الأمان الإلهي.


[1] لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي‏، فَمَنْ‏ دَخَلَ‏ حِصْنِي‏ أَمِنَ‏ مِنْ‏ عَذَابِي؛ الشيخ الصدوق، التوحيد، ج 1، ص 25

[2] الصدوق، التوحيد، ج 1، ص 25 وَ أَنَا مِنْ شُرُوطِهَا؛

[3]سورة الحج، آية 62

[4] فَمَا مَعْرِفَه اللَّهِ قَالَ مَعْرِفَه أَهْلِ کُلِّ زَمَانٍ إِمَامَهُمُ الَّذِی یَجِبُ عَلَیْهِمْ طَاعَتُه؛ الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج 1، ص 9

[5] اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ؛ سورة إبراهيم، آية 26

اكتب رأيك