ماهیة الحق وكيفیة السلوك في سبيله؟
الحق كلمة نستخدمها كثيراً في حياتنا اليومية، لكن هل نعرف معناها الحقيقي؟ نقول مثلاً: “الحق مر”، “ليس من حق فلان أن يفعل كذا”، “الحق معك”، “اسعَ إلى الحق”، وغيرها من العبارات. قد نتحدث أيضاً عن الحقوق، مثل حقوق الوالدين، حق المعلم، حق الجار، حق الله على الإنسان، حقوق الناس المتبادلة، حق الملكية، الحقوق المدنية، حرية التعبير، حقوق الحيوانات، وغيرها.
هذا الطيف الواسع والمتنوع من استخدام كلمة الحق، يثير بعض الحيرة والغموض. لذلك، إذا سألت شخصًا عاديًا في الشارع عن تعريف دقيق للحق، على الرغم من أنه قد يفهم المعنى العام لهذه الكلمة، إلا أنه من المحتمل أنه لن يستطيع تقديم إجابة واضحة. ولكن، ما هو الحق بالضبط؟ وما هي علاقته بعلم الإنسان؟ ولماذا من المهم فهمه؟
“الحق” هو مصطلح شائع الاستخدام في الدين والأخلاق والقانون والسياسة. وعند طرح سؤال بسيط كسؤال “ما هو الحق؟” نواجه مجموعة واسعة من الإجابات التي تشير إلى معنيين مختلفين للحق: أحدهما يعني “حقّانيّة الشيء” أي “الصدق والصواب”، والآخر يعني “أحقيته” أو “کون الشيء من حق الإنسان”.
الحق، في معناه الأول، يقف مقابل الباطل. عندما نقول إن شيئًا ما هو حق، فإننا نعني أنه صحيح وسليم، وهو ما ينبغي أن يكون، ويتوافق مع نظام الكون ونظام النفس البشرية. أما الحق في معناه الثاني، فهو يوازي الواجب، ويشير إلى امتياز معين تحترمه الضمائر الإنسانية أو تقره القوانين، مثل حق الوالدين وحق المعلم وحقوق الإنسان. في هذا المقال، سنركز على المعنى الأول للحق، أي ما هو صحيح وسليم ويتوافق مع قوانين الریاضيات في الخلق وقوانين ریاضیات في النفس البشرية. كما سنتطرق بشكل عابر، إلى المعنى الثاني للحق، أي ما يفرض على الإنسان واجبات معينة.

أهمية فهم الحق
لماذا نولي هذا المفهوم كل هذا الاهتمام؟ إن اهتمامنا بالحق يتجاوز كونه مجرد بحث لغوي أو نظري لزيادة المعرفة، بل هو مرتبط بأهمية بالغة في حياتنا في الدنيا والآخرة. فكما سبق وذكرنا، فإن الحساب أو الميزان في الآخرة يستند إلى مدى التزامنا بالحق.[1] بمعنى آخر، كلما زاد التزام شخص ما بالحق في الحياة الدنيا، زادت حسناته في ميزان أعماله، والعكس صحيح، فكلما ابتعد الشخص عن الحق، قلت حسناته.
في الحقيقة، إن الحق في الآخرة يشبه الحساب البنكي في الدنيا. فكما أن ازدياد الرصيد في الحساب البنكي يعني زيادة الثروة، كذلك فإن التوافق الأكثر مع الحق في الآخرة يعني الثراء الحقيقي والغنى. ولكن، ما هو هذا الحق؟ وكيف يتم قياسه وما هي معاييره؟
الحق في جوهره هو الأمر المستحق والواجب، الذي يتوافق مع الفطرة والصواب. فعلى سبيل المثال، الحق هو أن يهتم الإنسان بصحته، ويتغذى بشكل سليم، ويمارس الرياضة، و الحق هو أن يشكر من أحسن إليه، أو أنه إذا كان هناك احتمال للضرر في الجسم، فإنه يتيمم بدلاً من الغسل والوضوء، وألا یدع الإفراط في تغذية أفكاره في جانبه الحيواني أن يعيق نمو ماوراء العقل وتغذيته، والحق هو أيضا أن نهتم بتغذية جزءنا الإنساني من خلال وضع العبادة والتواصل مع الله، في مقدمة أولوياتنا، وأن لا ندع روحنا تجوع وتضعف. والأمثلة على مراعاة الحق في الجوانب المادية والمعنوية كثيرة، ولا شك أنك تستطيع إضافة العديد من هذه الأمثلة إلى القائمة المذكورة.
لننتقل إلى الجانب الأهم من جوانب الحق، کمقياس يُوزن به أفعال البشر في الآخرة.
تعريف الحق من خلال قانون النسبة
لنفهم ماهية الحق وكيفية حسابه في الآخرة، علينا العودة إلى قانون النسبة(قانون النسبة؛ طريقة لفهم خصائص الحياة الأخروية) والعلاقة بين الدنيا والآخرة. لقد ذكرنا أن علاقة الدنيا بالآخرة تشبه علاقة رحم الأم بالدنيا. فبعد أن يخرج الجنين من بطن أمه، تبدأ الدنيا فوراً في محاكمته وسؤاله، وتقيس مدى مطابقته للحق. فما هو الحق؟ الحق في الدنيا هو التوافق التام للجنين مع جميع المقاييس الدقيقة التي يحتاجها ليعيش حياة هنيئة وسعيدة في الدنيا، بدءاً بصحة العين والأذن واليد والقدم ووصولاً إلى أدق تفاصيل الأنسجة والأعضاء الداخلية. فإذا كانت هذه الأعضاء سليمة تماماً ومتوافقة مع شروط الحياة الدنيا، فهذا يعني أن النطفة قد تشكلت في الرحم على حق وقد مرّت بمرحلة الحمل بشكل صحيح كما ينبغي.
