ما هي معوقات النمو الإنساني وبلوغ مقام خلافة الله؟

جدول المحتويات
لماذا تكتسب معرفة معوقات النمو الإنساني أهمية بالغة؟

لماذا تكتسب معرفة معوقات النمو الإنساني أهمية بالغة؟

هناك مصطلحات أساسية قد سمغناها جميعًا ولو مرة واحدة على الأقل، مثل: “التطوير الذاتي”، و”النمو الاجتماعي”، و”التقدم”، و”النمو الإنساني”. تستخدم هذه المصطلحات في مختلف المجالات الشخصية والاجتماعية، ويكاد لا يوجد إنسان لا يسعى إلى النمو والتقدم في مجال أحدها على الأقل. في علم الإنسان، يُعتبر النمو والتطوير الذاتي من أهم المسائل المطروحة. وكما ذكرنا مرارًا، فإن اكتساب المعرفة دون السير في طريق النمو الإنساني لا قيمة له، بل وقد يؤدي إلى مزيد من التعقيدات والمشاكل.

إن الهدف الأسمى في مسيرة التطور الإنساني يكمن في التشبه بصفات الله والوصول إلى مقام خلافته. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب علينا أن نسعى جاهدين للارتقاء بأنفسنا. ولكن ما هي مسارات هذا الارتقاء، وكيف نصل إلى أعلى مراتب الخلق؟ وهل ندرك الإمكانات التي تساعدنا على هذا الارتقاء، والعقبات التي تعترض طريقنا؟

لنفترض أن هناك سباق سيارات سيُقام على مضمار مخصص، حيث يُسمح لجميع المشاركين بمعاينة شكل المضمار ومسار السباق ونقطة النهاية. لا يقتصر الأمر على تحديد موقع نقطة النهاية بدقة، بل يجب على السائقين أيضًا معرفة الطرق المؤدية إليها والعقبات التي تعترض المسار. إن إدراك هذه العقبات يُسهل عليهم الوصول إلى خط النهاية بسرعة وكفاءة. هذه المعرفة، جنبًا إلى جنب مع تحديد أفضل الطرق لبلوغ الهدف، تُمكّنهم من تجنب الوقوع في فخ العقبات وتسجيل أفضل رقم قياسي عند الوصول إلى خط النهاية.

إن حالنا في هذه الدنيا لا يختلف كثيرًا عن حال هؤلاء السائقين. فنحن أيضًا نقطع مسارًا محددًا، وصولًا إلى نقطة نهاية معينة. وهذا المسار هو مسار النمو الإنساني، وتلك النقطة هي هدف الخلق. وقد صُممت عوائق النمو الإنساني بما يتناسب مع مسار النمو الإنساني، ولا بد لنا من التعرف عليها لتجنب التباطؤ، والتوقف، والتقهقر في هذا المسار.

تتعدد العوائق التي تعترض سبيل النمو الإنساني، ومن أبرز هذه العوائق نذكر: فقدان السيطرة على الذات الحقيقية، والانغماس المفرط في الملذات الدنيوية الزائلة، والتقاعس والملل، والبطالة، والغرور، والنرجسية، والحسد، والغفلة، والشك، والشرك، والحساسية المفرطة، وسرعة الانفعال، والحزن، والخوف، والخرافات. نظرًا لتعدد هذه المعوقات، نقتصر في هذا المقال على تناول بعضها بشكل موجز.

هيمنة الطبيعة البشرية؛ أكبر عائق أمام النمو الإنساني

إن بلوغ مقام خلافة الله يتحقق في ظل الاختيار وحرية الإرادة. ومن أهم هذه الخيارات، اختيار نمط حياة إنساني متكامل. وإذا ما تعرفنا على العوائق التي تعترض هذا الاختيار، فإننا نكون قد حددنا بالفعل موانع النمو الإنساني. عندما یسود فينا جانب ماوراء العقل، نبلغ حقيقة إنسانيتنا ونكون في المعنى الحقيقي للإنسان؛ لذا، فإن أحد أكبر العوائق أمام الوصول إلى مقام الخلافة الإلهية هو سيادة الذات غير الحقيقية، والإفراط في الاهتمام بكماليات الدنيا والذوات الزائفة. وليس من المبالغة القول إن جميع مشاكلنا تنبع من مقاومة ذواتنا الدنيا لذواتنا الحقيقية. ففي كثير من الأحيان، نحافظ على ذواتنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلانية، على حساب ذواتنا الحقيقية الخالدة، ونحط من قدرها. بينما يتطلب نمو قوانا الدنيوية سيادة الذات الحقيقية عليها.

