ماهية العنصر الوجودي: هل للروح عنصر مكون كالجسم؟

جدول المحتويات
ماهية العنصر الوجودي: هل للروح عنصر مكون كالجسم؟

دراسة مفهوم “عناصر الأبرار” والعنصر الوجودي للصالحين في الزيارة الجامعة الكبيرة

ما هو العنصر الوجودي للإنسان؟

هل يقتصر هذا المصطلح على البعد المادي فقط؟

يشير مصطلح “العنصر” إلى الأصل، والجوهر الأول، والمادة المكونة لكل شيء. وقد اعتقد الفلاسفة القدماء بوجود أربعة عناصر أساسية في الأرض: الماء، والهواء، والتراب، والنار. ورأوا أن جسم الإنسان يتكون من هذه العناصر الأربعة، وأن سمات الشخصية والأخلاق تختلف باختلاف العنصر المهيمن في الجسم؛ فمنهم من هو هادئ الطباع، ومنهم من هو متقد وحيوي وما إلى ذلك.

لقد تجاوزنا اليوم مفهوم العناصر الأربعة الذي ساد في العصور القديمة، إذ بتنا ندرك أن هذه العناصر ليست سوى تجمعات لمواد أكثر دقة. فلم يعد حديثنا عن أربعة عناصر طبيعية، بل عن أكثر من مئة عنصر تم اكتشافها حتى الآن، بعضها يشكل جزءًا أساسيًا من تركيب الجسم البشري، كعناصر الحديد والزنك والمغنيسيوم وغيرها. هدفنا هنا هو ليس الخوض في تفاصيل علمية حول العناصر الطبيعية، بل أردنا أن نمهد لحديثنا عن “أركان الوجود”. فكما نعلم جميعًا، يتكون الجسد المادي من عناصر متنوعة، يؤثر نقصها أو زيادتها في وظائفه الحيوية. لكن هل تساءلنا يومًا عن أركان أو عناصر تشكل الجانب الروحي أو المعنوي من وجودنا؟

هل للروح، كما للجسد، جوهر وجودي مستقل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذا الجوهر، وما هي مكوناته؟ في السطور التالية، نسعى للإجابة عن هذه التساؤلات، مستنيرين بأحدث الأبحاث والدراسات في هذا المجال.

جوهر تميّز الأبرار والمحسنين في مقابل عامة البشر

تُعدّ الزيارة الجامعة الكبيرة، التي صاغها الإمام الهادي (عليه السلام)، من أروع النّصوص التي تُجلّي معالم الإنسان في ضوء الهداية الإلهية. فهي، بوصفها صادرة عن لسان معصوم، تُفصح عن مضامين معرفية عميقة، وتستنبط قواعد علم الإنسان الإلهي.

من بين هذه القواعد، هناك مفهوم “العنصر الوجودي”، الذي يتجلّى في قولنا: “السلام عليكم يا أهل بيت النبوة… وعناصر الأبرار”. هنا، يُقدّم أهل البيت(عليهم السلام) باعتبارهم جوهر وجود الصالحين والأبرار. لكن ما مغزى هذا القول؟ وما طبيعة العلاقة التي تربط بين أهل البيت(عليهم السلام) وأهل الخير في هذا العالم؟

یتمیز الأبرار والصالحین، في بُعدهم الروحي والمعنوي بسمات نبيلة وأخلاق رفيعة تشكل جوهر شخصياتهم وكيانهم، إذ تتجلى فيهم صفات كالرحمة والود، والسكينة والطمأنينة، والحب الصادق للآخرين، والجود والكرم، وستر العيوب، وحفظ الأسرار، والعفو والصفح، وغيرها من الفضائل والمحاسن الأخلاقية والشخصية. لا تنبع هذه الصفات الحميدة إلا من مصدر واحد، وهو تلك العناصر الوجودية الروحانية الكامنة في نفوسهم.

إن الصالحين، في بُعدهم الجسدي، لا يختلفون عن سائر الناس، بل إن ما يميزهم عن غيرهم هو سمو أرواحهم، وهذا السمو ينبع من عناصرهم الداخلية، تلك العناصر التي تتمثل في “الله، وأهل البيت(عليهم السلام)، والجهاد في سبيله”. إنها المعايير ذاتها التي تفصل بين المؤمنين والفاسقين، والتي سبق لنا الحديث عنها.

