ما هي العائلة السماوية وما علاقتها بهدف الخلق؟

جدول المحتويات
دراسة مفهوم العائلة السماوية وأهميتها في تحقيق غاية الخلق

دراسة مفهوم العائلة السماوية وأهميتها في تحقيق غاية الخلق

يتبادر إلى أذهان الكثيرين تصورٌ قاصرٌ عن أهل البيت(عليهم السلام)، إذ يُنظر إليهم بوصفهم شخصياتٍ طاهرةً مقدسةً، أُمرنا بتوقيرها وتقديسها، دون إدراكٍ لصلةٍ وجوديةٍ تربطهم بأتباعهم. وغالبًا ما يقيس هؤلاء الأفراد أنفسهم بمعايير أرضية، ضمن نطاق الأسرة والهوية المادية، فيغيب عنهم مفهوم العائلة السماوية.

كما أشرنا في الدروس السابقة، فإن “الله” هو الوجود المطلق واللانهائي، ولا يمكن التعرف عليه والتواصل معه إلا من خلال ظهوره وتجلياته. لذا، فقد تجلى الله في أول ظهور له بأكمل وأسمى نموذج لأسماء وصفاته، وجمع أسمى وأكمل صفاته في كيان واحد وأطلق عليه “المثل الأعلى” أو “خليفة الله”. ذلك النور الذي وضعه الله في أعماقنا – والذي يدفعنا نحو اللانهائية – ليس إلا نور محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ومن هنا، فإن أصل أرواحنا مستمد من أهل البيت(عليهم السلام)، وليس من عوائلنا الأرضية. لقد أسهم آباؤنا وأمهاتنا في الدنيا في تكوين أجسادنا فقط من خلال اتحاد النطفة والبويضة، أما أرواحنا الخالدة، فهي مرتبطة بأهل البيت(عليهم السلام).

في الحقيقة، نحن جميعاً ننتمي إلى عائلة سماوية واحدة وقبل أن نولد ونتلبس هذه الأجساد الطبيعية والمادية، كنا نعيش في كنف أسرتنا الأصلية. وعندما هبطنا إلى عالم المادة والطبيعة، نسينا موطننا الأول وجذورنا الحقيقية. ومع عودتنا في المعاد، سنرجع إلى حيث كنا عند عائلتنا السماوية، ولكن بخلاف المرة الأولى، ستتوقف هذه المرة جودة حياتنا الأبدية في رحلة العودة على خياراتنا.

في هذا الدرس، سنتناول مفهوم العائلة السماوية، ونبحث في علاقتها بهدف الخلق، ونرى كيف يمكننا، من خلال ارتباطنا بهذه العائلة، أن نسير في طريق التشبّه بصفات الله، ونحقق الغاية من وجودنا.

العائلة السماوية مرشدة في مسيرة الخلق

من البديهي أن تحقيق النجاح في أي مجال أو حرفة يتطلب اتباع مرشد المتقدم والالتزام بتوجيهاته. على سبيل المثال، إذا أراد رياضي أن يصل إلى نفس مستوى القوة والمهارة الذي يتمتع به مدربه، فعليه تنفيذ كل النصائح والتدريبات التي يقدمها له المدرب بدقة. وهكذا هي قصة خلق الإنسان، إذ أن الهدف الأسمى هو الوصول إلى مقام “خليفة الله”، وأهل البيت (عليهم السلام) هم النموذج الكامل لهذا المقام. ذكرنا سابقاً أن الطريق نحو الله مسيرة حساسة ودقيقة تتطلب معرفة متخصصة تشمل سبعة أنواع من المعلومات التي لا يملكها سوى الله سبحانه وتعالى. وقد منح الله هذه المعرفة لأهل البيت(عليهم السلام)، فجعلهم قدوة ومدربين لنا في جميع مجالات الحياة. هم من يضع لنا القواعد والضوابط التي ترشدنا في كافة الجوانب، سواء عبر كلماتهم، أو أفعالهم، أو حتى صمتهم في بعض المواقف. إن الأئمة (عليهم السلام) هم مصابيح الهداية في درب الخلق،[1] ومن دونهم، لن نستطيع التمييز بين الطريق الصحيح والضال. لذلك، يجب أن نجعلهم قادة حياتنا ونتبعهم في كل خطوة نخطوها، وكما نخاطبهم بصدق في “زيارة عاشوراء”، قائلين: ” أن يجعلني معكم في الدنيا والآخرة”؛ أي كل أمنياتنا ودوافعنا هي أن نكون معكم وفي درجتكم في الدنيا والآخرة. هذا المقام العظيم ليس مجرد شعار أو دعاء يُتلى، بل هو هدف يستحق منا السعي الجاد والعمل المستمر لتحقيقه. ولكي نصبح من شيعة أهل البيت(عليهم السلام)،[2] يجب أن نلتزم بتوجيهاتهم، فنطيع أوامرهم، ونجتنب نواهيهم، ونجعل حياتنا انعكاساً لما أرادوه لنا. في هذه الحالة فقط نتشبّه بهم ونصل إلى مراتبهم. أما إذا أهملنا تعاليمهم، فإننا نفقد الرابط الحقيقي الذي يصلنا بهم، ولن نكون جزءاً من تلك العائلة السماوية العظيمة.