تتحقق الدولة الإنسانية في كياننا عندما تتولى الإنسانية وبُعد ماوراء العقل زمام القيادة. بعبارة أخرى، تتأسس الدولة الإنسانية في داخلنا عندما لا يكون هناك محبوبٌ أسمى من الله، والأربعة عشر معصومًا(عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الحق. ولكن إذا غفلنا، وسمحنا لذواتنا الزائفة بالسيطرة، ولو كان أحد هذه المعشوقات الثلاثة في مرتبةٍ أدنى من أولوياتنا، فإننا نهوي، وتنهار الدولة الإنسانية في داخلنا، ونصبح، كما يصفنا القرآن، فاسقين. [1]

تسعى كل دولة جاهدة للحفاظ على سيادتها وسلطتها. وما يقوض أركانها ويهدد استقرارها هو إهمال الأعداء، سواء كانوا في الداخل أو الخارج. وإذا ما أردنا صيانة دولتنا الداخلية، تلك الدولة الإنسانية والمعنوية، فينبغي علينا أن نعد العُدة لمواجهة الخصوم، تمامًا كما تفعل الدول السياسية والعسكرية. فجيوش الخصوم تتربص بنا دائمًا، وتعمل على تقويض أركان دولتنا الداخلية وتدميرها. ولذلك، لا يضمن لنا ما ننعم به اليوم من سعادة وسلام ووئام استمرار هذه الحال، فيتربص بنا الخصوم في مختلف الأبعاد الوهمية والخيالية والنباتية والحيوانية في كل لحظة، وينتظرون لحظة غفلتنا لينقضوا علينا ويسلبوا منا دولتنا الإنسانية.

في بنية الإنسان الوجودية، إذا لم يكن البُعد الإنساني هو الحاكم في كياننا، فلن يكون له دور حاسم في علاقاتنا، واختياراتنا، وسلوكياتنا، وتوجهاتنا الفكرية. وبدلًا من ذلك، قد تسيطر الجوانب الأدنى من وجودنا،  أي الجوانب الوهمية، والشهوانية، والأرضية، والخيالية، والنباتية، وحتى العقلية. وإذا لم تخضع النفس لسيطرة الجانب ماوراء العقلي، فإنها تهلك نفسها، ونُحرم من النمو الإنساني، ومن بلوغ الغاية القصوى من الخلق.

الكسل والضجر: أصل كل تخلف

سواء كنا نؤمن بالآخرة والحياة بعد الموت، أو نرى الحياة مقتصرة على الدنيا، فإننا نحتاج إلى العمل والاجتهاد لتحقيق سعادتنا وراحتنا وطمأنينتنا. وبناءً على مقتضيات الدنيا والآخرة، يجب أن نمتلك الاستعداد والمهارات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، لكي نهيئ ظروفا تضمن لنا حياة دنيوية طيبة، وحياة أخروية حسنة. الكسل والضجر هما من الآفات والعقبات الكبرى التي تعترض طريق النجاح في هذا الهدف، وهما من أهم أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة، كما حذرنا الإمام الباقر (عليه السلام) من هاتين الصفتين، واعتبرهما مفتاح كل شر.[2] الكسل والضجر هما آفتان تفتكان بالنفس الراغبة في اللانهائية، وتؤديان إلى فتور الهمة في العمل، وإعاقة الحركة نحو النمو الإنساني. لقد خلق الله، بوصفه الرب والمربي، النفس الإنسانية ذات المطامح اللامحدودة لتتشبه به وتصل إليه. ولكن عندما يرى الله الإنسان متكاسلاً ضجراً في ممارسة التمارين والتدريب في هذه الدنيا، فإنه ييأس منه ويتركه وشأنه. وكما ورد في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في الخطبة 17 من نهج البلاغة، فإن من أبغض الناس إلى الله من تخلى الله عنه. [3]