إن النفوس الزكية والصالحة تشبه في قيمتها معادن الذهب النفيسة، إلا أن عيار هذا الذهب يختلف من شخص لآخر. فمنهم من هو ذهب ذو عيار ثمانية عشر، يحمل في طياته بعض الشوائب التي تقلل من صفائه. ومنهم من هو ذهب عيار اثنان وعشرون، يزهو بنسبة نقاء أعلى. أما الصفوة، فهم الذهب الخالص ذو الأربعة وعشرين قيراطاً، أولئك الذين بلغوا ذروة الصفاء، حيث لا يشوب قلوبهم أي دنس أو شائبة. لقد امتلأت جوانحهم بعشق الله، وحب آل بيت رسوله(عليهم السلام)، والجهاد في سبيله، فلم يعد في قلوبهم متسع لدخول أي خبث أو دنس.

كيف يتجلى نور أهل البيت في ذواتنا؟

أهل البيت (عليهم السلام) هم الأصل والجذور، وهم العائلة السماوية التي ننتمي إليها. إن أرواحنا تحمل من جوهرهم، وكل واحد منهم حاضر فينا كعنصر وجودي متأصل. فكل منا يحمل في داخله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلياً، وفاطمة، وحسناً، وحسيناً (عليهم السلام). نحن جميعاً نحمل في أرواحنا، بالقوة الکامنة، عناصر وجودية من أنوار المعصومين الأربعة عشر. والاختلاف بيننا ليس إلا في شدة وضعف هذه العناصر، والفرق بيننا ليس من جهتهم، بل هو نتاج أفعالنا، حيث تتفاوت هذه العناصر قوة وضعفًا تبعًا لما نفعله.

إن علاقتنا الروحية بأهل البيت عليهم السلام، تشبه علاقة الجسد بالعناصر الغذائية. فكما نعلم، يتكون جسدنا من عناصر مختلفة، وتعتمد صحة كل واحد منا على توفر هذه العناصر بكميات كافية في الجسم. وعندما نهمل التغذية السليمة ونملأ بطوننا بأنواع من المواد الضارة أو عديمة الفائدة، يواجه جسمنا نقصًا في العناصر الغذائية الدقيقة، وهذا النقص يعرض صحتنا للخطر. الوضع مماثل في البعد الروحي. فما يحافظ على توازننا وسعادتنا وسلامنا في مراحل الحياة المختلفة هو مقدار الحب الذي نكنه لله، ولأهل البيت عليهم السلام، وللجهاد في سبيله. هذه العناصر الثلاثة هي التي تلعب الدور الرئيسي في صحتنا الروحية والمعنوية.

الله هو الكمال المطلق، ومنبع كل جمال وخير. وأهل البيت عليهم السلام، هم تجليات الله التامة، والقادة العظماء للبشرية نحو غاية الخلق. أما الجهاد، فهو بمثابة الجناح الذي يحررنا من الحياة الحيوانية الأرضية، ويرفعنا إلى آفاق السماء والملكوت. فكلما كانت هذه العناصر الثلاثة أكثر وضوحًا وتجليًا في أرواحنا، ازدادت صحتنا الروحية قوة ومتانة. وكلما ابتعدنا عنها، زادت احتمالية إصابتنا بأمراض روحية وآفات أخلاقية.

ختامًا، لا بد من الإشارة إلى أن مقدار حضور الله وأهل البيت عليهم السلام في كياننا، يتوقف بشكل كامل على مدى استعدادنا لتقبلهم. فكلما قللنا من مقاومتنا لهم، وأذعنا إرادتنا لإرادتهم، كلما أسرعنا واقتربنا منهم أكثر. وكلما استعصينا وتصلبنا في هذا الطريق، قل نصيبنا من تلك الجواهر الوجودية. إن حكايتنا نحن البشر مع إرادة الله وأهل بيته، كحكاية خشبي رطب وجاف مع النار. فالخشب الجاف لا يقاوم الاحتراق، وسرعان ما يشتعل ويتوهج بمجرد ملامسته النار. أما الخشب الرطب فإنه  يقاوم الاحتراق، ولا ينكسر عناده إلا بعد طول معاناة تحت تأثير الحرارة.

اكتب رأيك