وينطبق هذا القانون على الآخرة أيضًا. فكما يُقاس أفعال الجنين في الدنيا(ما هي العلاقة بين ميزان سلامة الجنين واستفادته من الدنيا؟) بمعيار الحق، تُقاس أفعالنا في الآخرة بنفس المعيار. فما هو الحق في الآخرة؟ الحق في الآخرة هو انطباق النفس البشرية على صفات وواقع الحياة الآخرة. بمعنى آخر، كلما زاد ارتباط الإنسان بالحق في الدنيا وتطابقه مع معايير الحق، كان قلبه أكثر سلامة واستعدادًا للنعيم في الآخرة. والعكس صحيح، كلما ابتعد الإنسان عن الحق في الدنيا، كان قلبه أكثر مرضًا ومعاناة في الآخرة.
في الحقيقة، من يعيش في الدنيا دون أن يتبع معايير الحق، يشبه جنينًا لم يكتمل نمو بعض أعضائه بالشكل الصحيح وکما ینبغي. وهذا النقص لا يظهر جليًا إلا عندما يخرج الجنين إلى الحياة ويدخل عالم الدنيا.
إذن لا يوجد هناك شك أن أفضل عمل في الحياة، هو التمسك بالحق والالتزام به.[2] فالتزام الحق هو وحده ما یصنع جوهرنا مطابقًا مع واقع الملكوت وظروف الحياة فيه. ولكن هناك شرط أساسي للتمسك بالحق وهو معرفة الحق الحقيقية. هذه المعرفة ليست سهلة المنال، فالباطل يتنكر غالباً ما في صورة الحق، والكثير من الأعمال التي نظن أنها صالحة ونحسبها حقًا وزاداً للآخرة قد تكون باطلة في حقيقتها دون أن نشعر. لذلك، لمعرفة الحق من الباطل في كل أمر، نحتاج إلى نموذج واضح، أي أن الحق يجب أن يتجسد في شخص أو شيء حتى نتمكن من تمييزه عن الباطل بوضوح.
ما هي أمثلة الحق ومَن هُم؟
أعلى مثال للحق، والذي يشمل في الواقع جميع أمثلة الحق، هو الله نفسه. الله تعالى هو الكمال المطلق، وذاته المقدسة هي أعظم حقيقة لا يمكن إنكارها في الوجود. الحق في الواقع هو من أسماء الله الحسنى، وكثيراً ما نطلق على الله هذا الاسم، أي الحق تعالى. بعد الله تعالى، فإن المثال التالي للحق هو القرآن الكريم[3]، ومن ثم دين الإسلام[4]، وأئمة أهل البيت عليهم السلام. في الواقع، هذه هي أضلاع المثلث الذي يرشدنا إلى الحق، وإذا حذف أي منها، فإن معرفة الحق والسير في طريقه تصبح صعبة، أو بالأحرى مستحيلة.
القرآن هو كتاب الحق، وهو ليس فقط منبع تغذية الجانب ماوراء العقلي في الإنسان، بل يحتوي أيضًا على قواعد ومبادئ تحدد الحق وتسهل معرفته. لذا، فإن من أهم المقاييس لمعرفة الحق هي اللجوء إلى دراسته المتأنية والمستمرة. ولكن القرآن وحده لا يكفي لمعرفة الحق، لأنه يذكر المبادئ العامة ولا يدخل في التفاصيل. بینما أن معظم مشكلاتنا في تمييز الحق عن الباطل تقع في الأمور الجزئية اليومية، وليس في الأمور الكلية. مثلاً، كثيراً ما نتردد بين عملين صالحين ولا نعرف أيهما أفضل وأحق بالقيام به. قد نختار عملاً يبدو صحيحًا ولكنه غير مناسب في ذلك الوقت والمكان. لذلك فإننا نحتاج إلى نموذج عملي إلى جانب القرآن، يكون نمط حياته وسلوكه وقوله مبنيًا على الحق خاليًا من أي خطأ. وهذا النموذج هو الأئمة المعصومون عليهم السلام، إنهم أئمة الحق والصراط المستقيم.
تطرقنا في هذا الدرس، إلى مفهوم الحق، وبيّنا ماهيته وأهميته. وقد أشرنا إلى القرآن الكريم والأئمة المعصومين (عليهم السلام) كأبرز تجسيدات للحق، وحثينا على اتباعهما. وبقي مثال آخر، وهو دين الإسلام الذي يعدّ دين الحق، وسنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في دروس قادمة.
[1] . « وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» سورة الأعراف، الآیة 7
[2] . قال الإمام علي(علیهالسلام): «أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ لُزُومُ اَلْحَقِّ» غررالحکم، ج۱، ص۸۱۷
[3] . وَ اَنْزَلْنا اِلَیْکَ الْکِتابَ بِالْحَقِّ: سورة المائدة، الآیة 48
[4] . هُوَ الَّذى اَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدّینِ کُلِّهِ: سورة الفتح، الآیة 28