لكل شيء في هذا العالم فلسفة وجودية خاصة به. ففلسفة وجود النادي الرياضي، على سبيل المثال، هي ممارسة الرياضة والحركة. ومن هذا المنطلق، يجب علينا أن نتأمل في فلسفة وجودنا في هذا العالم. إن تسجيل شخص في غيبوبة، ولا يقدر على الحركة، في نادٍ لتعليم فنون القتال، أمر غير منطقي ومثير للسخرية. كما أنّ ذهاب شخص سليم إلى النادي دون ممارسة أي تمارين، أمر غير منطقي ومثير للسخرية أيضًا.

لا يزال الكثير منا يغفل عن حقيقة وجوده في هذه الدنيا، فهي بمثابة نادٍ أو مدرسة نعد فيها أنفسنا لتحقيق الهدف الأسمى من خلقنا، وهو التشبه بالصفات الإلهية، أو الوصول إلى مقام الخلافة عن الله. بعبارة أخرى، لم نستوعب بعد الطبيعة الرَحِمية لهذا العالم ولا حقيقتنا الجنينية فيه. فالعلاقة بين الدنيا والآخرة هي كالعلاقة بين رحم الأم والدنيا. فكما أن الجنين في رحم أمه يتهيأ تدريجياً لظروف الحياة الدنيوية، كذلك يجب علينا في رحم الدنيا أن نخطو خطوات متسارعة نحو تحقيق هدف خلقنا، ونرتقي إلى مقام الخلافة الإلهية من خلال النمو الإنساني المتكامل. إذا لم نخطط بشكل صحيح خلال حياتنا الدنيا، ولم نبذل الجهد المطلوب لتحقيق هدفنا النهائي، واستسلمنا للكسل والفتور، فلن نبلغ وجهتنا المنشودة. فالكسل الفردي والاجتماعي والجيلي والقومي والحضاري، يشكّل عقبة أمام النمو الإنساني وتحقيق مقام الخلافة الإلهية.

يعد الكسل والضجر سببان رئيسيان للعديد من الإخفاقات الدنيوية، بدءًا من الفشل في اختيار الشريك المناسب، مرورًا بتحديات الزواج وتربية الأبناء، وصولًا إلى اختيار المسار الدراسي والمهني، وانتهاءً بالقضايا الاقتصادية. هاتان الصفتان قد تحيلان العديد من النجاحات الدنيوية إلى خسائر فادحة، وتجران صاحبهما إلى أنواع الحسرة والندم والعذاب في الآخرة.

الخوف والحزن؛ عوائق النمو الإنساني

إن عداوة الشيطان للإنسان أمرٌ جليّ، وقد حذرنا الله مرارًا وتكرارًا من مكائده وعداوته. فهذا الكائن لا يرتضي لنا بلوغ الغاية القصوى من خلقنا، ويستخدم في سبيل ذلك أدوات شتى، كبث الحزن والخوف والتقليل من شأن الذات. هذه الأدوات تشكل عوائق أمام النمو الإنساني في طريقه إلى بلوغ مقام خلافة الله.

يدرك الشيطان تمام الإدراك أن مفتاح سلامة قلوبنا هو السعادة والسرور، لذا يسعى جاهدًا إلى بث الحزن في نفوسنا عبر الوساوس المستمرة التي يلقيها في آذاننا وقلوبنا.[4] إن الحزن هو رسالة الشيطان، وطبعا نقصد هنا الحزن السلبي غير الطبيعي. هذا النوع من الأحزان يحد من قدراتنا، ويعيق تقربنا إلى الله، ويدفعنا إلى نسيان ذواتنا عبر سلب إرادتنا ودوافعنا للتزكية.