أهمية معرفة العائلة السماوية

إن ضرورة تعرف الإنسان على مفهوم العائلة السماوية، وفهم أصله وجذوره، وكيفية وصوله إلى الدنيا، وموطنه السابق، والمصير الذي ينتظره، هي مسألة في غاية الأهمية. من منظور الفلسفة الإسلامية، فإن أساس سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة يكمن في معرفة العائلة السماوية والتواصل معها. إذا لم نعتبر أنفسنا جزءًا من هذه العائلة ونشعر بالانتماء إليها، فإننا نجهل مكانتنا العائلية وشخصياتنا الحقيقية بعد. ينبغي أن يكون شعورنا بالانتماء إلى العائلة السماوية أقوى بألف مرة من شعورنا بالانتماء إلى عائلتنا الأرضية.

إذا لم تكن لدينا معرفة بعائلتنا السماوية وعشنا فقط مع عائلتنا الأرضية، فلن نتمكن من التواصل معها عند عودتنا إلى النظام الأبدي، وبالتالي لن نستفيد من وجودهم. من عرف نفسه حقًا، واعتبر نفسه عضواً في عائلة أهل البيت(عليهم السلام)، يمكنه أن يحقق السعادة والهدوء الحقيقي في هذه الدنيا، من خلال تنظيم اختياراته وعلاقاته و سلوكياته وأخلاقه وأفكاره بناءً على هذا الفهم. ومن الطبيعي أن من يخالف ذلك سيعاني من خسارة شديدة؛ أي أنه لن يرى السعادة والهدوء في الدنيا، ولن يحصل على ولادة جيدة سليمة في الآخرة.

إذا لم نستطع أن نبني علاقة قوية مع عائلتنا السماوية، فإننا نصبح هدفاً سهلاً لهجمات الشيطان من كل جهة – من الأمام والخلف واليمين واليسار – مما يجعلنا نعيش حالة دائمة من الشعور بالهزيمة. تماماً كمن لا يعرف مكان عائلته أو هويتهم، فيعيش في المجتمع مضطرباً، محاطاً بالقلق، ومعرضاً لشتى أنواع الأذى النفسي والجسدي.

تعود جميع المصائب والأحزان والهزائم، وكل مشاعر القلق والفراغ التي نعاني منها في الدنيا، إلى جانب كل المحن التي قد نواجهها في الآخرة، إلى سبب واحد: جهل الإنسان بنفسه وبُعده عن عائلته الحقيقية وعن جوهره الأصيل. عدم إدراك الإنسان لأصوله وجذوره قد يقوده إلى ارتكاب أفعال شنيعة، تصل إلى حد المشاركة في قتل المعصومين(عليهم السلام) أو التسبب في جرائم فظيعة ضد عائلته السماوية، كما رأينا في التاريخ من قتل أحد عشر إماماً معصوماً، وترك الإمام الثاني عشر يعيش في الغيبة والاضطرار لما يزيد عن ألف ومئة وثمانين عاماً. فحتى  من لا يعرف أصله وجذوره الحقيقية، قد تتحول حتى مشاعر حزنه وعزائه على مصائب عائلته السماوية إلى مجرد وسيلة لتحقيق مصالح دنيوية أو للحصول على مكاسب شخصية.

في هذا الدرس، تحدثنا عن مفهوم العائلة السماوية وأهمية معرفتها، وشرحنا أن الوصول إلى غاية الخلق والتشبه بصفات الله لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال معرفة هذه العائلة واتباع سيرتها.


[1] النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: “إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.” (بحراني، سيد هاشم، مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر، ج4، ص52)

[2] . قالت فاطمة الزهراء(س): «…إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ بِمَا أَمَرْنَاكَ، وَ تَنْتَهِي عَمَّا زَجَرْنَاكَ‏ عَنْهُ فَأَنْتَ مِنْ شِيعَتِنَا، وَ إِلَّا فَلَا…»  (التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (علیه‌السلام)، قم، مدرسة الإمام المهدی (عج الله تعالی فرجه الشریف)، ۱۴۰۹ ق، ص 308)

اكتب رأيك