هذه الأحزان، بما تثيره من قلق واضطراب، تؤدي إلى انكماش الذات البشرية، وتقودها إلى الذبول والاكتئاب. هذا التلاشي والاكتئاب يدفعان بالإنسان إلى العزلة، ويسلبانه القدرة على الحركة الروحیة. فالإنسان الذي يتوقف عن الحركة، لا يصل إلى وجهته.

يُعدّ الحزن ضربًا من ضروب الخروج عن الحالة الفطرية للإنسان، تمامًا كما يصاب الجانب المادي من وجودنا بالأمراض، فإن الجانب الروحي أيضًا مُعرّض لأمراضٍ تُهدّده. والحزن واحد من هذه الأمراض الخطيرة، حيث يُعتبره الإمام علي(عليه السلام) مرضًا نفسيًا.[5] هذا المرض قادرٌ على إبعادنا عن تحقيق مقامنا الإنساني، بل وجرّنا إلى مهاوي الجحيم. من بين الأهداف التي يسعى الشيطان إلى تحقيقها، هو إثارة القلق والخوف في نفوس البشر.[6] فالخوف يضعف الإنسان ويذله، ويقوده إلى الحسد والغرور والعجب وسوء الخلق واليأس. والواقع أن هجمات الشيطان الأربعة، تستهدف بالأساس الأشخاص الذين يستسلمون للخوف، أي أولئك الذين تملأ عقولهم المخاوف من المستقبل أو الهموم من الماضي. فالخوف يعطل ويشل كامل منظومة حركتنا نحو الخلود وبلوغ مقام خلافة الله، ويسلبنا تدريجيًا الإيمان والطمأنينة والأمان. كما أنه يدفعنا إلى الفرار من ميادين الصراع التي تختبئ فيها فرص نمونا وتطورنا.

تناول هذا المقال أهمية التعرف على المعوقات التي تعترض مسار النمو الإنساني. فهذه المعوقات تعيق تقدمنا نحو الغاية الأبدية، وتؤخر وصولنا إلى الهدف الأسمى الذي خُلقنا من أجله. إلا أن إدراكنا لهذه المعوقات يُمكّننا من تجاوزها، ويسهل علينا عملية الاقتراب من هدفنا النهائي بيسر وسرعة أكبر.

تناولنا في هذا المقال ثلاثة معوقات رئيسية تعترض طريق الإنسان نحو تحقيق ذاته، وهي: فقدان سيادة الذات الحقيقية، والكسل والضجر، والخوف والحزن. إن إهمال الجانب الإنساني الأصيل، وتفويض سيادة الذات الإنسانية إلى عوامل زائفة، يدفع بالإنسان إلى الانشغال بأمور غير حقيقية، ويحجبه عن بلوغ غايته ومقامه كخليفة لله. وغالبًا ما يكون التراخي والضجر سببًا في هذا التخلف. فالإنسان بحاجة إلى السعي والعمل ليتحلى بصفات الله، والكسل والضجر هما مفتاحا كل شر، وأكبر عائق أمام الفعل والجهد. وفيما يتعلق بالخوف والحزن، فهما أداتان يستخدمهما الشيطان لعرقلة مسيرتنا نحو تحقيق هدف خلقنا. وإذا استسلمنا للحزن والخوف، فإننا نفقد القدرة على النمو، ونتخلى تدريجيًا عن إيماننا.

إذا كنتم على دراية بموانع أخرى للنمو الذاتي الإنساني، أو لديكم وجهات نظر قيمة حول ما تم ذكره، فإننا نرحب بمشاركتكم إياها.


[1] الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ سورة التوبة، الآية 24.

[2]  إيّاكَ و الكَسَلَ و الضَّجَرَ فإنّهُما مِفتاحُ كُلِّ شَرّ؛ تحف العقول ج 1، ص 305.

[3] إنَّ من أَبْغَضَ الْخَلَائِقِ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] رَجُلَانِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِه؛ ابن أبي الحدید، شرح نهجالبلاغه، جص 283

[4] إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ سورة المجادلة، الآية 10.

[5] يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ؛ سورة آل عمران، الآية 175.

[6]  الغَمُّ مَرَضُ النَّفْسِ؛ التميمي الأمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، ج 1، ص 31.

اكتب رأيك